الخشوع.. منزلته، موجباته، آثاره (عبد الحكيم بن محمد بلال)

 

· منزلة الخشوع من الإيمان.

· مكانة الخشوع وفضائله.

· مواطن الخشوع.

· موجبات الخشوع (الطرق الموصلة إليه).

· علامات الخشوع.

· آثار الخشوع.

 

الخشوع: ضراعة القلب، وطمأنينته وسكونه لله (تعالى)، وانـكـسـاره بـيـن يـديــــه، ذلاّ، وافتقاراً، وإيماناً به وبلقائه.

ومـحـــل الخـشـــوع: القلب، وثمرته: تظهر على الجوارح، ولذا قيل: إذا ضرع القلب، خشعت الجوارح، وذلـك لأن القلب مَلِك البدن، وأمير الأعضاء، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده، فيمثل الخشوع إذن: الانقياد التام لأوامر الله ونواهيه، والعكوف على العمل من غير توانٍ ولا فتور.

منزلة الخشوع من الإيمان: الخشوع من الإيمان؛ الــذي هـــــو فـي الـقـلـب، وإنما يزيد الإيمان بحياة القلب، وذلك بالاشتغال بالعلم النافع والعمل الصالح، كما أنــــــه ينقص بمرض القلب، ويذهب بموته، وذلك بالانصراف إلى الشبهات والشهوات، فعلى الـمسلم أن يتعاهد قلبه في جميع أحواله ليدفع عنه القسوة؛ فإنها إذا استبدت به منعته الخشوع.

والله (عـز وجل) يريد من عباده الترقي في سلم الإيمــــان، ودرجات اليقين، ولذا: عاتب المـؤمنين الذين لم يبلغوا قمة الخشوع؛ حيث تدل حركـتهـم البطيئة على ضعف لا يرضاه الله للعصـبة المؤمنة حاملة المنهج الرباني، لتبليغه للناس كافة؛ عاتبهم فقال: ((أََلَمْ يَاًنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَـطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)) [الحديد: 16]، وفي الآية تلويح بما كان عليه أهل الكتاب من قسوة أورثتهم الفسق فـي الأعـمـــال، ومــــن هنا كان التحذير الشـديد من مآلهم، حيث طال عليهم الزمان، واستمرت بهم الغفلة، فاضـمـحــل إيمانهم، وذهب إيقانهم.

ثم قطع الله دابـر الـيــأس، وبَـعَـث الأمل؛ فإن القلب القاسي يمكن عودته إلى الله وإقباله عليه؛ كالأرض يحييها الله بعد موتـهــا، قال (تعالى): ((اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) [ الحديد: 17]، خـاطـبـهـم بكل ذلك؛ ليزدادوا قرباً منه (تعالى)، فتوجل قلوبهم لذكره، وتسكن قلوبهم لأمره؛ ليكونــوا مــــن الـمخبتين، فيتأهلوا لدار كرامته، ويصيروا من أهل النفوس المطمئنة لتُنادى بالنداء الكريم العـظـيم: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبـَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي)) [الفجر: 27 30].

هذا هو خـشوع الإيمان الذي يريده الله من عباده، ليس منه الزعيق والصياح، ولا الرقص والـتـصـفــيق، ولا ضرب الخدود وشق الجيوب. وشتان بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق الذي يبدو عـلـى الجـــــوارح تصنعاً وتكلفاً ومراءاة، مع كون القلب غير خاشع، والنفس منطوية على إرادة الشهوات (1).

وقد رأينا ثمرة هذا الخشوع الإيماني في حياة سيد الخاشعين صلى الله عليه وسلم، الذي كان له في الانكسار لله (تعالى) والذل بين يديه أكمل الأحوال، فقد رؤي يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز الرحى ـ أي الطاحون ـ من البكاء(2)، وربما بكى فبلّ حِجْرَه، ولحيته، والأرض تحته(3)، وكان كثير الذكر والاستغفار والتوبة، وكذا صاحبه الصديق (رضي الله عنه) كان وجلاً رقيقاً، إذا صلى أو قرأ القرآن بكى (4)، وأما الفاروق فيكفيك أنه مرض مرة لسماع القرآن وعاده الناس في مرضه لا يدرون ما به!، وقد أصاب سهمٌ أحدَ الصحابة وهو في صلاته فأزاله ورماه وأتمّ صلاته.

