عنوان الحلقة: حلقة خاصة بليلة القدر
تقديم علاء بسيوني
ليلة شديدة الخصوصية (خير من ألف شهر) فيها مفاضلة بفترة زمنية طويلة. فمتى هي ولماذا الاحتفال بها في ليلة السابع والعشرين؟
المسامون انصرفوا عن لباب الأمور الى مظاهر وأشكال قد تخرجهم عن صحيح الدين. عندنا قرآن هو اعتمادنا الأساسي في التشريع ثم سُنة الرسول r الصحيحة فالقرآن قطع أن ليلة القدر هي في شهر رمضان (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) فليلة القدر هي في شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن وفي الأحاديث الصحيحة التي وردت في صحيحي مسلم والبخاري أحاديث صحيحة : التمسوها في العشر الأواخر ، وفي حديث آخر: التمسوها في وتر العشر الأواخر، وفي حديث آخر هي لخمس بقين، لتسع بقين، لسبع بقين (أي ليلة 25 أو 21 أو 23) وفي حجيث أنها ليلة 24. وهناك حديث واحد لبن عباس وعمر بن الخطاب لكنه ليس حديثاً صحيحاً أنها في ليلة 27 ولكن هذا الحديث ليس صحيحاً كما قلنا. فالرسول r بحسب أحاديث مسلم والبخاري الصحيحة أنه r اعتكف العشر الأوائل بحثاً عنها والعشر الأوسط بحثاً عنها والعشر الأخيرة فلم يجدها لا في الأولى ولا في الوسطى أما الثالثة قال r: خرجت اليكم لأخبركم بها أو عنها فتلاحى (أي اختصم) رجلان فنُسّيها الرسول r عند مسلم وعند البخاري (فرُفعت) وعسى أن يكون خيراً لكم. والحديث من فم رسول الله r قال تلاحى فلان وفلان ولم يذكر اسمهما لأنهما تلاحا أمامه r والله تعالى أنساها لرسوله r لحكمة معينة ونحن للأسف نرتكب في حق أنفسنا أموراً لا تليق.
سؤال: (في الحديث قال r: عسى أن يكون خيراً لكم) فهل من قضاء الله تعالى أن يُنسّاها الرسول r حتى لا تصل الينا؟
لنفترض جدلاً أننا عرفنا متى ليلة القدر أسأل لماذا نبحث عنها؟ المفروض أننا كمسلمين في هذه الليلة نفعل كل خير يخطر على بالك إذا أحسنت فيها فقد أحسنت فيها بدرجات تعال درجات أعمال ألف شهر وهذا فرض جدلي وإذا صليت فيها ركعتين أو قمت ليلها فسيمون الأجر عظيماً من وجهة نظر الناس الذين يبحثون عنها فماذا لو ارتكبت فيها إثماً " سبكون الحساب بألف وستكون كبيرة.
الرسول r يدخل المسجد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه فوجد رجلاً نائماً والأذان يرفع فطلب الرسول r من علي أن يوقظ الرجل ليصلي فذهب اليه علي وأوقظه ثم سأل الرسول r فقال: أنت يا رسول الله سبّاق للخيرات فلماذا طلبت مني أن أُوقظه أنا ولم توقظه أنت؟ فقال r في ردّه عليك يا علي بالرفض اساءة ولكن اساءته بالرفض لي أكبر حتى إذا رفض تقل جنايته (لأن رفض أمر من الرسول أكبر من رفضه من مسلم) والرسول r كان خائفاً على هذا الرجل النائم وليريد أن تخف جنايته إن رفض القيام.
