برنامج لمسات بيانية

إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين


الحلقة 45

سؤال 191: ما الفرق بين القرآن والكتاب وما دلالة إستخدام ذلك الكتاب في الآية (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) ولم تأت هذا الكتاب أو هذا القرآن أو ذلك القرآن؟

فيما يتعلق بالفرق بين الكتاب والقرآن حينما يشار إلى هذا الذي أنزله الله عز وجل على رسوله r يمكن أن يقال هو الكتاب ويمكن أن يقال هو القرآن ويمكن أن يقال هو الفرقان ويمكن لأن يقال هو الذِكر ولكن كل كلمة لها صورتها الخاصة بها. فعندما يقال الكتاب يتستحضر في الذهن صورة الكتاب المكتوب وعندما يقال القرآن تستحضر في الذهن صورة القراءة وعندما يقال الفرقان تستحضر في الذهن صورة الفرق بين الحق والباطل وعندما يقال الذكر يستحضر في الذهن ذكر الآيات وذكر آلآء الله سبحانه وتعالى وذكر الحلال والحرام، هو المقصود واحد وهو الذي أُنزل على محمد r . لكن أسماء الإشارة عندما تُستعمل تستعمل لغايتها: عندنا إسم الإشارة للمذكر شيء  وللمؤنث شيء  وللجمع شيء. إسم الإشارة في الأصل هو (ذا) لوحدها لكن يدخله الهاء للتنبيه كأنما يقدم عليه شيئاً ينبّه فقال (هذا). وأحياناً تدخل عليه الكاف الذي يشير إلى البُعد فيقول (ذاك) وقد تدخل عليه اللام التي تشير إلى البُعد المُفرِط (ذلك) للبعيد جداً. ذاك للبعيد وإن كان قسم حاول أن يجعل الكاف للمكان الوسط بين القريب والبعيد لكن فكرة الوسط فكرة غير منضبطة لأن الشيء يمكن أن يكون بالنسبة لك إما قريباً أو بعيداً أما التوسط فكيف سندركه؟ لذلك كثير من العلماء قالوا : ذاك للقريب أو للبعيد وذلك لكثير البُعد. ذلك فيها كثرة البُعد. علماؤنا يقولون هذا نوع من تشريف للكتاب بأنه لم يُشر إليه بإشارة القريب وإنما أراد أن يعظّمه. وقسم قال إذا أشار إلى الكتاب الذي في اللوح المحفوظ قال (ذلك) معناه الكتاب الذي في اللوح المحفوظ والذي لا يمسه إلا المطهّرون من الملائكة. فقد أشار إليه بهذا لأنه لما أراد ما بين أيدي الناس فيشير إليه إشارة القريب كقوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) هو بين أيديهم. القرآن والكتاب واحد وهو الآيات التي أنزلها الله عز وجل على محمد r لكن لما يقول الكتاب كأنه إشارة إلى هذا المدوّن وهو نفسه المقروء. هو كان مسطّراً في اللوح المحفوظ ثم نزل مقروءاً ثم قرأه الرسول r ثم سُطِّر.

هذه في مسألة (ذلك الكتاب) لأن الإشارة إلى الكتاب الذي في اللوح المحفوظ ويراد إدراك الرسم، الكتابة فجاءت كلمة (الكتاب) وكان يمكن في غير القرآن أن يقال (ذلك القرآن) لكن لأن الكلام جاء على أنه في تكوينه ليس فيه شك، في ماهيّته هو خالٍ من الشك الذاتي يعني هو غير قابل لأن يُشكّ فيه بذاته قال (لا ريب فيه) انصرف الذهن إلى الكتاب الذي في اللوح المحفوظ (ذلك الكتاب لا ريب فيه). والريب أدنى درجات الشك والشك أقوى من الريب والريب كأنه أول درجات الشك. هذا الكتاب بذاته يخلو من أي ذرة من ذرات الشك فإذن هو يخلو من الريب.

الأحرف المقطعة:

(ألم) ما هذه الأحرف؟ ولمَ جاءت هذه الأحرف؟ هذا سنعرض له في جزئية الآن: نحن قلنا القرآن هو الكتاب والكتاب هو القرآن ونحن عندنا آيتان الأولى في سورة الحجر والثانية في سورة النمل يستدعيان السؤال لأن الآية الأولى جاء فيها (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) الحجر) ذكر الكتاب وذكر القرآن والثانية (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل). في الآية الأولى قدّم الكتاب وعرّفها وجاء بعدها بكلمة قرآن بالتنكير ووصفها. وفي الآية الثانية ذكر القرآن معرّفاً وجاء بكتاب نكرة ووصفها بمبين أيضاً. فالسؤال لم الإختلاف بين الآيتين؟

لو نظرنا في سياق الآيتين. أولاً هذه الأحرف المقطعة (ألر) (ألم) (طس) وغيرها هذه الأحرف كما هي لم يرد في تاريخ الإسلام أن الرسول r سُئل عنها، ما ورد.  ولو سُئل عنها كان يُسجّل إذن فهموها لما لم يسألوا عنها إذن فهموا ماذا يُراد منها أما نحن الآن وحتى قبل ذلك تحيّر فيها المفسرون. لكن التوجه اللغوي(وبرنامجنا هذا برنامج لغوي) من حيث اللغة لما يقول (ألر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين)) ألر لوحدها خارج الآية لا إبانة فيها. لأنه لو قال لك إنسان :لام نون كاف تقول له ما هذا الكلام لوحده؟ لكن لما جاءت هاهنا وجاءت معها كلمة الإنابة أهل اللغة يقولون هذه من دلائل الإعجاز بمعنى أن هذا القرآن المبين الواضح مكوّن من هذه الأصوات غير المبينة في ذاتها. الأحرف لوحدها ليست مبينة لا يستفيد منها السامع شيئاً فلما جاءت في نظم معيّن كانت قرآناً. هذا النظم أعجزكم عن أن تأتوا بمثله وكان ينتهي الإسلام وتنتهي المعركة ولذلك نقول هذا التحدي هو تحدٍ منصِف. لما قال (فاتوا بسورة من مثله) تحدي منصف لأن المادة الأولية لألفاظ القرآن الكريم موجودة عندكم من وحي الأحرف ولكن هذه الأحرف لما ركبت (ألر) بذاتها لم تكن مبينة لكن هي في داخل السياق لما قلنا لكم هذه الأحرف التي هي غير مبينة لما صارت قرآناً صارت مبينة يعني هذا تنبيه على عجزكم عن شيء أنتم تملكونه. أنتم تملكون هذه الأحرف وأنتم لم تستطيعوا أن تكتبوا من هذه الأحرف قرآناً فإذن هذا هو الربط بين هذه الأحرف المقطعة وكلمة مبين (تلك آيات الكتاب وقرآن مبين).

لماذا لم يلتزم نفس الأحرف المقطعة في كل السور؟ لماذا غيّر الأحرف؟ ولماذا تأتي مرة ألر وفي موضع آخر طس مثلاً كل في مكانها؟ ألم وحم تكررت في آيات كثيرة والسؤال يبقى وارداً لمَ قال ألر ولم يقل حم ذلك الكتاب لا ريب فيه؟ السؤال لا ينتهي هنا فكان لا بد من إختيار حروف معينة لأنه لو قال هنا حم لكان السؤال لم جاء هنا بـ (حم)؟

هل هناك مناسبة بين تلك الأحرف والآية التي تليها؟

إلى الآن بقدر بحثنا لا توجد مناسبة ظاهرة لكن هناك مناسبة اختيار ما بعدها بالنظر إليها سأذكرها: هذه المناسبة وجدت أنها من الجانب الصوتي تنطبق على جميع ما ورد ذكره من كلمة كتاب وكلمة قرآن. لأني كنت أفتش في المصحف عن كلمة الكتاب وكلمة القرآن وهنا اجتمعتا معاً ومعها الأحرف المقطعة فوجدت شيئاً يمكن أن أثبّت فيه قاعدة: أنه حيثما اختار كلمة الكتاب تكون الأحرف المقطعة كذا ليس بذاتها وإنما بمقاطعها الصوتية لأنه هي بذاتها لا ينتهي منها السؤال. مثال على ذلك: لما تقول كتب للكتابة وضرب للضرب ألم يكن بالإمكان أن يستعمل ضرب للكتابة وكتب للضرب؟ ممكن إذن فلم اختيرت هذه الأحرف لهذا؟ فالسؤال يبقى لا ينتهي لو كان بدل (ألر) (دنك) فيكون السؤال لم جاءت (دنك)؟ هو الغرض أن يؤتى ببعض الأحرف المقطعة ويشار إلى أن هذه الأحرف هو المادة الأولية للكلام. العرب فهموا أنه هذا يشير إلى تحديهم أنه كان تحدياً منصفاً بمعنى أنه أنا أريد منكم أن تكتبوا سورة والسورة مكونة من هذه الأحرف والأحرف عندكم.

هذه الأحرف المقطعة هي في حقيقتها خارج النظم المراد بالمعنى الذاتي لكل كلمة هي بذاتها ليس لها معنى، فارغة من المعنى. هو لم يشأ أن يأتي بكلمة تحمل معنى وإنما جاء بألفاظ لا تحمل معنى فيستوي في ذلك ألر، ألم، كهيعص، طسم وغيرها. ولكن هذه جاءت هنا وهذه جاءت هنا. ألفاظ فارغة من المعنى لكن لما انسبكت في داخل الآية دلّت على فائدة أن هذا القرآن مكون من هذه المادة، من هذه الألفاظ الفارغة الآن لكن صار لها معنى فصارت مبينة أنها أبانت على إعجاز القرآن الكريم أنه هذا الذي أعجزكم مادته المفرغة من المعنى هي (ألر، كهيعص) ركبوها بتركيب خاص وانظموها. القرآن جاءت فيه مركبة بتركيب خاص ومنظومة فجاءت آيات وأنتم تفعلون هذا فيأتي شعراً وخطباً. العلماء جمعوا الأحرف المقطعة وقالوا عندما نجمعها نجد أنها نصف الأحرف المجهورة ونصف الأحرف الشديدة ونصف المطبقة ونصف المنقوطة ونصف الخالية من النقط ونصف المنفتحة وهكذا لكن هم خاضوا في هذا للنظر فيه. وهذا لا يقطع الطريق على البحث فيها فيمكن أن يأتي أحد الآن أو فيما بعد ويلمس في كل ذكر لهذه الأحرف سراً يتعلق بالسورة نفسها، كما قالوا مثلاً في سورة ق يقولون ذكرت (ق) فيها لأن هذا الحرف نسبة تكراره في سورة ق بالقياس إلى نسبة تكراره في جميع السور الأخرى أعلى لكن أنا لا أطمئن لهذه الإحصاءات لأنه دخلت فيه أيدي غير دقيقة. يفترض أنه نأخذ كلمة ألف (الهمزة) كم تكررت في سورة البقرة مثلاً والقاف كم تكررت والباء كم تكرر ثم نسبة القاف إلى الهمزة كم هي  ونسبتها إلى الباء وغيرها والهمزة إلى القاف ثم نحكم. (ألر تلك آيات الكتاب) هذه الأحرف المفرّغة من المعنى رُكبت تركيباً خاصاً فصارت آيات مبينة موضحة وهي موضع الإعجاز وموضع التحدي للعرب الفصحاء. هم يقيناً أدركوا هذا المعنى وإلا لكانوا سألوا عنه.

يبقى عندنا شيء (تلك آيات الكتاب وقرآن مبين) ذكرنا قبل قليل أن الكتاب هو القرآن والقرآن هو الكتاب لكن المرحلة التي في اللوح المحفوظ كان مكتوباً ونزل به جبريل u منطوقاً فإذن هو كتاب وقرآن على لسان جبريل u. الرسول r قرأه على الناس أولاً فهو قرآن وكتبوه فهو كتاب (تلك آيات القرآن وكتاب مبين). إذن عندنا كتاب مرتان وقرآن مرتان لما نجمع بين الآيتين المرة الأولى كتاب قُريء هذا في الغيب وقرآن على لسان جبريل u والثانية قرآن وكتاب قرأه الرسول r وكُتِب فكان مكتوباً فقريء في الغيب ثم قُريء في اواقع. هذا الجمع بين الآيتين على ما بينهما من بُعد الترتيب في المصحف وفي ترتيب النزول حتى نقول أن هذا كان قرآناً كاملاً ثم نزل إلى السماء الدنيا وصار يتنزّل.

يبقى مسألة التعريف والتنكير ثم لماذا بدأ هنا بالكتاب وهنا بالقرآن؟

مسألة التعريف والتنكير المراد أن يعظّم هذا الكتاب. التعظيم عند العرب إما أن يكون بـ (أل) التي فيها معنى الجنس العام (جنس هذا الشيء له) وإما أن يكون بتنكيره وسياق يشير إلى تعظيمه. لما تأتي إلى التعريف لما يقول الخالق الباريء المصور، هذه الألف واللام هنا ليست لتعريف مجهول أنه لم يكن معروفاً وصار معروفاً وإنما لغرض التعظيم والتفخيم كأن الخالق إحتوى جنس الخلق جميعاً يعني جنس العمل، هذا الباريء هذا الوصف كأن هناك معنى الجنس يُراد به فيكون فيه شيء من التفخيم. لما يقول (القارعة) يعني شيء عظيم ثم يقول (ما القارعة) نوع من تفخيمها. فهو يراد تفخيم وتعظيم منزلة الكتاب ومنزلة القرآن. فلما قال الكتاب هنا عظّم منزلته ولما أراد القرآن عظّم منزلته.