ومن السلف من كان يقوم في الصلاة كأنه عمود تقع الطيور على رأسه من شدة سكونه وإطالته، ولهم في ذلك أحوال يطول منها عجبنا؛ لأننا لا نرى ذلك في واقع حياتنا (5).

مكانة الخشوع وفضائله: والخشوع علم نافع؛ لأن العلم النافع ما أوجب خشية القلوب، لذا: كان يستعيذ من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا تُسمع، فإن القلب الذي لا يخشع: علمه لا ينفع، ودعاؤه لا يسمع.

وهذا العلم النافع هو أول ما يرفع من الأمة، كما في الحديث: (أول ما يرفع من الناس الخشوع) (6)، وبذهاب الخشوع تكون العبادة بغير روح، وهذا أمر يورث الخوف على القلب، وتفقده دائماً.

وفضائل الخشوع كثيرة: فهو يقرب القلب من الله، فيمتلئ نوراً، فينتفع صاحبه بآيات الله الشرعية، والكونية، ويكون له في كل نظرة عِبرة، وعَبْرة. ويقي صاحبه من غوائل العجب والغرور والإدلال والرياء. وبه تُستنزل رحمة الله (تعالى)، وأعظمها: حصول البشرى ((وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ)) [الحج: 34]، وبه ينال الأجر العظيم، فالخشوع طريق الفلاح الموصل إلى الجنة: ((قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)) [المؤمنون: 1، 2]، ثم قال: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [المؤمنون: 10، 11].

مواطن الخشوع (7): وهي كثيرة، ولكنه ارتبط بالصلاة أكثر من غيرها، فلا يُذكر إلا وينصرف الذهن إليها؛ لأن أعمالها تتضمن الذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، والركوع، والسجود، وهي مواطن الخضوع والبكاء والخشية والتخشع.

وقد أمر الله (تعالى) بإقامـة الصلاة، وإقامتها تعني: أداءها كما أمر الله ورسوله، بتوجـــه القـلـب والجـســــد كـلية إلى الله (تعالى)، وبالخشوع فيها يجمع المصلي بين طهارة الظاهر والباطن، ثم إن المـغـفـرة وتكفير السيئات ورفعة الدرجات مرتبة على قدر الإحسان في أداء الصلاة، وقد بلغ من مـنـزلـــة الخشــوع فيها أن الله (سبحانه) جعل الصلاة الخاشعة أول صفات المؤمنين المفلحين الوارثين لـلـفـردوس، حتى اختلف الفقهـاء في الاعتـداد بالصلاة التي لا خشـوع فيها!! وإن كان يسقط أداؤها، لكن الأجر بعيد.

والصلاة مرآة لإيمان المصلي، فخشوعـهــا الـبــاطــــن مرآة القلب، وخشوعها الظاهر مرآة الجوارح، وفي بيان صلة الخشوع بالإيمان قال (تعالـى): ((قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)) [المؤمنون: 1، 2]، وكما أن كل زيادة في الإيمان تزيد في الخشوع، فإن الصلاة من أعظم أعمال الإيمان، وخشوعها يزيد الإيمان.

إن تفاعل المسلم مع صلاته لا ينبغي أن ينفصل عن تفاعله مع بقية إسلامه: علماً، وعبادة، ودعوة، فالذي يعيش الإسلام، ويعيش للإسلام، ويحاول أن يستأنف حياة إسلامية في شخصه ومجتمعه، تنفتح له آفاق من الخشوع عند الصلاة والذكر والتلاوة والتفكر، لا تنفتح لغيره، فيجد لعبادته هذه حلاوة.

موجبات الخشوع (الطرق الموصلة إليه): إن مما يحصّل به المسلم الخشوع:

1- تلقي أوامر الله (تعالى) بالقبول والامتثال، وعدم معارضتها بشهوة أو رأي.