لماذا يبحث الناس عن ليلة القدر؟ الناس تنقسم منهم من يريد أن يطلب ما يشاء لأن باب السماء مفتوح وفريق يريد أن يدعو فيها كما أوصى r عائشة رضي الله عنها "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني" وفريق لا علاقة له بالموضوع من أصله. لكن أسأل هل هناك فريق حاول أن يتحرى هذه الليلة لأنه الليلة التي أنزل الله تعالى فيها القرآن حتى أقدّم الشكر الواجب لله تعالى؟ هذا الفريق يبحث عنها من أول رمضان ومنهم من يبحث عنها طول العام. ابن مسعود رضي الله عنه (الذي كان الرسول r يحب سماع القرآن منه) ذهب اليه أحد الصحابة فسأله يا ابن مسعود بما لك من علم ما هي ليلة القدر؟ فقال ابن مسعود من أراد أن يصيبها فليقم الحول. لا بد أن توضع هذه العبارة في الاعتبار لمن أراد أن يتدبر. السنة اليوم فيها يلفّ فيمكن أن يكون 10 رمضان موافق للأول من اكتوبر مثلاً هذا العام وفي العام التالي يختلف وفي الذي يليه يختلف ايضاً وهكذا فاليوم يلف في السنة وكذلك ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن كانت في السنة الأولى أما في السنوات التي تلتها فصارت ذكراها وليست كالليلة التي أنزل فيها القرآن أول مرة وكذلك في السنوات المتوالية كلها ذكرى ليلة القدر وقد يكون ذكراها بعد سنة أو أكثر في غير رمضان حسب التقيت الميلادي لهذا يمكن أن تلف هذه الليلة على العام كله. فلماذا لا نصلي مثلاً العشاء كل ليلة ثم نقول" اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني" طوال السنة وهذه من باب الأحوط فإن لم أفعل هذا طوال العام فعلى الأقل أفعله من أول رمضان فإن لم أفعل أفعله في العشر الأواخر فإن لم أفعل أفعله في وتر العشر الأواخر. ولنا في رسول الله r أسوة حسنة: كان r إذا جخل العشر الأواخر شدّ المئزر وأيقظ الأهل وأحيا الليل. والرسول r كان ينشط ليس بحثاً عن ليلة القدر وإنما توديعاً لرمضان.
وفي تعدد الروايات عن ليلة القدر تؤكد أن الرسول r نُسّيها وقلنا أن الأحاديث تشير أنها في العشر الأواخر وفي وتر العشر الأواخر وإجماع الأحاديث على أنها ليلة 21 فلماذا تحتفل الأمة الاسلامية بهذه الليلة في ليلة 27؟ والمشكلة أن هذا الأمر أصبح عقيدة عند الناس وأمر مقطوع به. أقول علينا أن نجتهد في العشر الأواخر ونتأسى بالرسول r وهو r كان يحيي الليل طوال العام ونحن للأسف تركنا كل الليالي وأخذنا ما ليس فيه حديث صحيح وهو ليلة 27 وغفلنا عن قوه تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) يتمنى العفو ويعمل لليوم الآخر.
سؤال المسألة اختلفت عند رسول الله r فهو كان يقوم الليل كل العام وفي الحديث (يحيي الليل) فما الفرق بين إحياء الليل وقيام الليل؟
أولاً شدّ المئزر والمئزر هو الاوار وشد المئزر لها معنى لغوي ولازم معنى. موسى لما طلب من الله تعالى قال (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري) أي قوته مع قوتي. والعرب يقولون للرجل إذا رفع ازاره أو قميصه شد مئزره أي أقبل عل عمل ل يكن معتاداً عليه قبلاً هذا هو المعنى اللغوي. مئزر جاءت من القوة وشد المئزر عند أهل اللغة لها تعبير أقوى. لم يأمر الرسول r بالاعتكاف في العشر الأول والثاني من رمضان لكنه أمرهم به في العشر الأخير والمسلم عندما يعتكف لا يخرج من المسجد ويحيي الليل أي لا ينام ويبقى صاحياً ولازم المعنى أنه لا