الكلمة هنا في الآية الأولى عُرِّفت فقال (الكتاب) وفي الآية الثانية عُرِّفت كلمة القرآن ثم نُكّرت قرآن في آية وكتاب في آية. قلنا العرب إذا عرّفت تعرّف لأغراض كثيرة ومن جملة أغراض التعريف تفخيم الشيء وتعظيمه فكأنه يعظمه، فكأنه يعطيه معنى ذلك الجنس. عندما تقول الكريم كأن معنى الكرم بجملته اجتمع فيه) وهكذا الباقي كما قلنا مثلاً القارعة ثم يفخّمها أكثر فيقول ما القارعة ثم ما أدراك ما القارعة يشرحها ( إذا قال ما أدراك فيعني أنه سيشرحها وإذا قال ما يدريك يسكت عنها).

الكتاب مفخّم في هذه الآية والقرآن مفخم في الآية الأخرى. وهنا كلمة القرآن نكرة موصوفة والنكرة الموصوفة أيضاً تأتي للتفخيم بحسب السياق ويراد منها التعظيم. إذا وُصِفت النكرة يقال أنها مقيّدة، نكرة مخصصة وليست معرّفة إنما تكتسب تخصيصاً إذا وُصِفت لكنها ليست معرّفة تبقى نكرة إنما فيها تخصيص. عندما تقول: الذي فعل هذه الأمور العجيبة رجلٌ من بني فلان. هذا فيه تفخيم بحسب السياق كأنك تقول رجل عظيم، مهم فعل هذه الأمور العجيبة بحسب السياق. فإذن الكتاب والقرآن فخّما بالطريقتين : بالتعريف وبالنكرة الموصوفة.

الآن نأتي لم تقدّم الكتاب في آية سورة الحجر ولم تقدّم القرآن في آية سورة النمل؟

ننظر لماذا جاءت كلمة الكتاب مع (ألر) وكلمة القرآن مع (طس). هنا نحاول أن نستفيد من الدرس الصوتي وكما قلت طبّقت هذا على جميع الآيات التي فيها حروف مقطعة بحيث أستطيع أن أخرج بقاعدة حيثما وردت كلمة القرآن وحيثما وردت كلمة الكتاب:

(ألر) مؤلفة من أربعة مقاطع (مقطع قصير يتبعه مقطع طويل مغلق ثم مقطعان مديدان). لما نأتي إلى (طس) نجد أنها مكونة من مقطعين (مقطع طويل مفتوح ومقطع مديد). الأول (ألر) ينتهي بمديدين وفيه طويل مغلق فإذن هو أثقل من حيث الجانب الصوتي يعني يحتاج إلى جهد أكبر. أيهما يحتاج إلى مجهود أكثر: أن تنطق شيئاً أو أن تكتبه؟ الكتابة تحتاج المجهود الأكبر لأنها تحتاج إلى القلم وسابقاً الدواة والقرطاس والقصبة ويبدأ يخطّ الحرف خطّاً فهذا فيه جهد. الحروف المقطعة التي فيها جهد يأتي بعدها كلمة كتاب والحروف المقطعة التي هي أقل جهداً يأتي بعدها القرآن. لأن القراءة أسهل من الكتابة. وننظر في الآيات حيثما وردت في القرآن:

الأحرف المقطعة جاءت في 29 موضعاً في القرآن الكريم والذي توصلنا إليه ما يأتي:

القاعدة: أنه إذا كانت الحروف المقطعة أكثر من مقطعين فعند ذلك يأتي معها الكتاب لأن الكتابة ثقيلة. وإذا كانت الحروف المقطعة من مقطعين يأتي معها القرآن بإستثناء إذا كان المقطع الثاني مقطعاً ثقيلاً. مثلاً (حم) الحاء مقطع والميم مقطع ثقيل لأنه مديد (ميم، حركة طويلة، ميم: قاعدتان وقمة طويلة) وهو من مقاطع الوقف. فالميم  ثقيل لأنه يبدأ بصوت وينتهي بالصوت نفسه وبينهما هذه الحركة الطويلة والعرب تستثقل ذلك ولذلك جعلوه في الوقف. ما الدليل على الإستثقال؟ لما نأتي إلى الفعل ردّ يردّ أصله ردد يردد لكن ردد فيه الدال وجاء إلى الفتحة ورجع إلى الدال مثل الميم (ميم، ياء، ميم) فالعربي حذف الفتحة وأدغم فقال ردّ. قد يقول قائل ما الدليل على أن ردّ أصله ردد؟ نقول له صِل ردّ بتاء المتكلم (رددت) تظهر. إذن فهم لا يميلون أن ينقل لسانه من حرف ثم يعود إليه بعد حركة هذا يستثقله. فكلمة ميم تبدأ بميم وتنتهي بميم، كلمة نون تبدأ بالحرف وتنتهي بنفس الحرف وبينهما حركة. هذا مقطع ثقيل والكتابة أثقل فلما يكون المقطع ثقيلاً يذكر كلمة الكتاب. في سورة (ن) قال (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)) لم يذكر الكتاب ولكنه ذكر آلة الكتابة (القلم) وعملية الكتابة (يسطرون).

بينما في سورة (ق) أيضاً مقطع مديد مثل نون لكن ما تكرر نفس الحرف وإنما بدأ بالقاف وانتهى بالفاء فقال بعدها (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1)).

في سورة (ص) قال وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1))، (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)) ما قال الكتاب. (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل) الحروف المقطعة هنا من مقطعين. كلمة القرآن وكلمة الكتاب إذا وردت بعد الحروف المقطعة فهذا ضابطها.

(الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) أكثر من مقطعين، (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) آل عمران)، (المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الأعراف) (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) يونس)، (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1 هود)، (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) يوسف)، (المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) الرعد)، (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) إبراهيم) (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) الحجر) (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) الشعراء) (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) القصص) (الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2)) (الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) السجدة) (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غافر) (حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) فصلت) (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) الزخرف) (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) الدخان) (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) الجاثية) (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) الأحقاف) () كلها جاء بعدها كلمة الكتاب.

 لكن (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) طه)، (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل)).

يبقى حيث لم يرد لا ذكر القرآن ولا ذكر الكتاب كيف يكون الحال؟ (يتبع في الحلقة القادمة)

بُثّت الحلقة بتاريخ 27/5/2006م

أسئلة وردت خلال الحلقة وإجابة الدكتور حسام النعيمي عليها مباشرة:

سؤال 192: (عبس وتولى) ما دلالة استخدام صيغة الغائب في الآية؟

يسأل السائل لم قال (عبس وتولى) ولم يقل (عبست وتوليت)؟ أولاً تفسير القرآن الكريم يكون من اللغة ويكون من المأثور مما ورد عن رسول الله r. نحن عندنا في الصحيح أن الرسول r كان يقول لإبن أم مكتوم: أهلاً بمن عاتبني فيه ربي ويفرش له حتى يجلس. لكن هناك فرق بين أن يقال للإنسان عبست وتوليت ومحمد r حبيبٌ إلى الله عز وجل هو حبيب الله  فلا يواجهه ولا يفاجئه هكذا يقول له فعلت كذا. وإنما كأنه جعله غائباً (هو عبس وتولى) فقال (عبس وتولى) كأنه غائب ثم إلتفت إليه مرة أخرى فقال (وما يدريك لعلّه يزكى). والحادثة مشهورة في السيرة أن الرسول r كان يدعو رؤوس القوم وكان يرجو بإسلامهم إسلام سائر الناس وأحسّ أنه كأنما صار قريباً منهم وجاء ابن أم مكتوم وسمع صوت الرسول r فقال له يا رسول الله علّمني مما علمك الله، علّمني مما علّمك الله، وهو r يريد أن ينتهي من أمر هؤلاء بإسلامهم يسلم سائر قومهم فتغيّر وجهه r قليلاً وإلتفت جانباً وأكمل حديثه معهم فجاء القرآن معاتباً له. وهذه الآيات من دلائل النبوة لأن إبن أم مكتوم كان أعمى ولم ير الرسول r. في البداية لم يواجه الرسول r وإنما تحدّث عن غائب لأنه حبيبٌ إلى الله عز وجل. ولاحظ كلمة عبست والعبوس فلا يفاجأ بها الرسول r فقال تعالى (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) ثم إلتفت إليه فقال (وما يدريك لعلّه يزكى) رقة المعاتبة الأخيرة غير عنف المعاتبة الأولى. فالعنيفة جعلها للغائب ثم لما جاء للرّقة (لعلّه يزّكى) ولاحظ (لعلّ).

سؤال 193: هل يجوز قراءة ألم قبل أية آية في سورة البقرة؟

لا يجوز أن نقول قبل كل آية ألم لأن موضعها هو في بداية سورة البقرة في كتاب الله عز وجل (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) فلا يجوز أن تقرأ نصف السورة ثم تقف ولما تريد أن تستأنف القراءة تقرأ ألم ثم تُكمل. لم يقل بهذا أحد ونحن في كتاب الله عز وجل متّبِعون نتّبع ما ورد.

سؤال 194: كيف يكون الوقف على فعل يك في الآيات (ولم أك بغياً) (ولم يك شيئا)؟

الأصل في بعض المواطن أن لا يوقف عليها. فعل (يكون) لكثرة إستعماله في حالة الجزم أسقطوا النون منه فلما سقطت النون هي في الأصل يكون لما تجزِم لم كلمة يكون تكون النون ساكنة تسقط الواو مثل (إذا جزم فعل: يقول يصبح: لم يقُل) ثم لكثرة الإستعمال أسقطوا النون أيضاً فقالوا : لم يكُ. سؤال السائل مهم إنه إذا انقطع نفسي هنا هل أقول لم يكْ أم أعيد النون (لم يكن)؟ وإعادة النون لا تجوز فيُغتفر عند ذلك الوقف بالضمّ هنا حتى لا نُجحف بالفعل بكثرة الحذف. لأنه عادة الوقف يكون على ساكن: نقول : قال أحمدُ فإذا أردنا الوقف نقول: قال أحمدْ نحذف الضمة. (لم يكُ) يكون فيها شيء من الإختلاس، تختلس الضمة قليلاً تلفظ جزءاً منها ولا تلفظ كاملة. حذف النون في المضارع لكثرة الإستعمال ليس لها قاعدة أو ضوابط.

سؤال 195: ما هو المدّ الزائد في القرآن الكريم؟

المدود تُؤخذ بالمشافهة. يقولون المد الطبيعي حركتان والمد الزائد أربع حركات والمد المبالغ فيه ست حركات. كيف تكون الحركات؟ قسم يقول كقيمة الفتحة وقسم يقول الحركة التي باليد (يعد ويحرك إصبعه على عدد الحركات وبعض قرّاء القرآن في العراق فعل هذا وكان أعمى).


الحلقة 46

نحن في الحلقة الماضية وقفنا عند آيتين متشابهتين هي قول الله سبحانه وتعالى (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) الحجر)  وعند قوله (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل) مرة تقدمت لفظة الكتاب وتأخرت لفظة القرآن وكلمة الكتاب معرّفة وكلمة القرآن جاءت نكرة وموصوفة بـمبين، وفي الآية الثانية انعكس الأمر تقدمت لفظة القرآن وتأخرت لفظة كتاب وكلمة القرآن جاءت معرّفة وكلمة كتاب جاءت نكرة وموصوفة بـمبين. وبيّنا أنه إذا أجتمعت لفظتا القرآن والكتاب ننظر في الحروف المقطعة فإذا وجدناها من مقاطع كثيرة نجد أن الكتاب يتقدم لأن الجهد المبذول في كثرة المقاطع يناسبه الجهد الكبير المبذول في الكتابة لأن الكتابة غير القراءة، وهذا فصّلنا القول فيه في الحلقة السابقة.