2- الحرص على الإخلاص، وإخفاء الأعمال عن الخلق قدر المستطاع، ومطالعة عيوب النفس ونقائص الأعمال ومفسداتها من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق، والتقصير في إكمال العمل وإتمامه.

3- الإشفاق من رد الأعمال وعدم قبولها.

4- مشاهدة فضل الله وإحسانه، والحياء منه؛ لاطلاعه على تفاصيل ما في القلوب، وتذكر الموقف والمقام بين يديه، والخوف منه، وإظهار الضعف والافتقار إليه والتعلق به دون غيره.

5- طلب هدايته وتوفيقه وتسديده.

6- ومن أعظم الطرق: معرفة الله (جل جلاله) بأسمائه الحسنى وصفاته العلا.. والعلم النافع، وهو: العلم بآيات الله الكونية والشرعية، الذي يربط القلب بالله.

وكذلك الإكثار من ذكر الموت، والجنة والنار، والإكثار من ذكر الله تضرعاً وخِيفة،ودعائه تضرعاً وخُفية، فإن ذلك أعظم إيماناً وأبلغ في الأدب، والتعظيم، والتضرع، والخـشـــوع، والإخلاص، وجمعية القلب على الله (تعالى).

ويمكن تحصيل ذلـك كـلــــه بالإقبال على كتاب الله الكريم، مع تعاهد التلاوة، وإدامة الـنـظـــر، وطــــــول التأمل وكثرة التدبر، الذي يورث الصلة بالله (تعالى)، والمسارعة في الطاعات، واستباق الخيرات، وهو الأمر الذي لأجله أنزل الله القرآن الكريم.

وأمــا الصلاة: فإن تفصيل الطرق الموصلة إلى الخشوع فيها يـطـول، ولـكــن هــذه بـعــض مفاتيحها:

1- العلم بمنزلة الصلاة، والإلمام ببعض أسرارها، وهو الأمر الذي لا يهتم به إلا قليل من الناس.

2- المحافظة على آدابها الظاهرة حال التطهر والاستعداد لها والخروج إليها، والاعتدال والاطمئنان في كل أركان الصلاة وأجزائها، مما يحقق خشوع الظاهر، فيساعد على خشوع الباطن.

3- التحقق بخشوع القلب، وتجريده من الرياء، فإنه لا خشوع بلا إخلاص، ولابد منهما جميعاً، فإن ذهاب أحدهما يتعلق به ذهاب الآخر، قال (تعالى): ((فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ)) [الماعون: 4 6].

أما الوساوس والخطرات فأفضل شيء لها: التخلص من الشواغل قبل الدخول في الصلاة، والتحصن ضدها بعد الدخول في الصلاة، وذلك أمر يحتاج إلى طول المجاهدة وإدامة الصبر حتى يبدأ القلب في الخشوع مرة تليها ثانية، حتى يصير الخشوع صفة من صفات القلب اللازمة له، والله المستعان.

4- تدبر معاني الأقوال، وأسرار الأفعال في الصلاة، وهي مجال خصب وبحر لا ساحل له.

5- النظر في سير الخاشعين أحياءً وأمواتاً.

6- قيام الليل، وهو مدرسة تعلم الخشوع والإخلاص.

علامات الخشوع: وهي أمارات يتعرف بها الإنسان على حال قلبه، ومنها:

ـ حب الصلاة والاشتياق إليها، والمسارعة إليها، وكونها سهلة خفـيـفــة تـشــــرح الصدر ويطمئن لها القلب.

ـ حـضــور القلب عند تلاوة القرآن، والذكر والدعاء، وسماع المواعظ والخطب، وتدبر كل ذلك بيسر وسهولة.

ـ دوام الشكر عند حصول النعم واندفاع النقم، وبقاء القلب على وجل مـــن كــــون ذلك استدراجاً.

ـ دوام الـصـبـر عـنــد وقـوع البلاء وتلقيه بالرضى والاستسلام والطمأنينة.

ـ كثرة التدبر والتأمل والـتـفـكــر فـي مخـلوقـات الله، وفي حال النفس، وأحوال العصاة، والشفقة عليهم، وسؤال الله العافية.

