هاشم محمدعلي المشهداني
ملخص الخطبة
1- معنى المنافسة والمسابقة.
2- النصوص تأر بالمنافسة على الخيرات.
3- التنافس قبل ظهور العوائق.
4- الآخرة درجات.
5- أنواع التنافس وصوره.
الخطبة الأولى:
قال تعالى: إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون [المطففين:22].
بيان وتشويق، بيان لحال أهل الجنة، وقد بدى النعيم فيهم وفيما حولهم وفي الوجوه، شرابهم ليس ككل شراب مختوم بالمسك بدل الطيب وقيل في نهايته يجد الشارب رائحة المسك عند الانتهاء منه وتشويق إلى المبادرة والإسراع لنيل ذلك المقام.
فما التنافس؟ ولماذا؟ وما أنواعه؟ وما السبيل إليه؟
أما التنافس: فهو التسابق والتغالب وأصله من المنافسة وهي مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم كما قال الراغب.
والله تعالى يدعونا إلى الإسراع إلى كل خير، قال تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين [آل عمران:133]. وقال: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض [الحديد:21]. وقدم المغفرة على الجنة لأن المغفرة سلامة والجنة غنيمة، والسلامة قبل الغنيمة تطلب.
والصادق في خوفه وإقباله، علامة صدقة الإسراع للحديث: ((من خاف أدلج (أي بكر بالطاعة) ومن أدلج بلغ المنزل (الغاية) ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة))([1]).
وقد سأل رجل أحد الصالحين عن الحديث: ((من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)) فقال الرجل الصالح: (نعم ولكن للمفتاح أسنان وأسنان مفتاح الجنة هي أوامر الله تعالى فإذا جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك).
والخاسر من كان يومه كأمسه ليس فيه زيادة عمل صالح للأثر: (من استوى يوماه فهو مغبون)([2]). فكيف بمن كان في هبوط دائم؟
وأما لماذا التنافس؟: فلابد من التنافس: في مبادرة الأعمال الصالحة:
قبل ظهور العوائق للحديث: ((بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر))([3])،
وفي العبادة كالحج للحديث: ((تعجلوا الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له))([4])، وفي الصدقة للحديث: ((إن رسول الله صلى العصر فلما سلم قام سريعا فدخل على بعض نسائه ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته فقال: ذكرت وأنا في الصلاة تبراً (ذهبا) عندنا فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمته))([5]).
لأن مقامات الناس في الجنة على قدر أعمالهم للحديث: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف فوقهم كما تتراءون الكوكب الغائر في الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال بلى: والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين))([6]).
وللحديث: ((إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما يرون النجم الطالع))([7])، حتى يختلفون في إشراقة وجوههم للحديث: (( أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءه))([8]).
وأصحاب العافية من أهل الجنة في درجات دنيا ويتمنون بلوغ ما بلغه إخوانهم من أهل البلاء لعلو درجاتهم للحديث: ((إن أهل النعيم (من أهل الجنة) في الآخرة يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا فتقرض جلودهم بالمقاريض لما يرون من درجة أهل البلاء))([9]).
وأما أنواع التنافس:
التنافس في مرضاته:
في طلب الشهادة في سبيله: جاء جماعة من الأصحاب إلى رسول الله وطلبوا منه ما يحملهم عليه للغزو فقال لهم:
((والله لا أجد ما أحملكم عليه))، فتولوا وهم يبكون وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا فأنزل الله عذرهم في كتابه فقال: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون [التوبة:90].
أو في إظهار الرضا بقضائه سبحانه: أغارت الروم على جواميس لبشير الطبري وعنده أربعمائة جاموس فركب هو وابن له فلقيا العبيد الذين يعملون عنده مقبلين يقولون: يا مولانا ذهبت الجواميس، استلبها الروم. فقال بشير الطبري: وأنتم أيضا اذهبوا معها فأنتم أحرار لوجه الله تعالى فقال ابنه: أفقرتنا فقال بشير: اسكت إن ربي اختبرني فأردت أن أزيده([10]).