لكن هنا تأتي جملة أسئلة باقية لم نجب عنها في داخل هذا الموضوع فيما يتعلق بالحروف المقطعة. من هذه الأسئلة أنه كيف قرأها رسول الله r؟

نجد أن العلماء يشيرون إلى أنه كان يقرأها مقطّعة بمعنى أنه يقول: ألف، لام، ميم أو يصلها ألم المهم أنها مقطّعة لأن السكت لواحد من القُرّاء العشرة أما القراء الباقون لا يشترطون السكت. ألف لام راء هكذا تُقرأ. لو نظرنا في هذا النطق: كلمة ألف هي إسم للهمزة قديماً الهمزة كانوا يسمونها الألف الصلبة أو القاسية، والصوت الذي في آخر كلمة دعا أو مشى أو في وسط كلمة قال هذا الصوت يسمونه الألف اللينة. فالهمزة عندهم إسمها ألف لذا لما يتحدثوا عن حروف الألف باء يقولون ألف باء ثم يقولون لام ألف التي مع اللام إذن إسم مشترك. فلما يقول ألف لام راء ألف إسم الهمزة (الهمزة التي هي الضغط الحنجري) والحرف الذي بعدها إسمه لام ثم راء. (ألف لام راء) هذه الأسماء الأميّ لا يعرفها. الأميّ يُحسن أن يتكلم يحسن أن يقول لك: كتب لكن لا يُحسن أن يقول لك أن الصوت الأول من كتب هو كاف إسمه كاف والثاني إسمه تاء والثالث إسمه باء، هذا لا يُحسنه الأميّ. الأمي يستطيع أن يقول لك: كتب فلان  رسالة أو اكتب لي رسالة لكن إذا سألته ما هو الصوت الأول من كلمة كتب يمكن أن يقول لك (ك) لأنه هكذا يسمعه ولذلك الأطفال الآن في السنة الأولى عندما يقولون لهم حللوا كلمة كتب يحللوها إلى (ك، ت، ب) يحللوها إلى مقاطع وإذا سألت الطفل ما هذا الرسم الذي في أول كتب لا يحسن أن يقول لك كاف أو يقول لك (ك). فقوله كاف أو لام أو راء معناه أنه كان يردد شيئاً يسمعه من عارفٍ للقرآءة (عارفٌ لأسماء الحروف). الرسول r أميّ لا يعرف أن يقوللك هذه ألف أو هذه لام وإنما يعرفها من يعرف القرآءة، من يُعلّم يقال له هذه ألف إسمها ألف هذه إسمها باء أما نُطقها (ب) والرسول r ما كان يعرف القراءة يقيناً. والذين قالوا أنه كان يعرف القرآءة إذا أحسنا بهم الظنّ معنى أنهم كانوا يجهلون عبارات القرآن الكريم ويجهلون ما قاله الرسول r: هم جاءوا مثلاً إلى الآية الكريمة (في الأميين رسولا) قالوا ليس شرطاً أن يكون الأمي هو الذي لا يحسن القرآءة والكتابة وإنما الأمي هو من أمة لم ينزل فيها كتاب والعرب أمة لم ينزل فيها كتاب. هذا تفسير غير صحيح. الكلمة الأميين تحتمل أمرين: الأميون من الأمة التي لم ينزل فيها كتاب فهي أمة أمية يعني ما نزل فيها كتاب تقرأ وتكتب ويحتمل أن تكون كلمة أمية أي التي لا تقرأ ولا تكتب. ما الذي يرجح أحد الإحتمالين؟ النصوص الأخرى. لما نأتي إلى قول الله سبحانه  وتعالى (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) الكتاب هنا بمعنى المكتوب لا يراد به الكتاب الذي بين دفّتين لأن كتاب فعال بمعنى مفعول (كتاب مصدر فعال بمعنى اسم مفعول). (من كتاب) أي بعض الكتاب، ما كنت تقرأ أيّ مكتوب، جزء من مكتوب ما كنت تعرف قراءته ما كنت تعرف تلاوته ولا تخطّه بيمينك. ولو كان هذا لكان موضع إرتياب لأن الآية فسّرت (إذاً لارتاب المبطلون) هؤلاء كانوا يرتابون أنك أنت ألّفت القرآن لكن أنت لم تكن تقرأ ولم تكن تكتب. عندنا حديث في صحيح مسلم يقول فيه رسول الله r: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" أوضح r أن الأمة لا تكتب ولا تحسب الشهر هكذا وهكذا. ما عندنا حسابات وكتابات نحن أمة أمية. عندما يقول لا تكتب معناها لا تكتب ولا تقرأ لأن عدم الكتابة يعني عدم القراءة. قد يقول قائل أنه هناك من كان يكتب الشعر نقول: أولاً الكتابة كانت في أهل مكة غالباً أما أهل المدينة ما كانوا يكتبون الكتابة في أهل المدينة نادرة. الكتابة في أهل مكة كانت حاجة لأنهم كانوا تجاراً وليست ترفاً. كانت ضرورة أهل مكة يكتبون لأنهم يتاجرون وكانت هناك حاجة فكان هناك كُتّاب في مكة ومنهم نساء لكن كم كان عددهم في مكة؟ ولذلك النقلة العظيمة في الكتابة كانت بعد غزوة بدر لما طلب الرسول r ممن يعرف القراءة والكتابة من الأسرى أن كل واحد منهم يعلّم عشرة من صبيان المدينة  فانطلقت الكتابة والقراءة بعد. أما قبل ذلك فكان العدد قليلاً ولذلك كانت الأمة أمة حافظة كانت تحفظ الشعر والخُطَب وتحفظ الكلام وحفظت القرآن. فإذن الأمية هنا معناها عدم القراءة والكتابة قطعاً من غير أدنى ريب. فالأمي إذن ما كان يحسن أن يقول ألف لام راء من عند نفسه. إذن جبريل u كان يُملي عليه وهو r كان يردد خلفه فإذن هذا دليل صدق الرسالة لأن أمي لا يعرف الحروف صار يتكلم وينطق الحروف. العرب فهموا ذلك وصحابة رسول الله r الكرام فهموا ذلك وعندما كتبوا هذه الأحرف فهموا ذلك. كيف؟ الآن إذا أملى عليّ إنسان وقال لي اكتب: دال لام كاف أنا سأكتب (دام) وإما أن أكتب (حرف دال لوحده، حرف لام لوجده، حرف  كاف لوحده) أكتبها مفرقة. كيف كتب في المصحف؟ على صورة أي كلمة، بصورة كلمة (كهيعص) رسمت على أنها كلمة الكاف مرتبطة بالهاء والهاء مرتبطة بما بعدها وهكاذ. وكذلك ألم كتبت (ألم) لكن تُقرأ ألف لام ميم . ما معناه؟ معناه أن الصحابة فهموا أن هذه الحروف المقطعة هي أمارات وعلامات الإعجاز بمعنى أن هذا القرآن الذي أعجزكم مكون من هذه الحروف وهذه الصورة صورة كلمة لكن فارغة من المعنى تُغيّر مواقعها تتحول إلى كلمة ذات معنى. ألم، ألر ليس لها معنى لكن ألم لو غيرت في تركيبها أو نطقتها: (ألمٌ، أمل، لأم، ملأ) يصبح لها معنى.

الحروف المقطعة رسمت بهذه الصورة حتى تظهر الإعجاز. ورسم هذه الحروف رسم توقيفي على ما رسمه الصحابة. لما يقال رسم القرآن توقيفي أي على ما رسمه صحابة رسول الله r لأنه لم يكن يعرف الرسم. هم كتبوها لأنهم أدركوا أنها من دلائل الإعجاز فينبغي أن تُرسم يصورة كلمة كأن تقول للناس هذه الصورة صورة كلمة فارغة من المعنى فليست مبينة لكن لما دخلت في هذا المكان أبانت عن الإعجاز، يغيّر تركيبها تكون قرآناً معجزاً. هي خارج النص القرآني ليس لها دلالة ولا تدل على شيء وهي بذاتها في داخل النص بتكوينها فارغة من المعنى لكن إنسباكها في داخل الآية أعطاها معنى لذلك قال تعالى (ألم ذلك الكتاب ) يعني الكتاب الذي أعجزكم مكون من هذه المادة الأولية. هذه المادة الأولية رسمها الصحابة على صورة لفظ واللفظ فارغ من المعنى فإذن ألفاظكم فيها معاني تأليفها من مثل هذه الحروف التي لو جاءت بمثل هذا التأليف لا يكون لها معاني لكن القرآن الكريم صاغها صياغة فجاءت قرآناً معجزاً لكم. فالمادة الأولية بين أيديكم. هذه صورة فارغة إملؤها أنتم بتغييرها. القرآن ملأها عندما غيّر ركبها تركيباً آخر فجاءت قرآناً ركبوها أنتم تركيباً آخر تأتي شعراً أو خطبة ممتازة لكنها لا تأتي قرآناً بإعترافكم أنتم. هذه المسألة الثانية كيف قُرِئت الأحرف وكيف رُسِمت.

المسألة الثالثة في هذه الأحرف هي أنها جميعاً حيثما وردت تشير إلى أصوات متناسقة ليس بينها تنافر، غير متنافرة يعني كأن القرآن يقول لهم هذه الأصوات هكذا ينبغي أن لا يكون فيها نوع من التنافر. (ألم) الألف من أقصى الحلق من الوترين، اللام مخرجها الذي هو فويق مفارز الثنايا والرباعية والناب والضاحك اللام مخرجه منتشر ويميل، والميم بانضمام الضفتين. (كهيعص) في لفظ واحد ولذلك لما جاء عندنا في موضع حرفان من مخرج واحد مع ما فيهما من اختلاف جعل كل واحد في آية فقال (حم) آية،و (عسق) آية. لأن الحاء والعين من مخرج واحد لا يكونان في لفظ واحد مع أن بين الحاء والعين فروقاً. من الصفات في مسألة الشدة والرخاوة: الحاء رخوة معناه يجري به الصوت والعين متوسط. نحن عندنا الصفات من حيث الشدة والرخاوة: أصوات شديدة وأصوات رخوة وأصوات متوسطة كأنها تبدأ شديدة وتنتهي رخوة أو ظاهرها الشدة لكن يجري بها الصوت من غير مخرجها مثل الميم أوالنون. وشيء آخر الحاء مهموس والعين مجهور يعني مع وجود هذا الإختلاف جُعِل كل واحد في آية لا يكونا في بناء واحد. فإذن نوعية الصوت أيضاً منتقاة.

هناك ملاحظة أخرى لافتة للنظر أن بعض الحروف المقطعة عُدّت آيات وبعضها ما عُدّ آية. (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) الحجر) ألر ليست آية، (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل)) طس ليست آية، (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) ألم آية، (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) آل عمران) ألم آية، (المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الأعراف) ألمص آية، (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) طه) طه آية، (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) يس) يس آية. أرقام الآيات توقيفي على ما فعله الصحابة. هم ما وضعوا أرقاماً وإنما وضعوا فجوات ثم بعد ذلك وضعت الأرقام. هم كانوا على الوقف لأنهم كانوا يقفون على رؤوس الآي يعني وقفة فيها طول فيعلمون أن الآية انتهت هنا ففي الكتابة يضعون بين الآيات فراغاً ظاهراً ليس كالفراغ بين كلمتين إنما يبتعد. لو نظرنا في المخطوطات القديمة سنجد أنه في نهايات الآيات لا يوجد ترقيم ولكن توجد فواصل واضحة. الترقيم جاء متأخراً ولا ندري متى جاء على وجه التحديد ويحتاج إلى مراجعة المخطوطات وما زال هناك مخطوطات كثيرة لم تظهر للوجود في بيوت يتوارثها الناس في المغرب والأندلس وفي أماكن أخرى. فهذه تحتاج إلى مراجعة لهذه المخطوطات بحيث نحاول أن نعرف أيها أقدم. ما عندنا نص من أول من وضع الأرقام باعتبار أن العرب قديماً ما كانوا يستعملون هذه الأرقام كثيراً وإنما كانوا يستعملون الكلمات فيكتبون ثلاثين مثلاً بدل 30، ولما صارت النهضة بعد ذلك في زمن العباسيين وبدأوا يحتاجون إلى أرقام استعملوا الصفر وعند ذلك صاروا يستخدمون هذه الأرقام وإلا الغالب كانوا يستعملون كلمات. إذن كان هناك فراغات والفراغ يشير إلى انتهاء الآية أو ليست آية متصلة. هذا أمر أجهدت نفسي في الملاحظة ولاحظت ما يأتي وقد يلاحظ غيري شيئاً آخر ومن وجد شيئاً قال به وبالله التوفيق.

الذي وجدته أن العام الغالب في هذه الأحرف المقطعة أنها تكون آيات إلا إذا كانت من حرف واحد فلا تُعدّ آية، إذا كانت من حرف لا تكون آية (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1)) (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1)) (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)) وإذا كانت من حرفين (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)) (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) (حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)) فما فوق تكون آية. عليها إستثناء، والإستثناء له صورتان فقط: الصورة الأولى آية واحدة استثنيت لأنه كان ينبغي أن تكون آية حسب تصورنا لأنه مكونة من حرفين وليست من حرف واحد لكن ما جعلت آية وهي (طس) في سورة النمل،  طس حرفان. ننظر عندنا سورتان أخريان فيها (طسم) في موضعين آية، طس نقصت عن أختيها فما عُدّت آية. في سورة الشعراء (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) الشعراء) وفي القصص (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) القصص) و(طس) في النمل (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل)) نقصت عن أختيها فما عُدّت آية، هذا توجيه وقد يجد غيري توجيهاً آخر والأمر مفتوح. الصورة الأولى كانت (طس) قصرت عن أختيها (طس، طسم، طسم) فما عُدّت آية. الصورة الثانية التي هي من المستثنى ست آيات لكن يجمعها جميعاً أنها مختومة بحرف الراء. وهي (ألمر) في سورة الرعد (المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) الرعد). لاحظ (ألم) لوحدها كانت آية (الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) لقمان) (الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) السجدة)  لما جاءت الراء معها اندمجت بما بعدها (ألر تلك آيات الكتاب): (ألر: (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) الحجر) الحجر، (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) إبراهيم)إبراهيم، (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) يونس)يونس، (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1 هود)هود و(الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) يوسف) يوسف) ست آيات ونلاحظ فيها لأن مقاطعها كثيرة جاء معها كلمة الكتاب وما جاء معها كلمة القرآن وهذا يعزز ما قلناه في المرة الماضية.

تفتش عن سبب. الظاهرة هذه هي قطعاً ونحن عندنا أحياناً يقول لك لا يوجد سبب وأنت لا تسأل عن السبب وهذا منهج كما قال القرطبي لما قال: كتب زيدٌ رسالةً، قالوا لماذا رفع زيدٌ ولماذا نصبت رسالةً؟ قال: زيدٌ فاعل مرفوع ورسالةً مفعول به منصوب فإذا سُئل لماذا رُفِع الفاعل؟ لا نجيب ونقول هكذا جاء، لماذا نصب المفعول يقول هكذا جاء. لكن نحن في كتاب الله عز وجل نحن نتلمس ولذلك سميت لمسات أنه فعلاً هذه ست آيات كلها منتهية بالراء. آية منها لولا الراء لكانت آية التي هي في سورة الرعد. (ألم) آية وحدها (ألر) ليست آية إذن السبب الراء. ما مسألة الراء؟ (يتبع في حلقة الأسبوع المقبل).