يجامع زوجته وهو لا يجامعها اصلاً قبل الافطار وهو لا يجامعها في الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان وهذا شرح يليق بمقام العشر الأخير لأن هذه الليالي أهم من أن يفكر بهذا الأمر فهو مشغول بسواه وهي مشغولة أيضاً بالعبادة والاعتكاف عن هذا الأمر. وتكملة الحديث (وأيقظ الأهل) أي الكل مشغول بالعبادة (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا) ناشئة الليل هي العبادة التي تُنشئها أنت برغبتك تطوعاً تكون أشد وطأ وأقوم قيلا. فإذا وصلت لهذه الحالة يخرج الدعاء منك وأنت قائم طواعية فلا تطلب دنيا أبداً وإنما دعاءك يكون كله للآخرة ولما وجّه الرسول r عائشة رضي الله عنها وجهها لدعاء للآخرة (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني). إذن فمنهج الرسول r في العشر الأخير هو شد المئزر، ايقاظ الأهل واحياء الليل، في العشر الأول والثاني كان r يقوم الليل أي ينام ويقوم أما في العشر الأخير فكان يحيي الليل وأنت تحيي الليل أي لا تنام وكأن الليل ميّت بالنسبة لك ثم تحييه أنت. هناك من يعتكف في المسجد ويترك أهله دون أن يوقظهم أن يحثهم على العبادة وهذا لا يجب أن يكون إذا اردنا التأسي بالرسول r. (إذا دخل العشر الأواخر) هذه الجملة تشعرك أن شئياً يزورك فتمتنع عن الجماع ليلاً تطوعاً مع أنه حلال وهذا لأنك مشغول بالله تعالى. وتوجيهات الرسول r بالصيام أن نصوم ثلاثة ايام من كل شهر والاثنين والخميس وهو أفضل الصيام وهذه الاجابة على سؤال طرحناه في حلقة سابقة عن أي الصيام تصوم كمسلم صيام داوود أو صيام محمد r؟ ولو حيبنا صيام داوود ومحمد r نجدهما تقريباً متساويين. ولكن صم بقدر ما تقدر عليه.
من الآيات (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا) العبادة التي ستتفرغ بها لله تعالى طواعية وحباً بالله تعالى ورسوله ستقدر عند المولى وهو لا يحتاجها ولكنها تعود عليّ أنا. هل نقول انها علاقة بين العبد وربه؟ هناك قصة معبّرة هي أن زوجة كانت تقوم كل ليلة من فراشها فيفقدها زوجها ويتوقع أنها تقضي حاجتها ثم تكرر الأمر فراقبها فوجدها تقوم لتصلي الليل وتبكي وتدعوه فغار منها زوجها وقال له: ألا تهجعين؟ ألا تنامين؟ فقالت: كيف ينام من علِم أن حبيبه لا ينام وتلت عليه قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم). فالقرآن لمن تدبّره على مراد الله تعالى فيه يجد أن كل كلمة فيه لها معنى ومعنى لازم ولازم معنى ومجاز وتشبيه وأموراً أخرى لا تخطر على بال قارئ.
احتفالنا بليلة 27 يخرجنا عن مضمون الاسلام ويجعلنا نمشي وراء البدع كما فعل الناس مع الهجرة والتصف من شعبان وليلة 27 رمضان. ورحم الله الدكتور الغزالي قال: تحول الاسلام عندنا لمناسبات ومناصب وطعام وشراب. الذين يعتقدون أن ليلة 27 هي ليلة القدر فهم يعتدون على القرآن لأن الأحاديث الصحيحة تقول أنه r نُسّيها فتخيل لو أننا عرفنا أي الليالي هي ليلة القدر فتخيل ماذا سيحدث في مكة؟ سيأتي المسلمون من كل مكان ويتزاحمون وقد يقتولن بعضهم بعضاً من شدة الزحام وكذلك في المسجد النبوي وأقول للناس ابتعدوا عن هذا الكلام فعندما يقول r أنه نُسّيها يون قد نسيها فهلاً والله تعالى يجزيك على أي ليلة بنيّتك وعظمة الليلة بحد ذاتها هي إنزال القرآن والاحتفال بها يجب أن يكون لشكره تعالى على انزال القرآن.