التنافس في الطاعات:
والعبد إذا مات أيقن أن كل مظهر أو زينة كان يحياها تافهة وليس له من مؤنس إلا عمله الصالح للحديث: ((إذا مات العبد تبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله))([11]). وسئل أحد الصالحين عن سبب صلاحه قال: (رأيت لكل إنسان محبوب ولكن هذا المحبوب لا يدخل معه في قبره وإنما يدعه ويذهب فجعلت محبوبي الحسنات فهي معي لا تفارقني).
ومن الطاعات:
التنفل بكثرة السجود للحديث:
((سأل رجل رسول الله مرافقته في الجنة فقال له: أعني على نفسك بكثرة السجود))([12]) وقول رسول الله لبلال: ((يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام إني سمعت دف (أي صوت) نعليك بين يدي في الجنة (أي أمامي)
فقال بلال: ما أذنت قط إلا وصليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين فقال رسول الله : فبذلك))([13])، قال ابن القيم: تقدم بلال بين يدي رسول الله في الجنة فلأن بلال كان يدعو بالأذان فيتقدم أذانه بين يدي رسول الله فتقدم دخوله كالحاجب والخادم.
ومن الطاعات قضاء حوائج المسلمين وتفقد أحوالهم، كان عمر يتفقد عجوزا كبيرة عمياء في حواشي المدينة (أطرافها) من الليل فيستقي لها ويقوم بأمرها ويخرج عنها الأذى وكان إذا جاءها وجد غيره سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة فلا يسبق إليها فرصده عمر فإذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنهما الذي يأتيها وهو خليفة([14]).
ومن الطاعات ذكر الله تعالى: ((قال الفقراء لرسول الله ذهب أهل الدثور (الأموال) بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم فقال ، أوليس قد جعل لكم ما تتصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة وتحميدة صدقة وتهليلة صدقة وتكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويضع أحدكم اللقمة في أهله فهي له صدقة))([15]) وفي رواية أبي ذر: ((أفلا أدلك على عمل إذا أنت عملته أدركت من قبلك وفقت من بعدك إلا من قال مثل قولك؟ تسبح الله بعد كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمده ثلاثا وثلاثين وتكبر أربعا وثلاثين)).
وما السبيل إلى التنافس؟:
أن نعظم أمر الآخرة: وتلك سمة الأنبياء، قال تعالى: إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار [ص:46]. وثمرة ذلك انشغالك بربك وما يرضيه يقول أحد السلف: (من كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه، ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو غدا مشغول بربه).
العناية بآخرتنا فكل طاعة إنما هي إعمار لها، فلا تنشغل بتنافس أهل الدنيا يقول أحد السلف: (إذا رأيت من ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة)، ودع عنك موازين الناس لبعضهم وقل :
فليت الـذي بيني وبينك عـامر
وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود يا غاية المنى
فكل الذي فوق التراب تراب
--------------------------------------------------------------------------------
([1])الترمذي .
([2])إحياء علوم الدين وقال رواه البيهقي عن عمر بن عبد العزيز .
([3])الترمذي وقال حديث حسن .
([4])أحمد والبيهقي .
([5])البخاري .
([6])البخاري ومسلم .
([7])أحمد .
([8])البخاري ومسلم .
([9])الترمذي .
([10])صفة الصفوة لابن الجوزي .
([11])البخاري ومسلم .
([12])مسلم .
([13])البخاري ومسلم .
([14])حياة الصحابة .
([15])البخاري ومسلم .
منقول ومنتقى اختكم في الله هبة...
http://www.alwhyyn.net/vb/showthread.php?s=&postid=8519#post8519
ليس البديع في يد الفنان حلية تقتسر، ولا زينة يستغنى الكلام عنها، ولا زخرفة يأتي دورها، بعد أن يكون المعنى قد استوفى تمامه.