أسئلة وردت حلال الحلقة وإجابة الدكتور حسام النعيمي عليها:

سؤال 196: هل المقصود في كلمة لفيفاً في الآية (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) الإسراء) أن دولة إسرائيل تجمع كل اليهود؟

لا يبعد أنهم يجتمعون في الأرض ثم يبطش بهم أناس أشداء ويتبروا ما علوا تتبيرا.

سؤال 197: هل يجوز أن نطرح مثل هذه الأسئلة في البرنامج والقرآن كله إعجاز؟

نحن ينبغي أن نكون حذرين ونحن نعرض لكلام الله سبحانه وتعالى. طريقة السؤال قد ترد من الإنسان أحياناً عبارة لا تليق لكن القصد العام هو أننا نحاول أن نستشف أن هذه الكلمة ما الحكمة من مجيئها بهذه الصورة؟ هي جاءت هكذا وهي معجزة فما الحكمة منها؟. لكن لما يأتي السؤال أحياناً لماذا قيل كذا ولماذا قيل كذا. نحن لا نتألّى على الله سبحانه وتعالى أن الله تعالى  قال كذا للسبب الفلاني ولكن قلنا أننا نحاول أن نتلمس الجوانب البيانية في هذه الآيات أنه يعني يبدو لنا أن الكلمة جاءت هنا للعلة الفلانية فقد نصيب العلة وقد لا نصيب لكن هذا نحاول أن نتلمسه. العرب الأوائل ما أحسوا بحاجة إلى أن يبحثوا هذا البحث لكن علماءنا بعد ذلك بحثوا فيها عندما أحسوا بنوع من الضعف في إدراك لغة القرآن ، في إدراك الأسرار البلاغية فيه فصاروا يتحدثون عن بلاغة القرآن الكريم هذا قبل أكثر من ألف عام أي في القرن الثالث فما حالنا الآن؟ نحن نجتهد إذن نقول أن هذه الكلمة جاءت هنا للسبب الفلاني وهذه الكلمة جاءت هاهنا للسبب الفلاني نحن لا نسأل ربنا سبحانه وتعالى لم قلت كذا؟ إنما نحاول أن نبين أن هذا القول جاء بهذه الصورة هنا للعلة الفلانية اللغوية من حيث اللغة وهذا القول جاء هاهنا للعلة الفلانية اللغوية وإذا وجدنا شيئاً لا نحس أنه هناك إجابة عنه نقول هذا شيء متروك للأجيال القادمة ممكن أن تتكلم فيه. فإذن لا نرى ضيراً لكن مع الحذر ونحن نتحدث عن آيات الله سبحانه وتعالى أن يزل اللسان بطريقة قد يكون فيها نوع من سوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى هذا الذي يجب أن نكون حذرين منه وإنما نحرص أن نتبين فيم قيل هذا وما الفرق بين هذا وهذا؟.

سؤال 198: ذكر الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى أن علينا أن نأخذ الحروف المقطعة كما هي ولا نسأل فيها وذكر أن شخصاً إشتغل بهذه الحروف مدة طويلة فخلط في عقله فما رأي الدكتور بهذا القول؟

ما قاله الشيخ الشعرواي عليه رحمة الله على العين والرأس لكن نحن عندنا قاعدة التي ذكرها الإمام مالك رحمه الله ويذكرها كل علماء الأمة يقولون: كل أحدٍ يؤخذ من كلامه ويُترك إلا صاحب هذا القبر(وهو رسول الله r). ما قاله الشيخ الشعراوي رحمه الله في هذا المجال يمكن أن يجتهد الإنسان في شيء آخر. هو قال الله أعلم بمراده بها وهذا كلام قديم جيد. (ألم) يقولون الله أعلم بمراده وهذا كلام جيد لكن هذا لا يمنع من أن نقول محتمل أن يكون هذا السبب ولا سيما إذا كان القول مقبولاً. أمر آخر: نحن الآن نعيش في قرية صغيرة والعالم صار قرية صغيرة يسألك ناس من أهل الكتاب أو من الملاحدة (ألم) ما معناها؟ تقول أولاً لما نزلت فهمها الناس بدليل عدم السؤال، والأمر الثاني أنه نحن نعتقد أن فيها إشارة إلى أن (ألم ذلك الكتاب ) معنى ذلك أن الآيات التي أعجزتكم أيها العرب مكونة من مثل هذه الأحرف. ما المانع من هذا؟ لكن أن تقول له أن الله أعلم بمراده يقول لك ما هذا الكلام؟ لا أقتنع. حاول أن تقدم شيئاً مقبولاً ونحن نعتقد أن الجانب اللغوي في هذا مقنع لمن لم يُطبع على قلبه أو لمن لا يرفع راية لا أقتنع ولو أقنعتني. الإنسان لما تقول له هذه الإشارات (ألم ذلك الكتاب) أن من هذه الأحرف تكوّن الكتاب وبصيغة هذه الكلمات التي هذه صورتها. أما الرجل الذي بحث في الأرقام وما شابه لم يخالط في عقله لأنه إشتغل بالأرقام ونحن لا نثق بما اشتغل لكن هو كان وراءه خطة وقال هو نبيّ إدّعى النبوة. قال الناس أنه خُلِط في عقله ودعا إلى مسألة العدد 19 وتقسيم الأشياء على 19، لا أريد أن أذكر إسمه ولكنه إدّعى النبوة وهلك على كفره.

بّثّت الحلقة بتاريخ 3/6/2006م


الحلقة 47

(تابع الحروف المقطعة)

وقفنا في الأصل عند سؤال حول الآية (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) الحجر) ذكر الكتاب ثم ذكر القرآن والكتاب معرّف وقرآن منكر ثم جاءت الآية الأخرى (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل) قدّم القرآن وعرّفه وأخّر كتاب ونكّره. ونحن تكلمنا على هذا وقلنا بصورة موجزة للتذكير فقط إن كلمة الكتاب وكلمة القرآن كلاهما يُراد به هذا الذي أنزله ربنا سبحانه وتعالى على محمد r وأُمرنا باتّباعه والأخذ بما ورد فيه، الذي هو بين الدفّتين، فهو الكتاب وهو القرآن. هذا الكتاب مكتوب في اللوح المحفوظ قرأه جبريل، قرأه الرسول r، كتبه المسلمين فهو مقروء مرتين ومكتوب مرتين فإذا جمعنا الآيتين نجد الكتاب وقرآن ، القرآن وكتاب فكأنه مكتوب وقُريء في الآية الأولى، قرأه الرسول r وكُتِب في الآية الثانية. هذا سر الجمع بين اللفظتين.

ثم ذكرنا لماذا تقدمت كلمة الكتاب هنا وتقدمت كلمة القرآن هناك؟ قلنا لو نظرنا إلى الحروف المقطعة سنجد أنها مع لفظ الكتاب تكون بمقاطع طويلة ومع لفظ القرآن تكون أقصرإلا إذا كان المقطع الذي فيه قصر فيه تكرار للقاعدتين، للحرفين مثل نون وميم فعند ذلك تأتي كلمة الكتاب. فالقرآءة أيسر من الكتابة فحيثما جاء الكثير يكون الكتاب وحيثما جاء القليل الأيسر يكون القرآن. وقلنا هذا منطبق على جميع الآيات لأنه نكرر إذا أردنا شيئاً في كتاب الله عز وجل ينبغي أن نتّبع هذا الشيء حيثما ورد في القرآن الكريم حيث لا يكون أنه في هذه الجزئية كذا ثم يظهر لنا غيره في مكان آخر. لأننا غير حريصين على أن نبيّن شيئاً غير صادق لأن كتاب الله أعلى وأرفع من أن نحاول أن نتشبث ببعض الأمور من أجل أن نقول الكتاب معجز لا لأنه هو معجز ولا يحتاج إلى هذا.

أمر آخر كنا وقفنا عنده هو ما عُدّ آية وما لم يُعدّ آية، وقلنا استطعنا من خلال النظر في هذه المواطن وهي 29 موضعاً من خلال النظر فيها وجدنا أنه إذا كان الحرف المقطع من حرف واحد عند ذلك لا يكون آية مثل (ص، ق، ن) لا يكون آية وإنما يندرج مع الآيات ما بعده. وإذا كان أكثر من ذلك يُعدّ آية. فقلنا لم يكن هناك ترقيم وإنما كانت مسافات. لكن هذا عليه إستثناءان: الإسثناء الأول في (طس) هي حرفين يفترض أن تكون آية لكن وجدنا (طسم، آية وطسم آية) في موضعين فجاءت (طس) ناقصة عن أختيها (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) الشعراء) (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) القصص) (طس) نقصت فما عُدّت آية (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل) لأنها نقصت عن أختيها.

ووقفنا عند ستة مواضع (ألر) ما عُدّت آية. فما شأن الراء بالموضوع؟

نحن نعلم أن هذه الحروف المقطعة يوقف عليها أو يُسكت عليها تكون ساكنة (ألفْ، لامْ، راء) على نيّة الوقف لا نقول ألفٌ لامٌ راءٌ. (راء) تنتهي بالهمزة إذن المشكل في الهمزة. الهمزة نحن عندنا الحروف الشديدة التي لا يجري بها الصوت تكون تولد بغلق مثل الباء (يكتبْ) تولد يغلق ثم ينفرج فجأة (إنفجاري) علماؤنا يسمونه شديداً، يقولون الصوت الشديد والصوت الرخو يقابله الآن الإنفجاري والإحتكاكي تغيّر المصطلح وليتهم غيروا مصطلح المهموس والمجهور لأنه أدّى إلى مشكل وأبقوا هذا!. هذه الهمزة لما تسأل عن الأحرف الشديدة التي تكون بغلق كامل يقولون يجمعها (أجدُك قطبت) وهذه أحسن من (أجدّت طبقك) لأنه (أجدّت)  ليس فيها دال، غابت عنها دال (لأنها مشددة) لذا تحول بعض العلماء إلى (أجدك قطبت). أول حرف فيها الهمزة هي فعلاً غلق حنجري أي ينغلق الوتران. في هذه المجموعة الحروف المجهورة دخلت في القلقلة لأنه إذا إجتمع على الحرف الجهر والشدة عند ذلك الوقف عليه يميته. انظر إلى الباء مثلاً لو قلت: لم يكتبْ الباء ميتة حتى تقلقلها بفتح الشفتين. القلقلة هم يقولون في التجويد تُلحق بصويت ولكن في الحقيقة القلقلة هي إكمال ولادة الحرف أو ولادة الصوت اللغوي لأن الباء تولد بمرحلتين غلق يعقبه فتح فإذا بقي الغلق يكون نصف الولادة (لم يكتبْ) بحيث يتحول إلى المقابل المهموس الذي هو (P) مثل قوله (إنما جُعِل السبْت) هذه ليس باء وإنما (P) (السبت) تفتح حتى تكمل الولادة لأن ولادة الصوت تكون بغلق وفتح (السبت) التي يسمونها القلقلة الصغرى. تسميات علماؤنا على العين والرأس مقبولة لكن ينبغي أن توضح وفقاً للدرس الصوتي للقرآن الكريم. فالهمزة شديد والهمزة مجهور بمصطلح علمائنا القدماء. الدرس الصوتي الحديث يقول القاف والطاء التي في (أجدك قطبت) هذه شديدة والمجهورة جُمعت المهموسة جمعت في (سكت فحثّه شخص) ليس فيها قاف ولا طاء فإذن القاف والطاء في المجهورة والدرس الصوتي الحديث يقول لا القاف ولا الطاء مهموسة والهمزة مهموس فكلام علمائنا يحتاج إلى نظر. نقول بصورة موجزة المصطلح واحد مدلوله مختلف كيف؟ أنت الآن سويته جهراً وهمساً (هذا الذي قلنا يا ليتهم غيّروا المصطلح) وفق ضابطك أنت وما ضابطك أنت في الجهر والهمس؟ الوتران. علماؤنا ما عرفوا الوترين. يهتز الوتران فالصوت مجهور، لا يهتز الوتران فالصوت مهموس. علماؤنا ما عرفوا الوترين هم وصفوا على نطقهم كيف ينطقون فقالوا المجهور حرف قوي الاعتماد عليه من موضعه فلم يجري به النفس يعني لا هواء معه عندما تنطقه. الهمزة غلق صخري فمن أين يجري به النفس إذا أُغلِق المجرى؟ لا مجال. لذلك عندهم ضابط جري النفس وليس اهتزاز الوتران. إذن نحن عندما نحاكم القدماء نحاكمهم وفقاً لمفهوم المصطلح عندهم. هم يقولون القاف لو جرّبت دري النفس بها تُسمع خاءً، السامع يظنّك تنطق خاءً.وليس قافاً فهي لا يجري بها النفس. أما أن تقول العلماء وصفوا القاف وهي ليست هذه القاف وإنما هي (چاف) والمسلمون يقرأون (چل هو الله أحد) هذا الكلام يتعارض مع ما قاله سيبويه ومع ما قاله علماء التجويد. سيبويه من المرات القليلة التي يذكر بها تجارب يقول القاف لو جافيت بين حنكيك تفتح فمك وحاولت نطق القاف أمكنك ذلك ولو حاولت نطق الكاف وما وراءها لم يمكنك ذلك وهذه تجربة. والچاف هي كاف مع إهتزاز وترين (الكاف المجهورة) التي هي في بعض لغات العرب مثل اليمن. يأتي البعض يقول أخطأ سيبويه فتوقّع على الخطأ وهذا إتهام ظالم باطل. كل علماء التجويد الذين تلقوا النطق بالسَنَد هل تقول أنهم اتبعوا سيبويه على خطئه؟ ولماذا لم يخطيء سيبويه إلا في هذا؟ هذا قلة ثقة بعامائنا وقلة معرفة. ولماذا؟ الهمزة شديدة مجهورة فالشديد المجهور قلقل قالوا صحيح أن العرب تنطق الهمزة لكن ما وسِعها التخلص منها تفعله لأنها ثقيلة حتى يقولون إنها تجري مجرى التهوّع (كأن الإنسان يريد أن يستفرغ) وأبو بكر شعبة أحد راويي عاصم يقول إمام مسجدنا كان يقرأ (إنها عليهم مؤصدة) بطريقة تخرق صِماغ الأذن يريد أن يُظهِر الهمزة.