ومما ذكر الله من صفات الخاشعين: الخوف مــن الله بـمـجـــــرد ذكر اسمه، والبكاء من خشيته، وعند سماع كلامه، والصبر، وإقامة الصلاة، والإنفاق، وتـعـظـيــم شـعـــائر الله، واليقين بملاقاة الله (تعالى)، والمسارعة في الخيرات، ودعاء الله رغَباً ورهَباً.

آثار الخشوع: يضفي الخشوع على الأفراد والأمم آثاراً كثيرة، منها:

1- أنه يبعث الحياة في العمل، فيؤتي ثمرته المرجوة وغايته المقصودة.

2- أنه يجعل العبادة محببة للنفس، خفيفة غير ثقيلة.

3- المسارعة إلى الإذعان للحق والدعوة إليه، وبذل غايـــة الـوســـع فـي التعليم والدعوة والتربية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

4- توحيد المشاعر والاتجاهات والمقاصد نـحـــــو الله (تعالـى) لا شريك له، فيتوجه العمل والنشاط والعبادة نحو غاية واحدة، فيحصل من ذلك:

ـ إحياء الأمـة وقوتها وانتصارها، بصلاة الخاشعـيـن ودعائهم وإخلاصهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

وقد لمسنا آثار الخشوع في حياة سلف هذه الأمة الذين قاموا بـأمـــر الله خير قيام، وحملوا لواء العلم والعبادة والدعوة، وما كان ليحصل ذلك لولا ما تحمله قـلـوبـهــم من تعظيم الله ومحبته وخشيته.

وإذا لم يكن الخشوع صفة الدعاة وحالهم، فإن الخطْب جلل، والمصيبة عظيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

نسألك يا مقلب القلوب أن تُلزم قلوبنا خشيتك، وأن تعمرها بتعظيمك، وتملأها بالذل لك.

1) انظر: الروح، لابن القيم، ص 520، 521.

2) سنن أبي داود، ح/904، وانظر صحيح سنن أبي داود، ح/799.

3) أخرجه ابن حبان، ح/620، وصحح محققه إسناده.

4) صحيح مسلم، ح/418.

5) انظر رسالة قيمة لعبد الملك القاسم بعنوان (والثمن الجـنـــــة)، فقد ملأها من مثل تلك المواقف.

6) أخرجه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ح/2576.

7) كُتب كثيراً عـن الخشوع في الصلاة، ومـمــا اسـتـفـــدت منـه استفادة كبيرة: رسالة د. محمد عـز الدين توفيق (الخشوع في الصلاة)، فما رأيت أنفع منها.

*)من مراجع هذا الموضوع المهمة أيضاً:

ـ مدارج السالكين، لابن القيم، الجزء الأول.

ـ مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة.

ـ الخشوع وأثره في بناء الأمة، سليم الهلالي.


إلى المحرومين

إلى المحرومين من لذة الدمعة والبكاء خشية وخوفا من الله ..

إلى المحرومين من لذة السجود ومناجاة علام الغيوب ..

إلى المحرومين من لذة قراءة القرآن وتدبر آياته وتذوق معانيه ..

إلى المحرومين من لذة الأخوة والحب في الله ..

إلى المحرومين من بركة الرزق وأكل اللقمة الحلال ..

إلى المحرومين من بركة العمر وضياعه في الشهوات واللذات ..

إلى المحرومين من انشراح الصدر وطمأنينته وسعادته ..

إلى المحرومين من بر الوالدين والأنس بهما ..

إلى المحرومين من الاستقامة والطاعة والالتزام ..

قال الحق عز وجل : " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " هذا في الدنيا .. أما في الآخرة " ونحشره يوم القيامة أعمى * قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى "

مساكين الذين ظنوا الحياة كأسا ونغمة ووترا .. مساكين الذين جعلوا وقتهم لهوا ولعبا وغرورا .. مساكين الذين حسبوا السعادة أكلا وشربا ولذة ..

ليل المحرومين غناء وبكاء .. وليل الصالحين بكاء ودعاء .. ليل المحرومين مجون وخنوع .. وليل الصالحين ذكر ودموع ..

