عن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول: قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني
ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان
السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب
الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)
تخريج الحديث
الحديث رواه الترمذي من بين أصحاب الكتب الستة،
وصححه ابن القيم، وحسنه الشيخ الألباني.
غريب الحديث
عنان السماء: وهو السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها.
قراب الأرض: ملؤها أو ما يقارب ملأها.
إنك ما دعوتني ورجوتني: أي ما دمت تدعوني وترجوني.
ولا أبالي: أي إنه لا تعظم علي مغفرة ذنوبك وإن كانت كبيرة وكثيرة.
منزلة الحديث
هذا الحديث من أرجى الأحاديث في السنة، ففيه بيان سعة عفو الله تعالى ومغفرته
لذنوب عباده، وهو يدل على عظم شأن التوحيد، والأجر الذي أعده الله للموحدين،
كما أن فيه الحث والترغيب على الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله سبحانه
وتعالى.
أسباب المغفرة
وقد تضمن هذا الحديث أهم ثلاثة أسباب تحصل بها مغفرة الله وعفوه عن عبده مهما
كثرت ذنوبه وعظمت، وهذه الأسباب هي:
1- الدعاء مع الرجاء
فقد أمر الله عباده بالدعاء ووعدهم عليه بالإجابة فقال سبحانه:
{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ } (غافر60)، وقال - صلى الله عليه وسلم -:
(الدعاء هو العباده وقرأ هذه الآية) رواه
أحمد ، ولكن هذا الدعاء سبب مقتض للإجابة عند
استكمال شرائطه وانتفاء موانعه، فقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض الشروط
والآداب أو لوجود بعض الموانع.
ومن أعظم شروط الدعاء حضور القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، قال - صلى
الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه الترمذي :
(ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا
يستجيب دعاء من قلب غافل لاه) ، ولهذا أُمِر العبد أن يعزم في المسألة
وألا يقول في دعائه اللهم اغفر لي إن شئت، ونُهِي أن يستعجل ويترك الدعاء
لاستبطاء الإجابة، وجُعِل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد حبل الرجاء
ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء، وما دام العبد يلح في
الدعاء ويطمع في الإجابة مع عدم قطع الرجاء، فإن الله يستجيب له ويبلغه
مطلوبه ولو بعد حين، ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.
2- الاستغفار مهما عظمت الذنوب
السبب الثاني من أسباب المغفرة المذكورة في الحديث، هو الاستغفار مهما عظمت
ذنوب الإنسان، حتى لو بلغت من كثرتها عنان السماء وهو السحاب أو ما انتهى
إليه البصر منها.
وقد ورد ذكر الاستغفار في القرآن كثيراً فتارة يأمر الله به كقوله سبحانه:
{وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
} (المزمل20)، وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: {
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ } (آل عمران 17)، وتارة يذكر جزاء
فاعله كقوله تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ
يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً
رَحِيماً} (النساء110).
والاستغفار الذي يوجب المغفرة هو الاستغفار مع عدم الإصرار على المعصية
والذنب، وهو الذي مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة في قوله:
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ
يَعْلَمُونَ} (آل عمران135)، وفي الصحيحين عن
أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
(أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك
وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد
فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أن
له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي،
فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب
اعمل ما شئت فقد غفرت لك) والمعنى أي ما دمت على هذ الحال كلما أذنبت
استغفرت من ذنبك، قال بعض الصالحين: "من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته
فهو كاذب في استغفاره"، وكان بعضهم يقول: "استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار
كثير".
وأفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف
بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - كما في
الصحيح: (سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا
أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت
أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت،
قال ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل
الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة)
ومن صيغ الاستغفار العظيمة ما ورد في الحديث الصحيح عند
الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من
قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان
فر من الزحف) .
3- التوحيد الخالص
السبب الثالث من أسباب المغفرة تحقيق التوحيد، وهو من أهم الأسباب وأعظمها،
فمن فقدَه فقَدَ المغفرة، ومن جاء به فقَدْ أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال
تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ
فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} (النساء48)، والتوحيد في الحقيقة
ليس مجرد كلمة تنطق باللسان من غير فقه لمعناها، أو عمل بمقتضاها، إذاً لكان
المنافقون أسعد الناس بها، فقد كانوا يرددونها بألسنتهم صباح مساء ويشهدون
الجمع والجماعات، ولكنه في الحقيقة استسلام وانقياد، وطاعة لله ولرسوله،
وتعلق القلب بالله سبحانه محبة وتعظيما، وإجلالا ومهابة، وخشية ورجاء وتوكلا،
كل ذلك من مقتضيات التوحيد ولوازمه، وهو الذي ينفع صاحبه يوم الدين.