سؤال: في دعاء ليلة القدر لماذا العفو وليس المغفرة أو الرحمة أو الستر؟
هذا هو الملمح وهذه هي السمات والسمات لعلامات الليلة التي قالها الرسول r في الحديث علامات خاصة بـ (إقرأ) وعلامات اقرأ علامات خاصة بالقرآن. كيف أعرف أني قمت الليل صح وأن الله تعالى قبِل دعائي؟ هو أن تشعر أن المولى عفا عنك وتخرج من رمضان بمحض العفو فيتغير سلوكك بعد رمضان الى الأفضل سيوسوس لك الشيطان لكنك ستأبى وهذا يدل على أن الله تعالى عفا عنك. وأفرب دعاء للقبول ما خرج من قلبك وفي الليل ستجد هذا الوضع فيخرج الكلام منك كأنك علاّمة ويكون عندك عقيدة على عفو الآخرة وأن يعفو عنك الله تعالى في الآخرة. وأنت تدعو تذكّر أن هذا دعاء الرسول r وخلاصة فهم الرسول r لواقع ذكرى ليلة القدر. والليلة هي ذكرى ليلة القدر وعلاماتها ليست علامات ليلة اقرأ (أول نزول القرآن) وإنما هي ذكرى الليلة وعلاماتها قالها الرسول r في ليلة اقرأ فلن ينزل قرآن بعد ليلة القدر الأولى واحتفالك بها هو احتفال لشكر الله تعالى على انزال القرآن. لماذا العفو؟ المغفرة والرحمة والهداية والستر كلها واقعها جزئيات كليات يعني الرحمة جزء من كُلّ (جزء للعفو) والستر جزء للعفو فإذا سألت الله تعالى الرحمة ورحمك فهذا لا يعني أنه عفا نك. فالعفو طالما عفا عنك تعني أعطاك كل شيء وغفر لك ورحمك وهداك وستر عليك وعفا تشكل الحاضر والماضي. (من قام ليلة القدر ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) غفر أي محاه ستر وبدلت السيئات حسنات ثم محى السيئات) وهناك من دسّ في الحديث (وما تأخر) مع أنه يشملها بالدعاء لأن العفو شامل من الله تعالى تعالى يغفر ما فات ويهيدك فيما سيأتي. وكلنا يذكر قصة الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً وذهب الى كاهن فسأله هل لي من توبة فقال لا فقتله وأكمل به المئة ثم ذهب الى عالم فسأله هل لي من توبة قال نعم ولكن اخرج بنفسك الى مدينة أخرى فذهب ومات في الطريق فتخاصمت عليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأمرهم تعالى ان يقيسوا المسافة بين المدينة التي خرج منه والجثة وبين الجثة والمدينة التي هو ذاهب اليها ليتوب فوجدوا أنه أقرب لمدينة الرحمة بشبر وهذا دليل أن الله تعالى عفا عنه. فإذا عفا الله تعالى عنك يبدل سيئاتك حسنات وهداك فيما سيأتي. وعلامة ليلة القدر أنك لما تخرج من رمضان إذا جاءتك وسوسة ترفضها بعفو الله تعالى وتذهب للطيبات وتمنع كل حرام ولا تغش ولا تكذب وترضي والديك (اولئك على هدى من ربهم) قلنا سابقاً أن دلالة (على هدى) تفيد أن الهدى مطيته وبهاذ يذهب الى الجنة بإذن الله تعالى. قُل كل ليلة (اللهم انك عفو تحب العفو فاعفو عنا) فإذا استجاب الله تعالى لك استجابة تلبية يكون قد عفا عنك فيا ليتها تكون الليلة الأخيرة لأنه ستكون حسن خاتمة.