فيا أيها المحرومون :

لماذا هذا الإعراض العجيب ؟ أين النفس اللوامــة ؟ أين استشعار الذنـب ؟ أين فطرة الخيــر ؟ أين القلب اللين الرقيــق ؟ أين الدمعة الحــارة ؟

إنكم حرمتم أنفسكم فحُرمتم السعادة والراحة والاستقرار النفسي .. يقسم بعض التائبين أنه ما ركع لله ركعة وما سجد لله سجدة !! فأي حرمان بعد هذا الحرمان ؟! أي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت صلته بالله ؟!

إن ركعتين بوضوء وخشوع وخضوع كفيلتان أن تنهي كل هم وغم وكدر وإحباط ..

إن من أسباب سعادة المؤمنين ما أخبر الله عنه بقوله : " ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا " وقوله : " أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه "

من أجمل لحظات الدنيا وأسعدها يوم أن يسجد العبد لمولاه .. يدعوه ويناديه .. يخافه ويخشاه .. فيتنور القلب وينشرح الصدر ويشرق الوجه ..

مسكين أنت أيها المحروم يوم أن قطعت الصلة بينك وبين الله .. إنها مفتاح الكنز الذي يفيض سعادة وطمأنينة ..

إنها اللمسة الحانية للقلب المُتعب المكدود .. إنها زاد الطريق ومدد الروح وجلاء القلوب .. أيها المحروم .. حرمت نفسك أجمل لحظات الدنيا وهي لحظات السجود وتمريغ الجبين للرب المعبود ...

حرمت نفسك أعظم اللذات : لذة المناجاة .. ولذة التذلل والخضوع .. إنك تملك أغلى شيئ في هذا الوجود .. تملك كنزا من كنوز الدنيا :

الصلوات الخمس

الثلث الأخير من الليل

ساعات الاستجابة

اسأل المصلين الصادقين ماذا وجدوا ؟ سيجيبون بنفوس مطمئنة .. وبنفوس راضية .. سيقولون : " أكثر الناس هموما وغموما وكدرا .. المتهاونون المضيعون للصلاة "

من المحرومين أيضا من حُرم ذكر الله .. تهليلا وتسبيحا وتحميدا وتكبيرا !!! فلسانه يابسا من ذكر الله .. ولكنه رطب ببذيء الكلام والسباب واللعان !! وإذا أردت أن تعرف شدة الحرمان والخسارة للغافل عن ذكر الله فاسمع لهذا الحديث والربح العظيم فيه :

عن سعد أبن أبي وقاص رضي الله عنه قال : كنا عند رسول الله " صلى الله عليه وسلم " فقال : " أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة ؟ فسأله سائل من جلساءه : كيف يكسب ألف حسنة ؟ فقال " صلى الله عليه وسلم " : يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة " .. - صحيح مسلم -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"  رواه البخاري -

أسألك بالله .. أليس محروما من ترك مثل هذه الأذكار ؟!! فمن منا لا يرغب أن تُغفر خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ؟!! ومن منا لا يرغب أن يكسب ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة ؟!!! إنها كلمات قصيرة في أوقات يسيرة مقابل فضائل كثيرة .. وهي سلاح للمؤمن وهي اطمئنان للقلب وانشراح للصدر كما قال عز وجل : " ألا بذكر الله تطمئن القلوب "

ولكن سبق المفردون .. وتأخّر وخسر المحرومون .. والمفردون هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات كما أخبر بذلك " صلى الله عليه وسلم " .. ومن المحرومين من حُرم بر الوالدين والأنس بهما .. والجلوس معهما وقضاء حوائجهما ..