الراء قُريء بالإمالة لكن قُريء بتحقيق الهمزة (ألف لام راء) لو وقف عليها سيحار فيها هل يضغط عليها ضغطة قوية وعند ذلك تكون قبيحة؟ (راء) حتى يظهرها لأنه لو  قال (را) تموت الهمزة. فكأنما وهذا الكلام معرّض للمحاورة وهذا اجتهاد مني والذي وصلت إليه أنه لم تُجعل ألر آية حتى يصلها القارئ ويلفظ الهمزة بصورة خفيفة (ألر تلك آيات الكتاب) يولّدها. تولد الهمزة عندما تمضي وتصل بما بعدها لكن إذا وقفت وقبلها ألف والألف عند ذلك تُمدّ بسبب الهمزة ثم تموت الهمزة يبدو هذا والله أعلم السر. إلا ما كان من حرفين يكون آية كما في (طه) ثم انظر الكلمات التي كان يمكن أن تنتهي بالهمزة كلها جاءت بالقصر ما جاءت بمدّ الهمزة لاحظ (طه) ما قال طاء هاء. هم قالوا طه بالمدّ (طا ها)، يس (يا سين)، كهيعص (كاف ها يا عين صاد) ما قالوا (كاف هاء ياء) لأن الهمزة متعبة ولذلك عندنا كلام للإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه يرويه إبن جنّي يقول: نزل القرآن ولسنا بأهل همز ولولا أن جبرائيل نزل بالهمز ما همزنا ( كانوا يقولون: البير والذيب والمومن عن البئر والذئب والمؤمن) هكذا كانوا يسهلونها ويخففونها. هذا برواية إبن جنّي وكتب اللغة يؤخذ الكلام منها فيما يفيد الجانب اللغوي وليس فيه حكم شرعي، الأحكام الشرعية في الأحاديث تؤخذ من مظانّها ولا تؤخذ من كتب اللغة ولا من كتب الأدب. فهذا إذن توجيهنا لعدم عدّ ما كان منتهياً بالراء وهو ستة مواضع عدم عدّها آية والباب مفتوح ومن وجد شيئاً آخر فليقله ولكن نقول الباب مفتوح من غير التكلّف أن لايكون هناك تكلّف.

هنا أنبّه على قضية لعلي تطرقت إليها في الحلقة الماضية (السؤال عن الرقم 19): حينما يأتي الكلام في كتاب الله عز وجل في قضية ليست لغوية محضة (القضايا اللغوية نحتكم فيها إلى اللغة) في قضية ليست لغوية مثل الإحصاءات - وسآتي على نوع من الإحصاءات- إذا صدر من عالم أو من فرد نأخذه يتحفظ ونحاول أن نمتحنه ونختبر كلامه صحيح أو لا. أما إذا صدر من مؤسسة علمية (سمعت منذ أيام أن هناك مؤسسة عليمة لإعجاز القرآن الكريم مؤسسة علمية تابعة لرابطة العالم الإسلامي فيها مجموعة من العلماء يشتغلون في قضايا الجوانب العلمية في القرآن الكريم) هؤلاء مجموعة علماء لا ينفرد فيهم واحد فإذا صدر من مؤسسة يكون مظنّة القبول أيضاً ليس قاطعاً مئة في المئة ومن أراد أن يدقق فليدقق في هذا لكن إذا صدر من فرد نكون على حذر من قبوله. أقول هذا الكلام تعقيباً على ما جاء في الأرقام وخاصة عن سورة ق مشهور من كلامه أن عدد القافات فيها 57 بحيث ينقسم على 19 بدون باقي وهو مولع بالرقم 19 وهو رقم مقدّس عند طائفة (البهائيين) غير مسلمين. هذا رقم 19 نحن نعلم أن القرآن الكريم نزل منطوقاً نُطِق وكُتِب فالأصل أن نأخذ النطق فلما يأتي مثل قوله تعالى (الحقّ) هذه ليست قافاً واحدة وإنما قافان (لوجود الشدة) ولو حللت الكلمة (أل – حق – قُ) ثلاثة مقاطع إذن فيها قافين فكيف عدّها واحدة؟! 8 مواضع فيها قافات مشددة عدّها واحدة. وهذا الرجل الذي تكلم هذا فَهِم اللغة بدليل أنه مهّد لنفسه ونشر مثل هذه الأمور وأُولِع الناس به ثم قال أنا أوحي إليّ. شيء آخر قالوا سميت سورة ق وسورة نون لكثرة ما فيها من قافات ونونات. سورة ق من 45 آية ولقد نظرت في 45 آية الأولى من سورة البقرة ووجدت أكثر من 67 قاف فالأمر ليس هكذا. وكذلك النون أحصيت في سورة نون ثم ذهبت إلى عدد الآيات المقابل في سورة البقرة وجدت أكثر من 200 نون فإذن ليس هذا.

وفي سؤال آخر يقولون لماذا قال تعالى في سورة ق (وإخوان لوط) وما قال (وقوم لوط)؟

ورد لفظ (قوم) مع قوم لوط في كل القرآن ما عدا في سورة ق (وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13)) جاء (إخوان لوط) فما الدلالة؟

لو قال قوم لوط على حسابه (القاف المشددة واحدة) يصير العدد 58 ولا يُقسم على 19. هو بدعواه يقول قال إخوان لوط ليكون العدد 57 وهو موهم. انظر الآيات (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14)) لو نظرنا في ذكر هؤلاء الأقوام: الأسلوب العربي أحياناً يميل إلى التلوين والتنويع حتى لا يمل السامع من سورة واحدة. يعني لو قيل في غير القرآن قوم نوح وقوم الرسّ وقوم ثمود وقوم عاد وقوم فرعون وقوم لوط وقوم الأيكة وقوم تُبّع وكلها أقوام، الرسّ هو البئر ويقال قوم هذا البئر هم أصحابه وهم قومه الذين اجتمعوا عنده، وقوم الأيكة الذي كانوا يجتمعون عند الأيكة الشجرة الضخمة الملتفة الأغصان فلا يكون مقبولاً هذا التكرار فيكون هناك نوع من التنويع. فكيف نوّع؟ ذكر قوم مرتين وأصحاب مرتين وبدون وذكر إخوان. فإذن هو نوع من التنويع في اللفظ (قوم – أصحاب – وثمود وعاد وفرعون – إخوان – أصحاب – قوم) هكذا نوع من التلوين في العبارة مع احتمال الملكية في كلمة أصحاب الرس وأصحاب الأيكة: أصحاب الرس الذين ملكوا وأصحاب الأيكة الذين ملكوا. إذن التنويع مطلوب وقد يكون بين الخطاب والغيبة (الإلتفات). انظر في سورة الفاتحة (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) هذا التمجيد هذا كلام غائب من حيث البنية اللغوية وإن كان الله تعالى حاضر ثم انتقل إلى (إياك نعبد) هذا تلوين وفيه حكمة وقال بعدها (وإياك نعبد وإياك نستعين) صار يدعو فهو يدعو حاضراً ولا يدعو غائباً.

الأمر الثاني لو نظرنا إلى الآية 13 التي وردت فيها كلمة إخوان لوط : هذا عندنا ما نسميه الإنسجام الصوتي الداخلي في داخل الآيات والدراسة الحديثة تسميها الموسيقى الداخلية والموسيقى الخارجية ونحن نكره استعمال كلمة موسيقى مع كلام الله سبحانه وتعالى وإنما نقول الإنسجام الصوتي. الإنسجام الصوتي الداخلي يمثله ألوان وأنواع المقاطع. المقاطع التي تستعمل عندنا بكثرة. إما أن يكون المقطع قصيراً (مؤلف من حرف وحركة) مثل حروف (كُتِبَ) فيها 3 مقاطع قصيرة. وإما أن يكون من حرفين بينهما حركة نسميه المقطع الطويل مثل كلمة (مَنْ) ميم ونون بينهما الفتحة هذا مقطع طويل مغلق. وعندنا طويل مفتوح يتكون من حرف وحركة طويلة مثل كلمة (ما) وعلى قول علمائنا ميم وألف وبينهما فتحة. الدرس الحديث ينفي وجود الفتحة وليس هذا موضوعنا. مقطع قصير ومقطع طويل مغلق ومقطع طويل مفتوح وعندنا مقطع مديد مثل مقاطع الوقفكالوقف عند كلمة (ثمود، لوط) مقطع مديد. لو أحصينا مقاطع (وعاد وفرعون وإخوان لوط) نجد أنها 12 مقطعاً. إذا أخذنا 12 مقطعاً من الآية التي قبلها نجد تناسقاً في عدد المقاطع، لو قيل مكان إخوان لوط قوم لوط يختلّ التناسق. مجموع المقاطع القصيرة في الموضعين 5، المقطع الطويل المفتوح 2 كلمة (وا، وعا) و(نُ، حا)، المقاطع الطويلة المغلقة 4 والمقطع المديد واحد في المكانين.  لو كررنا كلمة(نُُ (في نوح) حا (في أصحاب) و عا في (عاد) وا (في إخوان)) (نُ حا، عا وا) متناسقة لكن قول (نُ حا، عا قو) ليس فيها تناسق. فهذا التناسق والإنسجام الصوتي لذلك أحياناُ كانوا يقولون عن الرسول r شاعر لأنهم كانوا يحسون بنوع من النغم والإنسجام الصوتي ولكنه ليس شعراً. الوليد بن المغيرة قال أنه ليس بشِعر ولا برجز وأنا أعرف الشعر لكن فيه شيء.

يبقى أمر الأماكن التي لم يرد بعد الأحرف المقطعة ذكر للكتاب ولا للقرآن. (انظر الحلقة 48 على هذا الرابط)

بُثّت الحلقة بتاريخ 10/6/2006م

أسئلة وردت خلال الحلقة وإجابات الدكتور حسام النعيمي عليها:

سؤال 199: ما الفرق بين ناضرة وناظرة في الآية (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) القيامة)؟

هذا فيه كلام لكن منهج أهل السنة والجماعة ومنهج جمهور المسلمين أن هذه الوجوه المؤمنة ستكون يوم القيامة من النضارة وهو الحُسن يعني وجوه حسنة مشرقة إلى ربها ناظرة من النظر وهي الرؤية وجمهور المسلمين وفقاً لأحاديث الرسول r يرون أنهم سيرون ربهم لا يضارون فيه كما يرون القمر الآن. لكن السؤال هل بأعيننا هذه؟ الإنسان بمجرد أن يموت في لحظة موته  ينتقل من قوانين إلى قوانين أخرى، قوانين الحاضر أو المشاهدة غير قوانين الغيب. نحن نعلم أن الرسول يقيناً إذا سلّمنا عليه يرد علينا السلام ولذلك نُكثِر من الصلاة والسلام عليه حتى نتبارك بكثرة ردّه r علينا. بقوانين الأرض كيف يردّ إنسان على ملايين الناس كلٌ في مكان في لحظة واحدة؟ هو يقول r يردّ الله تعالى عليّ روحي فأردّ السلام هذا في قاون وفي  قانون آخر لما يحدثنا في الإسراء والمعراج وهو في طريقه إلى بيت المقدس رأى موسى u يصلي في قبره خلف الكثيب الأحمر ثم لما وصل إلى بيت المقدس استقبله موسى u هناك مع الأنبياء وصلى r بهم ثم لما صعد إلى السماء وجد موسى u في السماء السادسة. هذا لأن له قوانين أخرى. إذن ناضرة هي من الحُسن مكتوبة بالضاد التي هي الصاد المنقوطة والتي نحار الآن في نطقها وتناولن هذا في حلقة سابقة. النطق الصحيح لها ممكن أن ترخي لسانك وتخرج صوتك من حافة اللسان مع ما يليه من الأضراس جانبي ويمتد به الصوت كما يمتد بالشيــــن. عدد من المسلمين يقول ناضرة هنا بمعنى منتظرة، هؤلاء يعطّلون أحاديث كثيرة صحيحة وردت في الصحاح في البخاري ومسلم. لهم رأيهم ولهم منهجهم وكلٌ له رأيه لكن نحن نعتقد برأي جمهور المسلمين.