ولا يجئ مكانه في المرتبة الثالثة، بعد استيفاء علمى المعاني والبيان حقهما، فإن الإنتاج الأدبي يبرز إلى الوجود في نظمه الخاص، وبه الصور البيانية ، والمحسنات البديعية دفعة واحدة، فكأنما هذا المحسن البديعى جاء في مكانه ليقوم بنصيبه من أداء المعنى أولا، أما ماجاء فيه من جمال لفظي فقد جاء من أن تلك الكلمة بالذات يتطلبها المعنى ويقتضى المجيء بها.
وليس كل ماذكره علماء البديع بألوان جمال تستحق أن تذكر بين المحسنات وذلك يتطلب معاودة النظر في دراسة هذه الألوان لاستيفاء الجميل وحذف مالا غناء فيه..
· أما ما ورد في القرآن مما نعده محسنات بديعية فقد وردت الألفاظ التي كان بها الحسن البديعى في مكانها، يتطلبها المعنى ولا يغنى غيرها غناءها ،
· خذ ماورد في القران الكريم من الجناس التام كقوله تعالى{ يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار* يقلب الله الليل والنهار* أن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار}
· تجد كلمة الأبصار الأولى مستقرة في مكانها فهي جمع بصر، ويراد به نور العين الذي تمّيز بين الأشياء ،
· وكلمة الأبصار الثانية جمع بصر بمعنى العين،
· ولكن كلمة الأبصار هنا أدل على المعنى المراد من كلمة العيون، لما أنها تدل على ما منحته العين من وظيفة الإبصار، وهي التي بها العظة والاعتبار، فأنت ذا ترى أن أداء المعنى كاملا تطلب إيراد هذه الكلمة ، حتى إذا وردت رأينا هذا التناسق اللفظي.
واقرا قوله تعالى{ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} فكلمة (الساعة) الأولى جيء بها دالةعلى يوم القيامة، واختير لذلك اليوم هذا الاسم هنا للدلالة على معنى المفاجأة والسرعة ، وكلمة( ساعة) الثانية تعبر أدق تعبير عن شعور هؤلاء المجرمين فهم لا يحسون انهم قضوا في حياتهم الدنيا برهة قصيرة الأمد جدا حتى يعبروا عنها ببرهة أو دقيقة مثلا، ولا بفترة طويلة يعبرون عنها بيوم مثل، ا فكانت كلمة( ساعة) خير معبر عن شعورهم بهذا الوقت الوجيز.
· وما ورد في القرآن من جناس ناقص، فسبيله سبيل التام، وانظر إلى قوله تعالى{ وهم ينهون عنه وينأون عنه، وان يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} ألا ترى أن موقف الكفار من القرآن أنهم يبعدون الناس عنه، كما يبعدون أنفسهم عنه فعبّر القرآن عن ذلك بكلمتين متقاربتين ليشعر قربهما بقرب معنييهما.. ويطول القول إذا مضينا في بيان كيف حلت كل كلمة في جمل الجناس محلها بحيث لا تغنى كلمة اخرى في هذا الموضع غناءها، ولابد أن أشير إلى تلك الآيات التي ورد فيها بعض ألوان من الجناس مثل قوله تعالى{ فأما اليتيم فلا تقهر و أّما السائل فلا تنهر}
· وقوله تعالى{ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }
· وقوله{ والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق}
· وقوله سبحانه{ ولقد أرسلنا فيهم مُنِذِرين فانظر كيف كان عاقبة المُنذَرين}. فأنت ترى النهى عن القهر جاء إلى جانب اليتيم، بمعنى الغلبة عليه والاستيلاء على ماله و أما السائل فقد نهى عن نهره وإذلاله فكلا الكلمتين جاء في موضعه الدقيق، كما وردت كلمتا( ناظرة وناضرة ) أي مشرقة وإشراقها من نظرها الى ربها، وقد توازنت الكلمتان في جملتيهما لما بينهما من صلة السبب بالسبب واختيار كلمة( المساق) في الآية الثانية لتصور هذه الرحلة التي ينتقل فيها المرء من الدنيا إلى الآخرة فكأنه سوق مسافر ينتهي به السفر إلى الله.