الشبكه الاسلاميه
آيـات قرآنـيـة بــهـا منهج حياتنا
1- سورة
الأنفال..
{
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون
} [آية 33]
فإن الإستغفار من أهم المنجيات للمؤمن في الأمور كلها. فإنه
الاستغفار ييسر الأمور كلها ويزيد الاموال والاولاد بإذن الله ويدخل جنات
عدن بإذن الله.{
فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا.. يرسل السماء عليكم مدرارا.. ويمددكم
بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا
} [10:12سورة
نوح]
2- سورة
التوبة..
{
قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم
وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها
ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى
يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين }[آية 24]
يقول لنا الله تبارك وتعالى أنه علي المؤمن أن يكون حبه الأول والأخير
لله ورسوله. ولا يتخذ من دون الله أندادا يحبهم كحب الله.
فهذه الآية تذكر ثمانية أشياء حللها الحق فما بال قوم يحبون أشياء حرمها
الله تعالى.
ففروا أحباب الله إلي توبة نصوحة من الله الذي {
كتب ربكم علي نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا
بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم
} [الأنعام :54]. اللهم عافنى واعفو عنا.
3- سورة
يونس..
{
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك
فليفرحوا هو خير مما يجمعون } [آية 58]
فإن فضل الله علينا كبير ونعمه علينا عظيمة ، فهي لا تعد ولا تحصى. فكفى
بنعمة الإسلام والقرآن.
فلينظر المرء منا كم من حرف بالقرآن يقرأه أو يحفظه..
فهذا هو فضل الله يؤتيه من يشاء وكفى بهذا الفضل لنفرح به جميعا دنيا
ودين وآخرة إن شاء الله
4- سورة
النساء..
{
فلا وربك لا يؤمنون حتى
يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
تسليما } [آية:65]
5- سورة
الاحزاب..
{
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا
قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله
فقد ضل ضلالا مبينا } [آية 36]
فمن علامات هدى الله للمرء أنه لا يميل إلي الهوى وإلي شهواته. بل إذا
اختلط عليه أمرا واخلتف مع أحد يحكم بما أنزل الله ورسوله ويرجع إلى
الكتاب والسنة الشريفة.
6- سورة
السجدة..
{
فلا تعلم نفس ما أ ُخفي لهم
من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } [آية 17]
بهذه الآية الكريمة المبشرة يهديها الله إلي عباده المخلصين الذي
استجابوا لربهم ورسوله، محبين لهم ومؤمنين بهم. فيعدهم الله بما لا عين
رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر.. فذلك هو الفوز العظيم، وهو خير
مما يجمعون.
ملحوظة: أرجو أن ترسلها لمن تحب
فالدال على الخير كفاعله
لا تنسونا من صالح دعائكم
قال - تعالى -(ليبلوكم أيكم أحسنُ عملا) قالوا أصوبه وأخلصه
وفي الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) السلسة الصحيحة 1113..
أن تعبد الله كأنك تراه هذا هو كمال الإتقان... (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)
أن تعلم قبل أن تعمل ذاك قمة الإتقان (باب العلم قبل القول والعمل) (فأعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك)
أن تراقب الله في سرك كـ علانيتك ذلك هو الإخلاص في الإتقان (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين)
أن تحرص على محاسبة نفسك باستمرار هذا هو الحرص على الإتقان (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا)
أن تأخذ بأسباب الإتقان وتبذل الجهد الصادق في ذلك هذا هو طريق الإتقان.. (فخذها بقوة)
فالله قد وصف نفسه بالإتقان (صنع الله الذي أتقن كل شيء)
أتقن العمل فالناقد بصير
وللسلف والخلف في إتقان العمل ما يجعلنا نتخذ منهم قدوة لنا في الحرص على مثل ما كانوا عليه من إتقان العمل وإخلاصه لله..
فهذا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - الخليفة الأول يتعاهد امرأة عمياء يكنس بيتها ويعد طعامها ويصلح من أمرها وهي لا تعلم من هو!!
أتقن العمل فالناقد بصير
وهذا عمر ابن الخطاب فاروق هذه الأمة يحمل الطعام إلى امرأة وأطفالها في ناحية من المدينة أصابهم من الجوع ما أصابهم فلما شبعت وأطفالها قالت له يرحمك الله كنت أولى بهذا الأمر من عمر!!