سؤال 200: في الحديث الشريف "إذا أمّن الإمام فأمّنوا فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" وسمعت شريطاً للشيخ الألباني يقول أن تأمين المأموم يكون بعد تأمين الإمام فكيف نوضح الفرق حتى لا نخسر الأجر والثواب؟

إذا أمّن الإمام فأمّنوا. هذه تتعلق بمسألة لغوية (إذا فعل زيدٌ فافعل) هي الفاء واقعة في جواب الطلب لكن يحتمل أنه إذا فعل فافعل أنه بعده مباشرة بوقت قصير لأن الفاء تقتضي الترتيب مع القُرب (عقبه مباشرة) غير ثُمّ التي للتراخي. لكن هي هنا رابطة لجواب الشرط ويمكن لأن يُفهم منها في الوقت نفسه أي يكون تأمينك مع تأمين الإمام وهو يقول آمين أنت تقول معه آمين. ففيها رأيان، قولان. التحقيق أنا أقتنع مثلاً أن زيدٌ من الناس هو محقق في هذا الجانب فقيه. ويجب أن ينتبه المشاهدون أن كثيراً من الناس لديهم علمٌ في تخصص معين لا ينبغي أن يخوضوا في اختصاص آخر. الذي ما عنده علم في أصول الفقه وفي محاكمة النصوص في رأيي ينبغي أن لا يفتي لأنه كثر المفتون اليوم وإنما ينقل فتوى فيقول بعض العلماء يقول كذا والسامع يتولى ذلك.

سؤال 201: في سورة الكهف (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)) في الإسلام نهي عن بناء المساجد على القبور فهل هذا كان مباحاً في الأمم السابقة؟

المساجد في الإسلام يقول r: " لعن الله اليهود والنصارى إتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولا تتخذوا قبري مسجداً" نهى r عن ذلك والآن قبر الرسول r ليس مسجداً. العلماء المدققون يفرقون بين أمرين: أن يكون القبر موجوداً وتبني عليه مسجداً كما فعل جماعة أصحاب الكهف والصورة الأخرى أن يكون المسجد قائماً ثم تأتي وتدفن فيه إنساناً (هو الأولى أن لا تدفن) لكن الصورة مختلفة. الفرق هو التقديس أنه يكون هناك قبر وتبني عليه مسجداً تقديساً لصاحب القبر هذا  يصدق فيه الحديث. لكن الصورة الثانية من حيث اللغة تختلف أن يكون هناك مسجد وتأتي بمقبور (ميت) وتدفنه فيه. هذه غير صورة وللعلماء كلام منهم من قال هذا تقصير من الفاعلين ولكن الصلاة فيه جائزة وهذه قضية تدخل في غير بابنا.

بُثّت الحلقة بتاريخ 10/6/2006م


الحلقة 48

تابع الحروف المقطعة:

وقفنا عند عدد من الجزئيات المتعلقة بالأحرف المقطعة بسبب سؤال حول الموازنة بين آيتين ظاهرهما متفق ولكن فيهما تقديم وتأخير وخلال الكلام على هذه الأحرف وردنا اتصال من احد الأخوة ذكر فيه أن فضيلة الشيخ الشعراوي رحمة الله عليه أنه لا يرى الخوض في معاني هذه الأحرف والكلام عليها. هذا جعلني أعود إلى كتاب الشيخ الشعراوي عليه رحمة الله لما له من منزلة في نفوسنا جميعاً فتبين أن الأخ السائل أولاً لم يطلع على كل كلامه ولو اطلع على سائر كلامه لتبين له أن الرجل رحمة الله عليه يذهب إلى ما ذهب إليه عدد كبير من علمائنا وهو الرأي الذي تبنيناه واخترناه أن هذه الأحرف من أمارات الإعجاز وهو تكلم في هذا لكن عنده كلام يقول فيه السؤال عن معاني هذه الأحرف يعني هناك فرق بين أن تسأل عن معنى هذه الأحرف: أن يقول لك شخص (ألم) ما معناها؟ يكون السؤال غلط لأن هذه حروف مقطعة. نحن في هذا المجال قلنا هي فارغة من المعنى بذاتها لكن عندما تكون في داخل السياق يكون لها جزء من دلالة السياق. (ألم ذلك) كأنه قيل في غير القرآن أن هذا القرآن الذي أعجزكم مؤلف من هذه الأحرف المقطعة التي هي الآن بهذه الصورة لا تؤدي معنى لكن الآن صار لها معنى في داخل السياق يعني هي دالة الآن بكونها تشير إلى الإعجاز. هذا الكلام هو الذي ذهب إليه الشيخ الشعراوي ونقرأ شيئاً من كتابه حتى يتبين أن بعضنا لا ينقض كلام بعض ولا سيما أن الشيخ الشعراوي كان مطلعاً على كلام العلماء القدماء ولم يكن يتكلم من عند نفسه وإنما كان يستفيد مما قاله العلماء القدماء ومما فتح الله عز وجل عليه. الأخ السائل نقل كلاماً ليس فيه دقة فوصف جزءاً من كلام الشيخ . هذا الجزء الذي نقله الأخ: وإذا سألت ما هو معنى هذه الحروف نقول إن السؤال في أصله خطأ لأن الحرف لا يسأل عن معناه في اللغة إلا إن كان حرف معنى وفرّق بين حروف المعاني وحروف المباني. حروف المباني التي تبنى منها الكلمات الكاف والتاء والباء في (كتب) حروف مباني، في حرف الجر ومن حرف الجر هذه حروف معاني لها معانيها (في الظرفية، من إبتداء الغاية، إلى إنتهاء الغاية). حروف المباني يقول لا يُسأل عنها (كهيعص) القرآن يقول لكم هذا القرآن بناؤه من هذه الحروف فابنوا مثله. لما تقول كتب مجرّدة يخطر في ذهنك صورة لعملية معينة غير عملية ركض وسمع صورة أخرى لكن لما تقول (ألم) لا يخطر في ذهنك صورة لأنها مفرغة من المعنى بذاتها لكن حتى لا يقال إذن في كلام القرآن هو ليس له معنى نقول هي في ذاتها مفرغة من المعنى لكن في داخل السياق صار لها معنى جديد وهو أن هذه الأحرف هي مادة القرآن. هذا الكلام الأول الذي يقول لا تسأل عن معناها ونحن معه في ذلك لأنه لا يمكن أن نصل إلى معناها. لكن حكمتها وفائدتها هذا السؤال عنه يقول الشيخ رحمة الله عليه في كتابه هذه فائدة أخرى ذكرناها وهذا يدل على إلتقاء الفكر بين الناس لما نرجع إلى مواد معينة) كلامه في غاية الفائدة: " والقرآن نزل على أمة عربية فيها المؤمن والكافر ومع ذلك لم نسمع أحداً يطعن في الأحرف التي بدأت بها السور وهذا دليل على أنهم فهموها بملكاتهم العربية ولو أنهم لم يفهموها لطعنوا فيها" وهذا الكلام الذي قلناه أنه ما أُثر عن أحد من العرب أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ما معنى ألم لأنهم فهموا ماذا يريد منها أنها من علامات الإعجاز. ليس هذا فقط وإنما النص الأخير لما كان يتكلم على قوله تعالى (ألر تلك آيات الكتاب الحكيم) قال رحمة الله عليه وفي هذه الآيات الكريمة يلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى حقيقتين الحقيقة الأولى هي أن الكفار يتخذون من بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم حجة بأن هذا الكتاب ليس من عند الله وكان الرد هو أن كل الرسل السابقين كانوا بشراً فما هو العجب في أن يكون محمد رسولاً بشراً؟ واللفتة الثانية هي أن هذا القرآن مكتوب بالحروف التي خلقها الله لنا لنكتب بها ومع ذلك فإن القرآن الكريم نزل مستخدماً لهذه الحروف التي يعرفها الناس جميعاً معجزاً في أن لا يستطيع الإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بسورة واحدة مثله". هذا ما وصلنا إليه أن هذه الأحرف علامات أو أمارات الإعجاز إذن حتى يكون فهم هذا الرجل العالِم الجليل رحمة الله علينا أن نفهمه فهماً صحيحاً  برأيه. نحن تكلمنا عن هذا وذكرنا أن هذه الحروف تشير إلى صدق نبوة الأمّي. وسألني أحد الأخوة قال: كأنا ما أدركنا كيف تكون دليلاً على صدق نبوة الأمي؟ نحن فصلنا فيها كثيراً ولكن بشكل موجز نحن نستفيد من اللغات الأخرى فلما يقول شخص كلمة home الإنجليزية لو تصورنا إنساناً أمياً أو إنساناً ما درس الإنجليزية نسأله عن الصوت المبدوء به يقول (هـ) فإذا سألت من درس الإنجليزية ما الحرف الأول؟ يقول لك h فإذا قال شخص (H,O,M,E) معناه أنه يعرف القراءة والكتابة لكن إذا قال (هـ - أو -م) معناه ينقل أصواتاً. الرسول r ما قال (أه، ل، م) وإنما قال (ألف، لام، ميم) مما يعرفه القُرّاء والكُتّاب إذن هذا دليل على نبوته r معناه أنه ينقل ما كان يوحى إليه وهو أميٌّ قطعاً لا مجال للشك فيه. فإذا قال قائل أن هذه قد توحي أنه كان r يعرف القراءة نقول له أنه في كتاب الله ما يشير إلى أمية الرسول r (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) فإذا قيل أن الأميين معناها غير أهل الكتاب نقول عندنا آية أخرى (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون).لأن فسّرت الآية وعلّلت لماذا لم تكن قارئاً كاتباً. لو كنت قارئاً كاتباً لارتاب المبطلون فأنت إذن غير قاريء غير كاتب. وعندنا أحاديث صحيحة في البخاري " نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" لا كتابة ولا حساب. فهذا معنى الأمية في القرآن الكريم والحديث النبوي الصحيح فإذن هي دليل النبوة ودليل الإعجاز وذكرنا مسائل أخرى لا نريد أن نعود إليها مرة ثانية.

سؤال: لماذا قدّم المعرّف وأخّر المنكّر، الموقع الأول دائماً معرّف والثاني مُنكّر سواء كان الكتاب أو القرآن؟

في الآية الأولى في سورة الحجر قدّم الكتاب معرّفاً وأخّر القرآن منكّرة (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) الحجر) وفي سورة النمل قدّم القرآن معرّفاً وأخّر الكتاب منكرة (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) النمل). لما اجتمعت الكلمتان قدّم المعرفة وأخّر النكرة. حينما تتقدم المعرفة يعرف عن ماذا يكون الكلام فعندما تأتي اللفظة الثانية بالتنكير لأن نحن قلنا هاتان الآيتان جمعتا. حينما نجمع الآيتين جمعنا الكتاب في اللوح المحفوظ يتبعه قراءة جبريل فقدّم الكتاب وجاءت بعده القراءة (المكتوب في اللوح المحفوظ والمقروء الذي قرأه جبريل في الآية الأولى) وفي الآية الثانية تلقّاه الرسول r فقرأه فكتبه المسلمون فتقدمت القراءة وتأخرت الكتابة. لكن إذا أردت أن تُحيل على ما سبق فأنت تحيل على معرفة (على شيء معروف) لذلك قالوا الضمير ينبغي أن يعود على مذكور ولا يعود على شيء سيأتي فيما بعد: تقول: جاء زيدٌ فأكرمته ولا تقول أكرمته زيدٌ لأن أكرمته تستعمل الضمير وزيد لم يأتِ فأنت تذكر المعروف (جاء زيدٌ) ثم تذكر بعد ذلك الضمير لأن الضمير لوحده من غير عائد يكون استعماله خطأ لأن ستجعل منه نكرة. فلما قال الكتاب وقرآن سبق التعريف (الكتاب) يعني الكتاب المعهود عندكم وهذا هو القرآن فلما قال قرآن فهو إذن مقروء فجاءت المنكّرة بعد المعرفة لها موقعها ولو كانت النكرة أولاً ألم ذلك كتاب والقرآن لا يكون هذا وليس من أساليب العرب فذكر المعرفة حتى يحيل عليها النكرة وحتى يبين أنه مكتوب مبين ومقروء مبين ومقروء مبين ومكتوب مبين بحسب هاتين المرحلتين والله تعالى أعلم.

السور التي فيها أحرف مقطعة ولم يرد بعدها ذكر كلمة الكتاب ولا القرآن:

هذه الظاهرة موجودة في خمس سور تبدأ بالأحرف المقطعة وليس وراءها مباشرة لا ذكر قرآن ولا ذكر كتاب. لكن لما تتلو السورة كاملة ستجد في داخلها ذكراً للكتاب والقرآن أو الكتاب وحده أو القرآن وحده أو الذكر، هذه مسألة. والمسألة الثانية هي جميعاً في نهايتها كلام على القرآن فكأنها تأخذ الأول والآخر، في البداية (ألم) وفي الآخر كلام على القرآن أو الذكر أو حديث عن هذا الذي أُنزل على الرسول r فيكون جمعاً بين الاثنتين، والنقطة الثالثة لكا يكون عندنا 29 موضعاً، 24 منها بهيئة معينة، الخمسة الباقية تكون محولة على الكثير تُفهم من خلال الكثير. لما عندي مجموعة من الطلبة يقرأون القرآن تقول للأول إبدأ فيقرأ فتلتفت إلى شخص تقول له يا زيد أكمل فيُكمِل ثم تلتفت لآخر وتقول يا عمرو أكمل فيُكمِل فلو استعملت يا فلان أكمِل 24 مرة ألا يسعك بعد ذلك أن تقول يا فلان ويفهم أنه أكمِل؟! لا تقول له يا فلان أكمِل لأنك قلتها 24 مرة فتكتفي أن تقول يا فلان فيعلم من ذلك. لما يكون 24 موضعاً فيها بعد الأحرف المقطعة القرآن أو الكتاب، هذه الخمسة تابعة لها ولا سيما إذا أضفنا إلى ذلك أن القرآن أو الكتاب ذُكِر في داخل السورة وأنه جاء في الآخر.