· وفي كلمة( مُنذِرين) ما يشير إلى الربط بينهم وبين( المُنذَرين) الذين أرسلوا إليهم،..
· وقل مثل ذلك في قوله تعالى{ ويل لكل همزة لمزة} فان شدة التشابه بين الكلمتين يوحي بالقرابة بينهما مما يجعل إحداهما مؤكدة للأخرى، فلهمزة المغتاب واللمزة العيّاب، فالصلة بينهما وثقى كالصلة بين الفرح والمرح في قوله تعالى{ ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} وإيثار كلمة النبأ في قوله سبحانه{ وجئتك من سبأ بنبأ يقين} لما فيها من معنى القوة ، لأن هذه المادة تدل على الارتفاع والنتوء والبروز والظهور، فناسب مجيئها هنا ووصف النبأ تأكيدا لقوته باليقين.
· ويعدون من أنواع البديع المشاكلة ويعنون بها ذكر الشي بغير لفظه لوقوعه في صحبته ويمثلون لذلك بقوله تعالى{ وجزاء سيئة سيئة مثلها} قالوا فالجزاء عن السيئة في حقيقة غير سيئة والأصل وجزاء سيئة عقوبة مثلها،
وقوله تعالى{ ومكروا ومكرالله ، والله خير الماكرين} والأصل أخذهم بمكرهم.
· وبقوله تعالى{ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدا عليكم }قالوا والمراد فعاقبوه فعدل عن هذا لأجل المشاكلة اللفظية ولكنني أرى القرآن اجل من أن يسمى الشيء بغير اسمه لمجرد وقوعه في صحبته بل أرى هذا التعبير يحمل معنى، وجئ به ليوحي إلى القارئ بما لا يستطيع أن يوحي به، ولا أن يدل عليه ما قالوا انه الاصل المعدول عنه، فتسمية جزاء السيئة سيئة ،لأن العمل نفسه سوء، وهو يوحي بان مقابلة الشر بالشر، وان كانت مباحة ، سيئة يجدر بالإنسان الكامل أن يترفع عنها وكأنه بذلك يشير إلى أن العفو افضل وأولى، وعلى هذا النسق تماما ورد قوله{ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}.
· و أما مكر الله فان يفعل الماكر، يمدهم في طغيانهم يعمهون ثم يأخذهم اخذ عزيز مقتدر..
· وعدّوا من ألوان البديع الاستثناء ،ومثلوا له بقوله تعالى ، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} وفي هذا التعبير فضلا عن إيجازه ، إيحاء بطول المدة وتهويل للأمر على السامعين، وفي ذلك تمهيد العذر لنوح في الدعاء على قومه وذلك لأن أول ما يطرق السمع ذكر( الألف) فتشعر بطول مدته ونتصور جهاد نوح في ذلك الزمن المديد ولن يقلل الاستثناء من شان هذا التصور ولا يتحقق هذا الإحساس إذا بدأت بغير الألف..
· ومنها اللف والنشر بذكر شيئين أو اكثر، ثم ذكر ما يقابلها، وفيه جمع للمتناسبات من غير فاصل بينها.
· خذ قوله تعالى{ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} ألا ترى بين الليل والنهار مناسبة تجمع بينهما ثم يثير هذا تطلعا إلى معرفة السبب في انهما من رحمته وفي ذلك عنصر التشويق وفي تقديم السكون على ابتغاء الفضل تقديم الاستعداد للجهاد في الحياة على الجهاد ، وتأمل كذلك ما يثيره الإجمال من التشويق في قوله تعالى{ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأما الذين اسودت وجوههم اكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون و أما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} وفي الإجمال الأول إعطاء صورة سريعة لهذا اليوم، ثم يعود بعدئذ إلى إكمال الصورة في تفصيل وإيضاح، وربما يكون قد بدا عندما فصل يذكر من اسودت وجوههم، ليكون الحديث منهيا بذكر طريقة الخلاص من عذاب ذلك اليوم.