حُرم المسكين من فضل عبادة قـرنت بتوحيد الله عز وجل .. فقد ثنى بهما فقال : " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا .. وبالوالدين إحسانا " واسمع يا من حُرمت برّهما قال " صلى الله عليه وسلم " : " الوالد أوسط أبواب الجنة .. فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه " - رواه الترمذي -

ويروى عن عبد الله ابن المبارك أنه بكى لما ماتت أمه فقيل له .. فقال : " إني لأعلم أن الموت حق .. ولكن كان لي بابان للجنة مفتوحان فأغلق أحدهما " والنبي " صلى الله عليه وسلم " يقول : " رغم أنف .. ثم رغم أنف .. ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أوكلاهما فلم يدخل الجنة " - رواه مسلم -

إن قصص العقوق التي نسمعها لينفطر لها الفؤاد أسى .. وتذوب لها النفس حسرة .. أيها المحروم برهما إن العقوق من الكبائر .. بل لا يدخل الجنة عاق .. ويُحرم التوفيق في الدنيا .. وربما عُجّلت له العقوبة .. وربما ابتلي

بأولاده فالجزاء من جنس العمل .. أبو هريرة كان لا يخرج ولا يدخل حتى يسلم على أمه وكان يحملها وينزلها فقد كانت كبيرة مكفوفة .. وابن الحنفية يغسل رأس أمه ويمشطها ويقبلها ويخدمها .. وقيل لعلي بن الحسين بن علي .. وهو من هو في علو الشرف : أنت من أبر الناس .. ولا نراك تؤاكل أمك ؟ فقال : أخاف أن تسبق يدي إلى ماقد سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها..

وكان حيوه بن شريح وهو أحد أئمة المسلمين يقعد في حلقته يُعلم الناس .. فتقول له أمه : قم يا حيوه فألق الشعير للدجاج فيقوم ويترك التعليم .. وطلبت أم مسعر من ابنها ماء في ليلة .. فجاء به إليها فوجدها نائمة فوقف على رأسها حتى الصباح .. وسأل عمر ابن ذر عن بر ولده به فقال : " ما مشيت معه نهارا قط إلا كان خلفي .. ولا ليلا قط إلا كان أمامي .. ولا رقى على سطح وأنا تحته " ..

اللهم إنا نسألك البر بآبائنا وأمهاتنا ونسألك اللهم أن تتجاوز عن تقصيرنا في حقهما إنك جواد كريم ..

فيا أيها المحروم : " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا .. وبالإسلام دينا .. وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا"

اسمع إلى ملك الملوك وهو يناديك .. اسمع إلى جبار الأرض والسماوات وهو يخاطبك أنت .. وأنت من أنت ؟!! اسمع للغفور الودود .. الرحمن الرحيم وهو يقول : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله .. إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم "

ويقول سبحانه في الحديث القدسي : " يا عبادي إنكم تذنبون في الليلِ والنهار .. وأنا أغفر الذنوب جميعا .. فاستغفروني أغفر لكم "

فما هو عذرك وأنت تسمع هذه النداءات من رب الأرض والسماوات !! إن أسعد لحظات الدنيا يوم أن تقف خاضعا ذليلا خائفا باكيا مستغفرا .. تائبــاً .. ذاقوا حلاوة الإيمان بعد مرارة الحرمان .. ووجدوا برد اليقين بعد نار الحيرة .. وعاشوا حياة الأمن بعد مسيرة القلق والاضطراب .. فلماذا تحرم نفسك هذا الخير وهذه اللذة والسعادة ؟ فإن أذنبت فتب .. وإن أسأت فاستغفر .. وإن أخطأت فأصلح .. فالرحمة واسعة والباب مفتوح .. قال ابن القيم في الفوائد : " ويحك لا تحقر نفسك .. فالتائب حبيب .. والمنكسر صحيح .. إقرارك بالإفلاس عين الغِنى .. تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة .. اعترافك بالخطأ نفس الإصابة " المهم أن يكون عندك العزم والهم الصادق .. " اخرج بالعزم من هذا الفناء الضيق المحشو بالآفات إلى ذلك الفناء الرحب الذي فيه ما لا عين رأت فهناك لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب "

إخواني ..