تقصد الخلافة وهي لا تعلم أنه عمر!
وتلك الفتاة تقول لأمها (إن كان عمر لا يرانا فرب عمر يرانا)
أتقن العمل فالناقد بصير
وقال أحدهم طلبنا العلم لغير الله (فلما أُتقن العمل) أبي أن يكون إلا لله...
ويذكر البعض عن الشيخ ابن عثيمين أنه كان يخصم من راتبه قيمة الفروض التي لا يصليها إماما في مسجده
أتقن العمل فالناقد بصير
قال أحدهم
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل " = " خلوت ولكن قل عليّ رقيب
وقال آخر:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة "=" والنفس داعية إلى العصيانِ
فاستحيي من نظر الإله وقل لها "=" إن الذي خلق الظلام يراني
أتقن العمل فالناقد بصير
فالإتقان هو طريق الفلاح في الدنيا والآخرة..
فالإتقان في العدل هو أساس البقاء والانتصار (والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)..
ومثله إتقان القول فهو أساس السمو والرقي بأخلاق العبد المؤمن حتى لا يُلقى بقوله في النار سبعين خريفاً.
والعمل بلا إتقان مردود على صاحبه (ارجع فصلِ فأنك لم تصلِ)
والإتقان هو سبب التفوق أيضاً في الدنيا ولو نظرت إلى الوقع لوجدت الأمثلة شاهدة على ذلك..
اسأل نفسك كيف استطاعت اليابان أن تخرج من المحرقة النووية مرة أخرى!
وكيف استطاع اليهود التحكم في كل قرارات العالم بعد أن كانت أمة مشردة!
إنه الإتقان... (عجباً لجلد الكافر.... وضعف المؤمن).
ومن هنا نعلم أن سبب تخلفنا إن صح التعبير في بعض مجالات الحياة هو فقدان روح الإخلاص والإتقان في العمل..
نملك كل ما يملكه أولئك القوم من خيرات وطاقات وقدرات ولكنه التفريط في الإتقان وانتشار الفوضى والتكاسل.. (عجباً لجلد الكافر.... وضعف المؤمن)
ختاماً أوصى نفسي وإخواني بأن نحرص على إتقان العمل وخصوصاً ونحن في شهر الخيرات (رمضان) وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم -: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري،
والله تعالى أعلم..
انا لنفرح بالايام نقطعها وكل يوم مضى يدنى من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهد ا فانما الربح و الخسران فى العمل
دار الوطن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
أما بعد:
فعادات سيئة وأخلاق ذميمة انتشرت بين قطاع عريض من الناس، ولعلَّ من أخطرها عادة أصبحت أساسية في كل مجلس لا يستغني عنها أصحابها – إلا من رحم الله – رغم أنها عادة ذميمة وعمل لئيم، وجريمة أخلاقية منكرة، لا يحسنها إلا الضعفاء والجبناء، ولا يستطيعها إلا الأراذل والتافهون، ولا ينتشر هذا العمل إلا حين يغيب الإيمان، وهي اعتداء صارخ على الأعراض، وظلم فادح وإيذاء ترفضه العقول، وتمجه الطباع وتأباه النفوس الكريمة، وهي كبيرة من كبائر الذنوب، ولقد جاء وصفها في كتاب الله تعالى بأبشع الصفات، قال تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) [الحجرات:12].
ولعظم أمرها فقد جاء الوعيد الشديد في حق مرتكبها، قال صلى الله عليه وسلم: { لما عُرج بي إلى السماء مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم }.
ولعلك أخي القارئ عرفت ما هي هذه العادة الذميمة والعمل اللئيم، إنها الغيبة التي قال عنها ابن حجر الهيثمي: "إن فيها أعظم العذاب وأشد النكال، وقد صح فيها أنها أربى الربا، وأنها لو مزجت في ماء البحر لأنتنته وغيَّرت ريحه، وأن أهلها يأكلون الجيف في النار، وأن لهم رائحة منتنة فيها، وأنهم يعذبون في قبورهم. وبعض هذه كافية في كون الغيبة من الكبائر".
والغيبة بضاعة كاسدة وسلعة رخيصة لا يسعى لها ولا يحافظ عليها إلا ضعاف الإيمان، وهي في الوقت نفسه تجارة خاسرة للمغتاب حيث إنه يخسر كثيراً من حسناته، ويكسب كثيراً من الذنوب والسيئات.