· ومن اللف والنشر قوله تعالى{ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} والسر في الجمع أولا ذكر المنهي عنه جملة واحدة ، ثم العود بعد ذلك لبيان سر هذا النهى .
· وما ورد في القرآن من طباق بالجمع بين المتضادين كانت الكلمة فيه مستقرة في مكانها تمام الاستقرار سواء كان التضاد لفظا أو معنى ، حقيقة أو مجازا، إيجابا او سلبا، كقوله تعالى{ وما يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور} فأنت تراه يعقد الموازنة بين هذين الضدين ، ولا مفر من الجمع بينهما في الجملة لعقد هذه الموازنة التي تبين عدم استوائهما وكقوله تعالى{ وانه هو اضحك و أبكى وأنه هو أمات وأحيا} وقوله سبحانه وتحسبهم أيقاظا وهم رقود}
· ومن الطباق السلبى قوله تعالى{ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}
· وقوله فلا تخشوا الناس واخشون}
· ومن الطباق المعنوى قوله تعالى{ أن انتم الإ تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون } أي إنا لصادقون فان الرسول يجب أن يكون صادقا..
· ومما يرتبط بالطباق المقابلة بان يؤتى بمعينين أو اكثر ثم بما يقابل ذلك على الترتيب فمن الجمع بين الاثنين قوله تعالى{ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} وبين الثلاثة قولة سبحانه{ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} وبين الأربعة قوله تعالى{ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى و أما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} وهذه المقابلة بين المعاني تزيدها في الفكر وضوحا، وفي النفس رسوخا....
· ومن ذلك ترى أن ما ورد في القران من طباق ومقابلة لم يجئ اعتسافا و إنما جاء المعنى مصورا في هذا الألفاظ التي أدت المعنى خيرا أداء ، وأوفاه وكان منها هذا الطباق والمقابلة
· ومن ألوان البديع العكس بان يقدم في الكلام جزء، ويؤخر آخر ثم يقدم المؤخر ويؤخر المقدم، وجمال العكس في انه يربط بين أمرين ويعقد بينهما أوثق الصلات أو اشد ألوان النفور، تجد ذلك في قوله سبحانه{ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} وقوله تعالى{ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} وقوله تعالى{ هن لباس لكم وانتم لباس لهن} وقوله تعالى{ لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن} وقوله تعالى {ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ}
· ومن اجمل أنواعه ائتلاف المعنى بذكر الأمور المتناسبة بعضها إلى جانب بعض كقوله سبحانه {قال إنما اشكوا بثي وحزني إلى الله } وقد يخفى في بعض الأحيان وجه الجمع بين المعينين، كما في قوله سبحانه {أن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وانك لا تظمأ فيها ولا تضحى} فقد يبدو أن الوجه الجمع بين الجوع والظمأ والعرى والضحاء ولكن التأمل الهادئ يدل على أن الجوع والعرى يسبيان الشعور بالبرد فجمعا معا والظمأ والضحاء يسبيان الشعور بالحر، إذ الأول يبعث التهاب الجوف ، والثاني يلهب الجلد، فناسب ذلك الجمع بينهما
· و ألوان البديع في القران كثير فقد أفراد ابن أبى الإصبع لذلك كتابا عدد فيه هذه الألوان ومثل لها وذكر من ذلك اكثر من مائة نوع ...