ماذا قدّمنا ؟!!! .. والله يقول : " وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه " إن أول العلاج التفكير الجاد بطريق الاستقامة والالتزام .. فكن صاحب هدف وكن صاحب مبدأ لتشعر بقيمة الحياة .. واجعل همك دائما رضى الله وحده لا رضى غيره .. وطاعة الله لا طاعة غيره .. ادعو الله بصدق وبإلحاح أن يرزقك طريق الإستقامة .. وردد دائما : " اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "

واعلم أنه قبل مرحلة الهداية لا بد من مرحلة المجاهدة وحبس النفس عن شهواتها تذكر حلاوة الصلة بينك وبين الله يهن عليك مرّ المجاهدة .. واعلم أن شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشرق .. فاطلب الهداية من الله بصدق .. واحرص على فعل أسبابها لعلك أن تشعر بالسعادة والراحة في الدنيا والآخرة ..

أختي الحبيبة .. أخي الغالي ..

قف مع نفسك لحظات بعيدا عن الدنيا بذهبها ومناصبها وقصورها .. اجلس مع نفسك بعيدا عن الأصحاب والأولاد .. اخلو بنفسك وأسألها : لماذا أعيش ؟ وماذا أريد ؟ وما هي النهاية ؟ إن نفسك غالية .. وربما اليوم أو غد أو بعد غد قالوا مات فلان والموت حق .. ولكن شتان بين من مات على صلاحٍ وهداية .. وبين من مات على فسق وغواية .. فإياك والغفلة وطول الأمل والاغترار بالصحة ..

نامت عيون الآمنين عن الرّدى     وعيونه من حرصه تتوقـّـد

فاستأمنوا مكر الإله وإنـــه     مكر يُسَلّ على الدوام ويُغمـد

حتى إذا هتف الهلاك تنبّهـت     نفس الضعيف وهالها ما توعد

يا ويحهم إن الهوى يلهو بهـم     والموت في كنف الهوى يتوعّد


الدعوة واستخدام التقنيات الحديثة

 

لا يشك أحد أن التقنيات الحديثة اليوم بلغت درجة كبيرة من التقدم، وهي تستخدم لأغراض متعددة سواء كانت تلك الأغراض مشروعة أو ممنوعة، وصار الكل يتفنن في عرض ما لديه سعياً للتأثير في الآخرين، ومن المجالات الطيبة التي استخدمت فيها تلك التقنيات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، بهدف تذكير المؤمنين بدينهم، ودعوة غيرهم إلى الإيمان بالله – عز وجل- المعبود بحق، اتباعا لأمره سبحانه: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } (النحل:125)، وقوله سبحانه: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } (فصلت:33).

أنواع التقنيات الحديثة التي يمكن استخدامها في الدعوة

التقنيات التي يمكن استخدامها في الدعوة إلى الله كثيرة ومتعددة، وينبغي عدم الاقتصار على بعضها دون الآخر، وذلك بهدف تعميم الدعوة عن طريق كل الوسائل المتاحة، حتى ينتشر الخير وتعم الفائدة، ومن تلك التقنيات الحديثة:

1-             الهاتف والجوال

2-             الإنترنت

3-             الإذاعة والتلفاز

4-             القنوات الفضائية

5-             الصحف والمجلات

6-             لوحات الإعلانات الالكترونية بالأماكن العامة وغيرها.

أهمية استخدام التقنيات في الدعوة

لا يخفى أهمية هذه التقنيات، حيث إنها انتشرت انتشاراً واسعاً فقربت المسافات، ووفرت الكثير من الجهود، وصار الداعية من خلالها يستطيع الوصول إلى شريحة كبيرة من المدعوين، وأنها تنقل الدعوة بطريقة جديدة وشيقة وممتعة، وأن استخدام تلك التقنيات في الدعوة بديل عن الاستخدامات الأخرى قليلة النفع.

   وممارسة الدعوة إلى الله تعالى من خلال التقنيات الحديثة والإنترنت خاصة لا تحتاج لشهادات أو دورات معقدة، فلقد تعلم الكثيرون من الدعاة أصحاب الشهادات الشرعية الكثير من وسائل وأساليب استغلال هذه الشبكة في الدعوة إلى الله في أيام قليلة، واهتدى على أيديهم خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، فخصوصية التعامل مع الشبكة في أناس متخصصين قد اضمحلت لما تتمتع به هذه الشبكة من المرونة في التعامل معها لدى جميع شرائح المثقفين.

فالإنترنت مثلاً في أحيان كثيرة ليست وسيلة احتكاك مباشر بالن