سؤال: هل عفوه تعالى قاصر على هذه الليلة فقط؟
الله تعالى يتنزل كل ليلة في الثلث الأخير من الليل وينادي عباده هل من تائب؟ هل من سائل؟ هو تعالى يسأل فهل عندما استجيب له وأسأله أو أستغفره يتركني؟ هذا مستحيل أنا أتمنى أن يفطن الجميع للثلث الأخير من الليل قبل الفجر بساعة أو ساعتين وركزوا في أدعية الآخرة (اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها وخير أعمارنا خواتمها) (اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة) (اللهم اجعل آخر كلامي شهادة أن لا اله الا الله محمد رسول الله) وغيرها من أدعية الآخرة. وأقول للناس أنه ابتداء من هذه الليلة لن نطلب منه الكثير من الركعات وكل واحد يصلي على حسب طاقته صلي ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان أو أكثر (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) صحيح أن هذا الكلام موجه للرسول r وكل واحد منا يصلي على قدر امكانياته. وقال تعالى (يا أيها المزمل قم الليل الاقليلا نصفه او انقص منه قليلا او زد عليه) هذا أمر للرسول r والرسول r قام تنفيذاً لأوامر الله تعالى والأمر هو ايضاً لنا بطريقة غير مباشرة (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة) وقال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتّبعوني يحببكم الله) واتباع الرسول r بالسُنّة فهو r كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه وللعلم فلا تتورم القدمان من قيام ليلة واحدة وإنما هو r كان يقوم العام كله وهذا أمر تعوّد عليه حتى ان الصحابة أرادوا ان يقووا الليل مثله فما استطاعوا وهو r لم يطلب منهم ذلك تخفيفاً عنهم كما نهاهم عن صيام الوصال وكان هو r يصومه. فالصحابة كانوا يتأسون بالرسول r فيا ليتنا نتأسى به r.
لماذا سميت ليلة القدر؟ هل المقصود ليل (اقرأ) أو القرآن كله الذي أنزل من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا؟
المقصود الاثنين القرآن جزء الكتاب والكتاب أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا في هذه الليلة بالجمع الذي بين أيدينا الآن هذا الكتاب في السماء الدنيا يؤخذ منه قرآن حسب الأحداث (كتاب فصلت آياته قرآناً عربيا) الليلة تحتمل المعنيين: إنزال اقرأ وإنزال القرآن من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا. والضمير في (أنزلناه) يعود على ما تكلم عنه تعالى، وأهل التفسير يقولون أن الضمير عائد على القرآن وقلة قالوا أنه عائد على جبريل لكن هذا تفسير يردّه النص (تنزّل الملائكة والروح فيها) والروح هو جبريل ف يكون الضمير في أنزلناه عائد على جبريل. إنا أنزلناه أي إنا أنزلنا الكتاب والقرآن في ليلة القدر ترتيب السورة في النزول 25 لكن ترتيبها في المصحف وراء سورة العلق كأني بالله تعالى يقول اقرأ باسم ربك الذي خلق إنا إنزلناه في ليلة القدر. في ترتيب الكتاب سورة العلق وسورة القدر وراء بعضهما. فالضمير عائد على ترتيب جمع القرآن في كتاب (إنا أنزلنا اقرأ في ليلة القدر) اقرأ هي أول القرآن والفاتحة هي أول الكتاب. إنا أنزلناه أي ما تقدّم من السورة السابقة أي القرآن (سورة العلق).
ألفاظ الآيات: (إنا أنزلناه في ليلة القدر): لماذا استخدام الضمير (إنا)؟
هذا ليس ضمير الجمع وإنما هو للتعظيم وكلما تجد في القرآن عمل عظسم لا بد أن تعظم الفاعل والفاعل هنا هو الله تعالى وهو يعظّم نفسه (إنا أعطيناك الكوثر) اعطاء الكوثر عمل عظيم لا بد من تعظيم الفاعل ولا يمكن أن يكون الضمير للجمع فالله واحد أحد. (إنا) لتعظيم الذات لأن الفعل عظيم. إنزلناه: أساس الفعل نزل وكلما تجد في القرآن (أنزلناه) لا يمكن أن يكون الفاعل إلا الله تعالى وكلما تجد (نزل) فيكون الفاعل جبريل او ملائكة تتنزل. إنزال القرآن كلن يحتاج (إنا) للتعظيم وحفظ القرآن فيه زايدة تعظيم فجاء بضميرين للتعظيم (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ضمير إنا وضمير نحن للتعظيم وهو زيادة لتعظيم الذات. إذا كان الفعل عظيماً فتعظيم الذات واجب فإذا كان الفاعل أعظم فتعظيم الذات أوجب. الضمير (الهاء) في أنزلناه عائد على القرآن في إقرأ.