النماذج:

سورة مريم (كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)) قد يقول قائل أن الآية ليس فيها ذكر الكتاب وإنما ذكر الرحمة لكن لما نمضي في السورة نجد (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)) ذكر الكتاب وفي نهاية السورة (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)) ما الذي يسّره بلسانه؟ واضح أنه القرآن فإذن ختمت السورة بكلام على القرآن.

سورة العنكبوت (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)) لم تذكر الكتاب والقرآن مباشرة لكن لما نمضي نجد أنه يقول (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)) وفي نهاية السورة (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68)) ما الحق الذي جاء به الناس؟ القرآن إذن إشارة إلى القرآن.

سورة الروم (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)) لا يوجد قرآن ولا كتاب ولما نمضي نجد فيها (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28)) وفي الختام (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58)).

سورة الشورى (حم (1) عسق (2)) بعدها مباشرة (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3))) ماذا يوحي؟ يوحي القرآن. مع ذلك يقولون لم يذكر قرآن ولا كتاب وإذا جئنا إلى نهاية السورة (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)) ذكر الكتاب.

سورة نون (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)) ذكر القلم مباشرة (وما يسطرون) وفي الداخل (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)) وفي الآخر (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51)) والذكر هو القرآن. ماذا سمعموا؟ الذكر والذكر هو القرآن.

فإذن السور الخمس جاء في داخلها القرآن وختمت بكلام على القرآن أو الكتاب إما صريح وإما بإعادة الضمير أو استعمال الذِكر فإذن ربط الأول والآخر.

القرآن مؤلف من هذه الأحرف ولا سيما في 29 موضعاً وهذا مذهبنا في ذلك إختيارنا لما قاله علماؤنا القدماء لأن القدماء عندهم أكثر من رأي وهذا رأي من آرائهم. الذي تكلمنا فيه هو مسألة ما كان آية وما لم يكن آية وهذا من جهدي، ولِمَ جاءت الكتاب هنا والقرآن هنا والعلاقة بين المقاطع هذا من الجهد الشخصي ولا يبعد أن نجد من من قاله من القدماء كما قال عنترة:

هل غادر الشعراء من متردّم                        أم هل عرفت الدار بعد توهّم

قد تقول وصلنا إلى هذا الأمر بجهد جهيد ثم تجد في حاشية من الحواشي أن أحد العلماء نبّه إلى هذه المسألة ولكن بقدر ما اطلعت عليه ما وجدته.

سؤال 202: ما الفرق بين فأردت، فأردنا، فأراد ربك في سورة الكهف؟

(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82))

هو الخضر أو الرجل الصالح معلِّم موسى u فعل ثلاثة أشياء: خرق سفيبنة خلع لوحاً منها، قتل غلاماً وأقام جداراً ثم قال عنها جميعاً (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)) وإنما كان بأمر من الله سبحانه وتعالى لكن في خلال عرض الأمر ذكر إرادة له مرتين (فأردت، فأردنا) وإرادة لله سبحانه وتعالى (فأراد ربك). إرادة الإنسان غير إرادة الله تعالى، إرادة الإنسان إما بالتوجيه بفعل (أردت أن أشرب) توجهت إلى الشرب، وإما دعاء (أردنا أن الله سبحانه وتعالى يهبنا كذا). هذه الإرادة  في الحقيقة. الخضر استعمل الإرادتين: إرادة الفعل وإرادة الدعاء. مع غرق السفينة استعمل إرادة الفعل لأنه توجه إلى الفعل وفعله ولم يستخدم معه صيغة التعويض لأن القضية قضية العيب ولفظ العيب موجود (فأردت أن أعيبها) وعمل معين يقلع لوحاً من السفينة. (فأردت) بتاء المتكلِّم عن نفسه المفرد. لكن لما انتقل إلى الكلام على قتل الغلام وهذا عمل عظيم ليس هيّناً قتل النفس (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (32)) فمهّد بكلمة (فخشينا) الخشية قلنا إما أنه يكون معظّماً لنفسه واللغة تحتمل ذلك لأن العمل عظيم وإما أنه أشرك موسى u معه كما قال موسى u عن تابعه (ذلك ما كنا نبغ) موسى هو الذي كان يبغي وليس التابع لكن قال (كنا) لأنه ملحق معه فاستعمل صيغة المثنى، وإما أن يكون الله عز وجل قد أطلع هذا الرجل على أن أبوي الغلام يعانيان منه بحيث كانا يخشيان أن يرهقهما طغياناً وكفراً فكانت خشيته كخشيتهما فجمع (فخشينا) أنا وأبوا هذا الغلام ومنه (فأردنا) إرادة دعاء هو والأبوين كأنما الله عز وجل أطلعه أنهما كانا يدعوان الله لما يأتي يعذبهما لغرض الكفر (يرهقهما طغياناً وكفرا) من أجل الطغيان والكفر قطعاً كانا يدعوان الله عز وجل أن يبدلهما إنساناً يرحمهما يكون نقياً طاهراً. فالاحتمالات الثلاث كلها تحتملها اللغة : ممكن أنه أراد التعظيم، ممكن أشرك موسى معه وممكن أن الله عز وجل أطلعه على حال أبويه فقال (فخشينا، فأردنا) أنا وأبوا الغلام. البعض يقول (فأردنا) هو والله عز وجل لكن هذا لا يجوز وإلا كيف نفسر (فخشينا) بالتعظيم؟ هو وموسى.

فأراد ربك جعله خالصاً هذا كله هو قام بجزء من العمل لكن بلوغ الغلامين سن الرشد هذا لا شأن له ولا لغيره به وإنما شأن الله سبحانه وتعالى حصراً ليس له سبب. الله تعالى شأنه خرق السفينة لكن كان السبب الخضر، وقتل الغلام شأن الله عز وجل لكن كان السبب الخضر أما إقامة الجدار السبب الخضر لكنه لم يتكلم عن إقامة الجدار وإنما تكلم عن (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) ما تكلم عن إقامة الجدار وإنما تكلم عن مرحلة مستقبلة فبلوغ الغلامين سن الرشد لا يملكه أحد ولم يشارك فيه أحد. (ويستخرجا كنزهما) هو شيء تحت الجدار، شيء غيبي بأمر من الله تعالى لذا كل كلمة استعلمت في موضعها.

سؤال 203: ما معنى أولي الأيدي والأبصار في (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) ص) وما معنى المصطفَيْن الأخيار في (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) ص)؟

الآيات تتحدث عن تذكير الرسول r بمن سبقه من الأنبياء والرسل تسلية لقلبه وحتى يجد فيها العبرة. (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)) إذن هو تذكير. الآن هؤلاء رجال أنبياء لما تقول لهم أيدي ولهم أبصار وتريد هذه الأيدي والأبصار هل فيها نفع أو فائدة؟ قطعاً ليس المقصود هو هذا. بعض العلماء يسمي هذا مجازاً أنه ذكر الأيدي وهو يريد القوة وذكر الأبصار وهو يريد البصيرة في أمور الدين والعلم قال أبصار فهو نوع من المجاز. وكلمة المجاز أو الاستعارة أو الكناية أو التشبيه مصطلحات مستعملة في علم البلاغة ويذهب إليها جمهور الأمة ومع ذلك قال بعض العلماء ليس هناك شيء إسمه مجاز ولكن كل كلمة هي حقيقية في مكانها. معناها يتقرر بالسياق فالسياق هو الذي يعطي هذا اللفظ هذا المعنى. الأيدي ليست الأيدي العضو وإنما ماذا تعني في السياق معناها هو حقيقة فيه. كما أنك عندما تقول "شربت من عين باردة" فكلمة عين معناها هذه التي في الجبل ويسيل منها الماء، و"شكى فلان من ألم في عينه" المقصود من كلمة عين هذا العضو فإذن ليس هناك حقيقة ومجاز وإنما كلها حقيقة وكلمة "أرسل الأمير عيونه" هنا تعني الجواسيس أو المخبرين الذين أرسلهم هي حقيقة هنا وليست مجازاً. كل كلمة يُظهر معناها السياق والخلاف ليس خلافاً جوهرياً المهم أنه لما يقول هي تؤدي هذا المعنى يتفق مع الذين قالوا تؤدي هذا المعنى. لما أقول أرسل الأمير عيونه أي مخبريه أنت تقول هذا مجاز وأنا أقول حقيقة نحن اختلفنا سواء قلنا مجازاً أو لم نقل فالمعنى واحد. بعض كبار علماء الشريعة ذهب إلى أنه لا يوجد مجاز ونوقِش الرجل بهذا الأمر وجمهور العلماء يقولون أن اللغة فيها مجاز.

الأيدي هنا العلماء لهم فيها جملة توجيهات ويقولون يمكن أن تكون الأيدي بمعنى القوة (أصحاب القوة) ويمكن أن تكون بمعنى الكرم سواء كانوا أولو الكرم الذي يخرج منهم أو الكرم الذي ينزل عليهم من الله سبحانه وتعالى فيحتمل الأمرين أنهم الذين كرّمهم الله عز وجل لأن اليد تأتي بمعنى الكرم أو القوة سواء كانوا هم أكرم الناس أو أكرمهم الله عز وجل فهم أصحاب أيدي، لله سبحانه وتعالى عليهم يد ولهم يدٌ على الناس. أما الأبصار فبالإجماع يرون أنها البصيرة في العلم والدين. كانت لهم بصيرة في العلم والدين وهذا كرم من الله سبحانه وتعالى.

(إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)) المصطفى من الاختيار والاصطفاء، الاخيار جمع خيّر وخير. يلفت النظر قوله تعالى (فأخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) والكلام كان مع الرسول r لتذكيره بشأن هؤلاء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم جميعاً الصلاة والسلام. (أخلصناهم بخالصة) أخلصه في الأصل بمعنى نقّاه وصفّاه من الشوائب يكون خالصاً منقىً. نقيّناهم التنقية لهم، وهناك صفة منقاة لهم فالتنقية جاءت مرتين: هم نُقّوا بين البشر وعندهم صفة انتُقيت لهم خالصة لهم دون غيرهم فالتنقية والإخلاص كان مرتين.

لو قيل في غير القرآن (أخلصناهم بخالصةٍ) خالصة نكرة عامة تحتاج إلى بيان فما هذه الخالصة؟ قال: ذكرى الدار. كلمة ذكرى ممكن أن تكون من التذكر تذكر الإنسان شيء فله بذلك ذكرى ويمكن أن تكون من التذكير فهو يقدّم ذكرى للآخرين فاللفظ يمثل المعنيين. والمعنيين مرادان يعني هم يذكرون الآخرة دائماً ويُذكّرون بها، هذا شيء أخلصوا به.

عندنا قراءة نافع مع عدد من القراء (أخلصناهم بخالصةِ ذكرى الدار) بالإضافة لا يُنوّن وإنما يضيف، نافع وعدد من القُرّاء يضيفون وحفص وعدد من القُرّاء ينوّنون. نقول هذه القبائل العربية التي رُخِّص لها بأمر من الله سبحانه وتعالى أو جبريل نزل بها مرتين. نجد المعنى واحداً. لو أخذنا مثالاً: نقول خصّ الله فلاناً بعافيةٍ (بأي عافية) يقول النجاة من الزكام، وضّحها. فخصّ فلاناً بعافية النجاة وضّحت أن العافية هي النجاة. لو قيل: خصّه بعافيةِ النجاة، أيضاً بيّنها لكن عن طريق الإضافة والنسبة أي خصّه بهذه العافية (عافيةٍ النجاة أو بعافيةِ النجاة) لذا نقول القراءات القرآنية لا يتغير فيها المعنى لكن يمكن أن يكون هناك لمسة خفيفة في التفريق: بعافيةِ النجاة فيها نوع من الإرتباط أقوى من بعافيةٍِ النجاة سواء أعني النجاة أو هي النجاة أو بعافيةِ النجاة على البدلية.

(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47)): كلمة مصطفى تُصلِح أن تكون مثالاً لبيان إسم المفعول غي الثلاثي. لما نقول إختبر إسم المفعول من غير الثلاثي يكون بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وفتح ما قبل الآخر (مُختبَر) وإسم الفاعل كسر ما قبل الآخر (مُختبِر). مُختبَر الذي وقع عليه الإختبار ومُختبِر الذي يقوم بالإختبار. نقول المصطفَين جمع للمصطفى (وقع عليهم الإصطفاء فهم المختارون) المصطفَين، ولو كان للفاعل تصير للمصطفِين بكسر الفاء. المصطفَين معنى ذلك أن الله سبحانه الناس يوم القيامة لا يكونون درجة واحدة وإنما درجات. وهناك منزلة الإصطفاء فهؤلاء الأنبياء يكونون في الإصطفاء من المصطفين ومحمد r من هؤلاء مصطفى خير وأمة محمد r في قوله تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) وهذه بشارة هذه الطبقة العليا (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) هذه ميزة لأمة محمد r طاعة الله والرسولr.

سؤال 204: ما الفرق بين سارعوا وسابقوا في الآيتين (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) آل عمران) (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) الحديد)؟

في الآيتين أكثر من وقفة: قضية الواو وانعدامها، السموات والسماء، عرضها وكعرضها، للمتقين، للذين آمنوا بالله ورسوله، ذلك فضل الله ولم ترد في الآية الثانية.