وبعض الناس مع الأسف الشديد لا تراه دائماً إلا منتقداً، وينسى صفات الآخرين الحسنة، ويركز على أخطائهم وعيوبهم فقط، فهو مثل الذباب يترك موضع البرء والسلامة ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج.
والغيبة هي كما بيَّنها رسول الله قال صلى الله عليه وسلم بقوله: { أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هي ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته } [رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي].
وهي حرام لقوله قال صلى الله عليه وسلم: { كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه } [رواه مسلم].
والغيبة تكون في القول، والإشارة والإيماء والغمز واللمز، والكتابة والحركة، وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة. تقول عائشة رضي الله عنها: { دخلت علينا امرأة فلما ولَّت أومأت بيدي أنها قصيرة، فقال رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: "اغتبتيها" }.
بواعث الغيبة
يقول ابن تيمية رحمه الله في بواعث الغيبة:
1- إن الإنسان قد يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم لقطع المجلس واستثقله أهل المجلس.
2- ومنهم من يخرج الغيبة في قالب ديانة وصلاح ويقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة والكذب، وإنما أخبركم بأحواله، والله إنه مسكين، ورجل جيد، ولكن فيه كذا وكذا، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وقصده من ذلك استنقاصه.
3- ومنهم من يخرج الغيبة في قالب سخرية ولعب ليضحك غيره بمحاكاته واستصغاره المستهزأ به.
4- ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تعجب فيقول: تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف فعل كيت وكيت.
5- ومنهم من يخرج الغيبة في قالب الاغتمام، فيقول: مسكين فلان غمَّني ما جرى له وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطوٍ على التشفي به.
6- ومنه من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر وقصده غير ما أظهر.
خطورة الغيبة
إن هذا الأمر على خطورته في الدنيا والآخرة لم يأبه به كثير من الناس، وتهاونوا في أمره تهاوناً عظيماً، بل اعتبروه فاكهة مجالسهم، فإنك لا تكاد تجلس في مجلس إلا وهذا الوباء موجود فيه. وسبب انتشاره هو عدم إدراك خطورته. فانظر – يا رعاك الله– إلى هذه النصوص الكريمة ليتبين لك شناعة الغيبة وخطورتها:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: { قلت: يا رسول الله، حسبك من صفية أنها قصيرة، فقال قال صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت كلمةً لو مُزجت بماء البحر لمزجته" }.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، { أنهم ذكروا عند رسول الله قال صلى الله عليه وسلم رجلاً، فقالوا: لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يُرحل له، فقال النبي قال صلى الله عليه وسلم: "اغتبتموه" فقالوا: يا رسول الله، حدثنا بما فيه، قال: "حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه" }.
وروى أبو هريرة قال صلى الله عليه وسلم { أن رجلاً اعترف بالزنا أمام رسول الله قال صلى الله عليه وسلم أربع مرات، فأقام عليه الحد، فسمع الرسول قال صلى الله عليه وسلم رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم يدع نفسه حتى رُجم رجم الكلب، قال: فسكت رسول الله قال صلى الله عليه وسلم. ثم سار ساعة فمرَّ بجيفة حمار شائل برجله - أي قد انتفخ بطنه - فقال عليه الصلاة والسلام: "أين فلان وفلان؟" فقالا: ها نحن يا رسول الله، فقال لهما: "كُلا من جيفة هذا الحمار" فقالا: يا رسول الله، غفر الله لك، مَنْ يأكل من هذا؟ ! فقال رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: فما نلتما من أخيكما آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة، فوا الذي نفسي بيده، إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها" } [رواه أحمد وصححه الألباني].
وروى أنس رضي الله عنه قال: { كانت العرب يخدم بعضها بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رجل يخدمهما، فاستيقظا مرة ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم نوم بيتكم فأيقظاه، فقالا: ائت رسول الله قال صلى الله عليه وسلم فقل: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك، فذهب وأخبر الرسول قال صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول قال صلى الله عليه وسلم: "قد ائتدما"، فجاء الغلام وأخبرهما، ففزعا وجاءا إلى رسول الله فقالا: يا رسول الله، بعثنا إليك نستأدمك فقلت: قد ائتدمتما، بأي شيء ائتدمنا. قال عليه الصلاة والسلام: "بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين أنيابكما"، قالا: استغفر لنا يا رسول الله، قال: "هو بل يستغفر لكما" }.
فانظر أخي الكريم ما هي الكلمة التي قالاها، كلمة واحدة. قالا: إن هذا ليوائم نوم بيتكم، أي إن هذا النوم يشبه نوم البيت لا نوم السفر، عاتبوه بكثرة النوم فقط فعاتبهما رسول الله.