لماذا الليل في قوله (ليلة القدر)؟ الليل فيه السكن والسكن يعظم الفعل ويقوي أثر التلقي عند رسول الله r وهو كان يهذب الى غار حراء كل رمضان ليل نهار ولا ننسى قوله تعالى (إن ناشئة الليل هي اشد وطأ وأقوم قيلا) أي أفضل للتلقي في الليل ولذلك الاسراء كان في الليل وأكده تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) الاسراء يكون ليلاً ولنه تعالى أكد الاسراء فقال (ليلاً) التأكيد أنه ذهب r ليلاً وعاد ليلاً والتعبير بليلة القدر لأن الليل أسكن وأقوم في التلقي. ولما قال تعالى (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) والليل فيه صفاء الروح فبما أنك صاحٍ في الليل وتبحث عن الإله الحق يجعلك أكثر استعداداً للتلقي لذلك أنزلناه ليلاً في ليلة القدر.
القدر: هي العظمة والشأن العظيم والمنزلة الرفيعة والقضاء المحكم لذلك (فيها يفرق كل أمر حكيم) لأنه فيه سيحصل ما يستمر الى يوم القيامة. كل الكتب السماوية نزلت في رمضان لكنها لم تسمى ليالي نزولها بليلة القدر إلا كتاب محمد r سميت ليلة نزوله ليلة القدر. هل هي قدر ساعة ما نزل القرآن فيها أو هي قدر من ساعة التقدير الأول بأن يكون كتاب محمد r آخر كتاب سماوي؟ هي قدر بالقضاء المحكوم أزلاً وسبب قدرها قدر الكتاب لأن هذا الكتاب سيكون فرقاناً (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) فالفرقان فرقان ليس بعده إمالة ولهذا أهل التفسير قالوا أنها ليلة 17 من رمضان ويستدلون بالآية (إن كنتم آمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) فيوم الفرقان هو اليوم الذي فرق بيه الحق والباطل ويوم الجمعان يوم غزوة بدر فكأن الله تعالى يقول أنه هذا اليوم وهذا اليوم اتّحدت الأيام وإن اختلفت السنوات فكأن ليلة القدر وليلة ذكرى بدر واحدة ونحن نحترم هذا الرأي ولكننا نقول أن الرسول r نُسّيها ولا نأخذ بهذا الرأي لأن الرسول r أخبرنا أن نسيها أو أنها رُفعت. تحريها في كل العام أحوط وفي رمضان أقل احتياطاً وفي العشر الأواخر أقل احتياطاً وفي وتر العشر الأواخر أقل احتياطاً.
(وما أدراك ما ليلة القدر): القرآن في هذا الاسلوب نأخذ منه ملمحين فإذا سمعت في القرآن قوله تعالى (وما أدراك) فسيدريك الله تعالى فيما بعد في تفصيل الآيات وإذا سمعت (وما يدريك) فاعلم أن الله تعالى لن يدريك عنه ويبقى علمك بالنسبة له صفراً كما جاء في قوله تعالى (وما يدريك لعل الساعة قريب) وصيغة يدريك فعل مضارع يبقى فيه العلم لله تعالى لأن عمل هذا الفعل المضارع عمل المستقبل وهو خارج عن اجتهادك وليس بيدك. فكل المسائل التي فيها (وما يدريك) لن يدريك عنها الله تعالى ولك أن تفوّض الأمر لله تعالى، و(ما أدراك) سيدريك ويفصل الآيات بعدها كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة) يدرينا تعالى فيما يلي من الآيات (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش) وقوله تعالى (وما أدراك ما يوم الدين) فيدرينا تعالى فيما يلي من الآيات (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله) وهكذا في القرآن كله. وفي سورة القدر قال تعالى (وما أدراك ما ليلة القدر) ويأتي بعدها (ليلة القدر خير من ألف شهر تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر).