سورة آل عمران

سورة الحديد

و

سارعوا

عرضها

السموات والأرض

للمتقين

-

-

سابقوا

كعرض

السماء والأرض

للذين آمنوا بالله ورسوله

ذلك فضل الله

لما نأتي إلى سياق الآيات لذا نقول دائماً فهم الآيات يكون بالرجوع إلى السياق. نلاحظ الآية الأولى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)) هناك تشريع ونهي عن ارتكاب إثم عظيم، و(واتقوا الله) دعوة للتقوى، (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ) (واتقوا النار) اتقول ما يوصلكم إلى النار، (وأطيعوا الله والرسول) لاحظ الواوات، ثم (وسارعوا إلى مغفرة) جاءت الآية في إطار العطف. بينما الآية الأخرى في سورة الحديد (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)) فيها نوع من الإيضاح والشرح لقضية معينة ثم ما عندنا نهي أو أمر فجاءت (سابقوا) من غير الواو. (وسارعوا) لما يكون تشريع ويكون هناك إثم عظيم على ارتكاب المحالفة. الربا فيه إثم عظيم وكان كثير من المسلمين يتعاطون بالربا قبل تحريمه فلما جاء التحريم طلب منهم أن يسارعوا وليست مسألة مسابقة وإنما كل واحد مسؤول عن فعله لأنه أمر شخصي فطلب إليه أن يُسرع والمجموع أن يسارعوا يتنافسون في السرعة كلٌ يُسرع إلى مغفرة. كيف يُسرع لها؟ بالتوبة والتوبة شخصية فجاءت كلمة سارعوا. ليس هناك مجال للمسابقة أنت وآخَر. الآن المناسبة تعنيك والكلام على الربا والربا شخصي. لكن (سابقوا) الكلام على الدنيا والدنيا فيها منافسات وتنافس ولعب وما من لعب إلا وفيه منافسة واللهو يتنافس فيه الناس والتفاخر الناس يتنافسون فيه. اللعب واللهو كلُ يريد أن يظهر شأنه فيه وتفاخر يتسابقون في الفخر أنا كذا وأنت كذا (ألهكم التكاثر) انظروا كم من ميّت عندنا وكم من ميّت عندكم، وصل الأمر أن يتفاخروا بالأموات. الموضوع ليس هنا ولكن المسابقة هي أن تتسابقوا إلى مغفرة من ربكم تلجأون إلى الله تعالى عن هذا اللهو والعبث لكن فيه تسابق والسباق قطعاً فيه سرعة، هذا فيه سرعة وزيادة.

لماذا قال هناك (عرضها السموات والأرض) وهنا (كعرض السماء والأرض)؟

هنا استعمل الكاف للتشبيه وهناك لم يستخدمها. السموات جمع السماء. صحيح هي مفرد لكن حينما يأتي وحدها تأتي لعدة مصالح: السماء ممكن أن تكون واحدة السموات (سماء واحدة من السموات السبع) وممكن أن تكون بمعنى المطر والغيث وممكن أن تكون لكل ما علاك (كل ما علاك فأظلّك فهو سماء) بحيث تشمل السموات السبع وما فوقها. فلما قال السماء والأرض ويتكلم عن العرض ويريد أن يبين عظمة هذا الأمر. السماء والأرض عظيمة جداً فاستعمل لها التشبيه لأنها غير محدودة لكن لما استعمل السموات إستعمل التحديد (عرضها السموات والأرض) للتقريب. لكن العربي لما يسمع عرضها عرض السموات والأرض قد يفهم منها السماء الأولى الواحدة لكن لما قال (كعرض السماء والأرض) يفهم أن هذا إطلاق. (كعرض) أقوى من (عرضها) وأشمل وأوسع هكذا يُفهم.

ولذلك قال (أُعدّت للمتقين) لأن المتقين قياساً بمجموع الذين آمنوا بالله ورسله قِلّة فوضعهم مع ما هو أضيق (السموات والأرض) لكن هنا (للذين آمنوا بالله ورسله) جميعاً إستعمل السعة مع السعة ولما تحدث عن السعة كان ذلك من فضل الله سبحانه وتعالى أن عمم هؤلاء جميعاً. هنالك المسألة ضعيفة فما ذكر الفضل وهنا لأن المسألة واسعة ذكر فضل الله سبحانه وتعالى.

بًثّت الحلقة بتاريخ 17/6/2006م

الحلقة 49:

سؤال 205: ما دلالة تنوع الأوصاف للسحاب وتصنيفها في القرآن (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) الروم) (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) النور) (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) النبأ)؟

هذا السؤال يقتضي بعض المقدمات منها أن كلمة السحاب أو سحاب هي كما يقول علماؤنا إسم جنس جمعي. واسم الجنس الجمعي معناه لفظه لفظ مفرد ولكن معناه معنى جمع وليس له واحد من لفظه. فكلمة سحاب كأنها إسم مفرد ليس لها واحد من لفظها، يمكن واحدها قطرة. لكن موجود سحابة. والسحابة هي القطعة من السحاب لكن ليست واحدة من السحاب هي قطعة والقطعة مجزّأة تماماً مثل كلمة ماء. الماء إسم جنس جمعي ليس له واحد من لفظه لكن له قطعة من الماء. إسم جنس يعني لحالة معينة خاصة به السحاب للسحاب والماء للماء لهذا الجنس مثل كلمة رجل جنس لهذا المخلوق. كلمة ماء في العربية هناك ماءة يفرّق بينها وبين واحدة بالناء، مثل شجر واحده شجرة تزيد على هذا اللفظ تاء يصبح مفرداً، هذا إسم جنس إفرادي يعني له مفردات. الشجر مفرده الشجرة الواحدة فيختلف. كلمة ماءة يعني الواحد من الماء عادة يطلقونها على الماء المتبقي مثل الغدران ولا سيما إذا خصت إحدى القبائل نفسها بها أن هذه لنا أو البئر الركيّة مثلاً فيقولون هذه ماءة لبني فلان.

هذه مناسبة للكلام على أن كلمة ماءة تكتب منفردة الهمزة وتاء مربوطة وليس في الأعداد لفظ مئة وإنما مائة لأن ماءة تعني ماء لبني فلان. أما كتبت الألف من غير أن تُقرأ مثل واو عمرو. مائة وتكسر الميم، ضع في ذهنك دائماً أن ميم هذا الرقم 100 ميمه مكسورة فانظر كيف تقرأه؟ لا يستطيع أن يقرأها ماءة الميم مكسورة فإذن الماءة واحدة الماء الذي هو غدير أو ركيّة أو عين ماء أو بئر أو ما أشبه ذلك. فالسحابة واحد السحاب والسحاب لفظه لفظ مفرد وهذا سنستفيد منه لاحقاً في الكلام على ورود كلمة السحاب.

كلمة السحاب وردت في تسع مواضع في القرآن الكريم كله فهذا شيء. هذا الإسم كلمة السحاب وما أشبه لفظه لفظ مفرد ومعناه معنى جمع لأن لما يقول معناه معنى جمع كأنه جمع تكسير ولذلك قالوا السحاب يُذكّر ويؤنّث فالعرب تقول هذا السحاب وتقول هذه السحاب، ظهر السحاب وظهرت السحاب. لكن الإحالة عليه بالضمير بالمفرد المذكّر يعني تقول السحاب رأيته ولا تقول السحاب رأيتها. فإذا جمعته على سُحُب تؤنّث تقول السحب رأيتها ولا تقول رأيته للجمع كما تقول الشجر سقيته هذا أيضاً إسم جمع إفرادي، الأشجار سقيتها.

الأمر الآخر في هذه المقدمة قبل أن ندخل في الألفاظ أن العرب عندما تُذكّر وتؤنّث عندها في لغتها وفي المعنى الذي ترمي إليه المذكّر أقوى من المؤنّث وهي في الحيوان المذكّر عامة (هناك بعض المؤنثات أقوى من الذكور) لكن عموماً جنس الذكر أقوى من الأنثى أما في الحشرات فالأنثى أقوى من الذكر (النحلة هي التي تقاتل والنحلات العاملات يقاتلن) لكن في عالم الحيوان: الأسد أقوى من اللبوة والرجل أقوى من المرأة عموماً. فحينما يأتي موطن تذكير معناه هناك ميل إلى بيان قوة وعندما يكون موطن تأنيث يكون أدنى. لذلك سنأتي إلى سؤال عن الموضع الذي يقول فيها تعالى عن الأصنام إناث.

كلمة السحاب وردت في تسعة مواضع والسَحاب هي بفتح السين وليس لها وجه آخر والسَحابة بفتح السين. أربعة مواضع وردت كلمة السحاب فيها ليس وراءها وصف إنما مجردة ولكل موضعه. وسؤال الأخ السائل أن هذه التعبيرات تنوّع التعبير فيها. ننظر في كل آية من الآيات التسع:

الموضع الأول: في سورة النمل (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)) السحاب مشبّه به هنا، الكلام على الجبال في حالٍ من أحوالها تشبه السحاب فهو مشبه به لا مجال للكلام عليه، مجرد مشبه به. هذه الآية جاءت في سياق قيام الساعة، أهوال قيام الساعة يكون كذا وكذا ومنها أنك ترى الجبال تحسبها جامدة، ثابتة، مستقرة وحقيقتها أنها تمر مرّ السحاب. والمرور هي مجاوزة: مرّ فلان أي جاوز وذهب تكون مجاوزة بالقياس أو الإضافة لشيء ثابت. معناه تمر مر السحاب نحن على الأرض والسحاب يمر فحركته بالقياس إلى شيء ثابت الجبال، يكون شيء ثابت وهي تمر. الصورة المفهومة أن الناس في مشهد يوم القيامة في هذا الرعب، الناس واقفون في أماكنهم والجبال تمر، تتحرك، ثم ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا (العوج: المنخفض، والأمت: المرتفع) تتساوى الأرض ليس فيها منخفضات ولا مرتفعات. هذا الفهم المتصل بما قبله وما بعده هي مشهد من مشاهد يوم القيامة، بعض الدارسين المعاصرين قالوا يمكن أن نفيد من هذه الآية للكلام على حركة الأرض الذي ينظر إلى الأرض من خارجها سيجد أن الجبال وهي أظهر شيء فيها سيجد أن الجبال تتحرك، تمر مر السحاب، فإذن فيه إشارة إلى حركة الأرض ممكن أن يصل إليها الإنسان بعد 1400 عام من نزول القرآن فتكون هذا من قبيل الإعجاز العلمي. نحن ذكرنا أن النظريات التي هي غير قاطعة لا يجوز أن نلوي أعناق الآيات لتتماشى معها لأن النظريات غير ثابتة لكن الآن الثابت أن الأرض تدور، تتحرك والثابت أن الذي ذهبوا إلى القمر لو نظروا إلى الأرض بالمناظير المكبرة جداً سيرون أن الجبال تكر مر السحاب هذا ممكن أن نفيد منه لأنها صارت حقيقة علمية ثابتة نستطيع أن نقول هناك إثبات في القرآن لهذه الحركة (وهي تمر مر السحاب صُنع الله الذي أتقن كل شيء) كأن هذا يقوّي هذا الرأي العلمي أن هذا من صُنع الله الذي أتقن صنعٌ مُتقن هذه الدورة ومع أن السابقين فهموا أن هذه التسمية هي من صنع الله تعالى لأن اللفظة تدل على أكثر من معنى. (الأرض بعد ذلك دحاها) عندما ننظر في لسان العرب نجد أن الدحو له عدة معاني: الدحو بمعنى البسط يقول بسطها للسكان وهي فعلاً مبسوطة للسكان منبسطة. ومن معاني الدحو غير الإنبساط تهدّل بطن الرجل بحيث يصبح بيضي الشكل، الشكل ليس على شكل كرة ومنه ما تصنعه النعامة لبيضها في الرمل تحفر حفرة بيضية الشكل تحتوي بيضتها ففيها معنى البيضية (يقال هذا شكل بيضي الشكل لا بيضاوي نسبة إلى البيضة ولا يوجد بيضاوي في العربية) فلما يثبت الآن أن الأرض بهيئة بيضة تقريباً ليست كرة وإنما فيها امتداد إلى القكطبين فهي أقرب إلى صورة البيضة فهي أقرب إلى صورة الدحو سواء نزول البطن أو دحو النعامة لبيضتها نستطيع أن نقول أن هذه اللفظة تسعفنا في أن نقول أن القرآن الكريم أشار إلى هذا. إذن هذا (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) المتقن خبرة، فخبير بأفعالكم.

الموضع الثاني في سورة البقرة في سياق تعداد نِعم الله سبحانه وتعالى، مجرد تعداد وذكر لهذه النعم وهناك نوع من التناسق في هذه الآيات (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)) آية تذكر جملة أمور مؤكدة بـ (إنّ) ثم بعد ذلك تذكر الخبر (لآيات). عندنا إيمان أن الله تعالى خلق السموات والأرض لأجل الإنسان. (إختلاف الليل والنهار) ليل ونهار مختلف يختلف عليه ليس نهاراً سرمداً ولا ليلاً سرمداً، تعاقب الليل والنهار وتنويع لأن الماء إذا سكن في مكانه يفسد (إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطِبِ). والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعل الإنسان يجعل أجساماً يسكن فيها وتطفو على الماء ليس أمراً سهلاً لكن ألِفناه والوصول إليه هداية من الله تعالى فهي إذن من نعم الله تعالى على الإنسان. وما أنزل الله من السماء من ماء: كل ما يتناوله الإنسان والنبات والحيوان مما مصدره السحاب فهذا الماء في الأرض ماء ملح يرتفع إلى السماء فيطهر فينزل طاهراً. حتى الجبال التي فيها ثلج هي في أصلها من هذا السحاب المرتفع ليس ثلجاً إبتداءً لكنه من هذا الذي يتبخر. وقلنا أن السماء هو العلوّ وكل ما علاك فهو سماء. فأحيا به