إن كثيراً من الناس يهولون أمر الربا ويستعظمون أمره - وهو كذلك – ويتساهلون بما هو أعظم منه وهي الغيبة. قال رسول الله: { إن أربى الربا استطالة المسلم عرض أخيه المسلم }.
أخي الكريم: إن الغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه ذلك، سواء ذكرته بنقص في دينه أو في بدنه أو في نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله، حتى في ثوبه ونحو ذلك.
فأما البدن: فكذكر العمش والحول والقصر والسواد، وجميع ما تعلم أنه يكرهه من الصفات إلا أن يكون معروفاً بصفة من هذه الصفات ولا يميز إلا بها وهو لا يكرهها، فلا بأس بذلك.
وأما النسب: فكقولك: أبوه هندي، أو فاسق أو زبال أو أي شيء تعرف أنه يكرهه، أو انتقاصه في حسبه ونسبه.
وأما الخُلُق: فكقولك: هو سيئ الخلق، بخيل متكبر، شديد الغضب، متهور، متسرع وما شابه ذلك.
وأما في أفعاله المتعلقة بالدين: فكقولك: هو كذاب،أو خائن، أو شارب خمر، أو ظالم،أو متهاون بالصلاة، أو لا يحسن الركوع والسجود، أو ليس بارًّا بوالديه، أو لا يحفظ لسانه من الكذب والشتم والسب ونحو ذلك.
وأما فعله المتعلق بالدنيا: فكقولك: إنه قليل الأدب، متهاون بالناس ولا يحترمهم، ولا يرى لأحد على نفسه حقًّا، أو يرى لنفسه الحق على الناس، أو إنه كثير الكلام، وكثير النوم في غير وقت النوم.
وأما في ثوبه: فكقولك: إن ثوبه طويل، أو وسخ الثياب، أو رديء الملابس. وقس على ذلك باقي الأمور الأخرى.
إن بعض الناس قد يغتاب شخصاً فإذا قيل له: اتق الله ولا تتكلم في أعراض المسلمين. أجاب بقوله: أنا مستعد أن أقول ذلك أمامه، أو أن فلاناً لا يغضب مما أقول. فما يدريك يا أخي أنه لا يغضب، فلعله يجامل عندك ولكن في قرارة نفسه يتألم كثيراً من ذلك القول ويكرهه.
أخي الحبيب إن حديثك تنساه بمجرد إطلاق الكلمة وانتهاء المجلس، ولكنه محص عليك، وأنت موقوف يوم القيامة حتى يقتص منك، فيؤخذ لمن اغتبتهم من حسناتك، فإن فنيت حسناتك، أُخذ من سيئاتهم فحطَّت عليك!!. وما أشدها من مصيبة أن تفجع في ذلك اليوم العظيم بمثل هذا وأنت أحوج ما تكون للحسنة الواحدة.
وكما أنك أيضاً لا تقبل أن يكون عرضك حديث المجالس فكذلك الناس لا يقبلون ذلك لأنفسهم، فطهر لسانك وطهر مجلسك من الغيبة، ولا تسمح لأي شخص أن يغتاب أحداً عندك في مجلسك، ولو تكلم أحد فأسكته وبيّن له حرمة ذلك، ودافع عن أعراض إخوانك المسلمين إذا اغتابهم أحد عندك، فإن في ذلك أجرًا عظيماً كما قال قال صلى الله عليه وسلم: { من ردَّ عن عرض أخيه المسلم كان حقّاً على الله عز وجل أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة } [رواه أحمد والترمذي].
واعلم أخي الكريم أن المغتاب لو لم يجد أذناً صاغية لما اغتاب واسترسل في الحديث، فأنت باستماعك الحديث وعدم إنكارك عليه تكون مشجعاً على المعصية، وإذا لم تنكر عليه ولم تترك المجلس إذا لم يرتدع وينتهي عن الغيبة فإنك تكون شريكاً في الإثم.
وأخيراً: فإن الغيبة كما تبين آنفاً أمرها خطير والاحتراز منها صعب جدًّا إلا لمن وفقه الله وأعانه على ذلك، وجاهد نفسه في الاحتراز منها.
لذا فينبغي على المسلم أن يجاهد نفسه على تجنبها والابتعاد عنها، وليحاول أيضاً أن يعفو ويصفح عن كل من اغتابه وتكلم فيه، فإن في ذلك أجراً عظيماً، قال تعالى: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ َلا يُحِب ُّال&