(خير من ألف شهر): كلمة ألف في اللغة تعني ما لا نهاية وعند العرب كانوا يستخدمون هذا الرقم للدلالة على الكثرة وقال تعالى (يود أحدهم لو يُعمّر الف سنة) فهذا لو افترضنا أنه عمّر الف سنة ثم سيطلب ألف سنة أخرى وهكذا فالألف ليست عدداً ولكنها تدل على كبر الرقم وكان العرب يستعملون هذا الرقم وكذلك الرقم سبعون للدلالة على الكثرة كما في قوله تعالى (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) فالقصة ليست عدداً وقد قال r في هذه الآية لو أني أعلم أنه لو استغفرت أكثر من ذلك يغفر الله لهم لاستكثرت. وقوله تعالى في ليلة القدر أنها (خير من ألف شهر) يعني خير من عمر الدنيا من عهد آدم الى أن تقوم الساعة لأن الله تعالى أنزل فيه القرآن وهو خير منهج وحفظه ومكّن أهله من حفظه وهو خير الكتب والمهيمن عليها كلها وقصّ كل قصص الأمم السابقة لأنكم خير أمة أخرجت للناس (لتكونوا شهداء على الناس) الأنبياء تستدعي أمة محمد r لتشهد معهم على الأمم السابقة ونحن لا يشهد علينا إلا الرسول r (ويكون الرسول شهيداً عليكم).
(تنزّل الملائكة): تنزّل قال بعض أهل التفسير أن أصلها تتنزل واعتبروها فعلاً مضارعاً يعمل في الحال والاستقبال وقِلّة اعتبروها تنزّل وأنا أرى أن القرآن ليس فيه حرف زائد أو ناقص أو محذوف (تنزّل الملائكة) لا أقول أصلها تتنزل وانما اقول تنزّل الملائكة هي تنزّل الملائكة.
(الروح): هل المقصود جبريل (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين) لمذا سمي جبريل الروح وسميت سر الحياة الروح؟
سمي القرآن روحاً وسمي أمين الوحي روحاً وسميت الروح التي هي قوام الحياة روحاً فلو رفعنا الروح يصبح الانسان ميتاً وكذلك لو نزعنا القرآن فالمؤمن ميّت فكأن القرآن وأمين القرآن والوحي يجعل الانسان الحيّ على حياة جديدة هذا هو الايمان. والدنيا سمين دنيا والآخرة سميت حيوان سميت حيوان بلازم المعنى فهل هي حيوان للكافر والمؤمن مثل بعض؟ كلا حيوان في الجنة في نعيم للمؤمن وحيوان في النار في شقاء للكافر. الميّت هو الذي خرجت منه الروح يستولي مع الكافر الذي فيه ليس فيه روح أو قرآن. (تنزل الملائكة والروح فيها) الروح جبريل أو القرآن فالمعنى صحيح والروح مُنزّلة والكلمة أعطتهما تمثيلاً أحاى. الروح لم ينزل وحده وإنما هو محاط بالملائكة التي تتحرك بأمر من الله تعالى فقط. هذه الملائكة لا تنزل الى الأرض إلا بإذن الله تبارك وتعالى لا عشوائياً وهناك الحفظة وغيرهم واطلاق لفظ الملائكة في الآية هم مخصصون لتنزيل القرآن وكأنهم تشريفة القرآن لذلك قال تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر) هذه طبيعة الليلة الأولى ليلة إقرأ التي فيها نزل القرآن أما باقي الليالي فهي ذكريات هذه الليلة الأولى. وليالي القدر تكريم من أصل هذه الليلة ولا يمكن لعاقل أن يساوي بين ليلة اقرأ وبين ليالي سابقة ولاحقة والقرآن نزل ليلاً ونهاراً وسراً وجهراً وليلة اقرأ متفردة سميت ليلة القدر ليلة بداية النزول وعلى كل مسلم أن يفهم أن كل لحظة كان ينزل فيها القرآن كان ساعة قدر وشهر قدر ووقت قدر والقدر يأتي من القرآن ابتدأ النزول في وقت القرآن.
(من كل أمر): تعني هي ليلة التقدير والقضاء ويُفرق فيها مل أمر حكيم فكل أمر أنزله تعالى فهو بإذنه. أحكم الأمو وأعظم الأمور هي نزول القرآن أو إنزال القرآن وهناك فرق بين الانزال (الفاعل هو الله تعالى) والتنزيل (الفاعل فيه جبريل) للقرآن أنزلناه كتاباً ثم أنزلناه قرآناً. فالانزال للكتاب بداية القرآن والتنزيل للقرآن (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل).
بُثّت بتاريخ 22/10/2005م