· من كتاب من بلاغة القرآن
(منقول من منتدى لمسات بيانية/ منتدى الوحيين)
من الاعجاز البياني في القرآن الكريم
ركزت الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في تفسيرها البياني على الجانب الدلالي لألفاظ القرآن فيما اسمته بالإعجاز البياني للقرآن، والذي يركز على بيان وجه الإعجاز القرآني في اختيار اللفظ دون غيره من المترادفات الأخرى، في التعبير عن معنى محدد، فعلى سبيل المثال، إذا نظرنا إلى الكلمتين المترادفتين:
رؤيا، وحلم،
نجد أن القرآن الكريم جاء بكل واحدة منهما لتعبر عن معنى معين، فتوضح الدكتورة بنت
الشاطئ أن استخدام كلمة الرؤيا قد جاء في سياق معين، بحيث لا يمكن أن تحل محلها
كلمة الأحلام، فقد تبين من السياق القرآني أن كلمة رؤيا ترتبط بالتصديق، وتتسم
بالوضوح، مثلما جاء في قوله تعالى«إذ قال يوسف لأبيه يا أبتي
إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. قال يا بني لا تقصص رؤياك
على اخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين» يوسف: 4-5. وكذلك
الأمر في رؤيا ملك مصر «وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان
يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن
كنتم للرؤيا تعبرون» يوسف: 43.
أما كلمة الحلم فتأتي في صيغة الجمع وتدل على التداخل وعدم الوضوح، تبين ذلك في رد
الملأ على طلب ملك مصر بتفسير رؤياه: «قالوا أضغاث أحلام وما
نحن بتأويل الأحلام بعالمين» يوسف: 44.
ونتوقف عند نموذج آخر من هذا الإعجاز البياني، من خلال تأمل استعمال القرآن الكريم
لكلمتي:
امرأة، وزوج ( زوجة).
وتوضح أن تدبر سياق استعمال القرآن للكلمتين، يشير إلى أن كلمة زوج تأتي حيث تكون
الزوجية هي مناط الموقف: حكمة وآية، أو تشريعاً، وحكماً. ففي آية الزوجية قال
تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا
إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة» ( الروم 21) ، «والذين يقولون ربنا هب لنا من
أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً» ( الفرقان - 74 ).
وكذلك الأمر في كلمة «أزواج» بالحياة الآخرة، نجد ذلك في آيات عديدة ضمن سور كثيرة،
مثل: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا
ثَلَاثَةً (7)) الواقعة ، والبقرة
(وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ
مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25))،
وآل عمران (وَأَزْوَاجٌ
مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15))،
والنساء (لَهُمْ فِيهَا
أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57))،
والزخرف (ادْخُلُوا
الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70))،
ويس (هُمْ
وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)).
فإذا تعطلت آية الزوجية من السكن والمودة والرحمة، بخيانة أو تباين في العقيدة،
فنجد أن القرآن الكريم يستعمل تعبير «امرأة» وليس «زوج» مثل
«امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا» (يوسف 30-51) و
«امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين
فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئا» ( التحريم -10 ) فهنا تتعطل آية
الزوجية مع الخيانة، ومن أمثلة ذلك ما جاء في القرآن في امرأة لوط آيات: العنكبوت
(وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ
رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا
تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ
الْغَابِرِينَ (33))، النمل
(فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا
امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57))،
الحجر (إِلَّا امْرَأَتَهُ
قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60))
، الذاريات (فَأَقْبَلَتِ
امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29))،
الأعراف (فَأَنْجَيْنَاهُ
وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)).
وفي موضع آخر نجد القرآن الكريم يستخدم تعبير «امرأة فرعون» حيث تعطلت آية الزوجية
بينهما، بإيمانها وكفره: التحريم
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ
بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)).
وحكمة الزوجية في الإنسان وسائر الكائنات الحية، هي اتصال الحياة بالتوالد. وفي هذا
السياق يكون المقام لكلمة زوج، وزوجين وأزواج، من ذكر وأنثى، فيستعمل القرآن ههذ
الكلمات، فيقول تعالى«يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها
زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء» النساء 1، و نجد أمثلة كثيرة لذلك كآيات هود
(حَتَّى إِذَا جَاءَ
أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ
اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا
آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40))، الشورى
(فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ
أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ (11))، يس
(سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ
الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا
يَعْلَمُونَ (36))، الذاريات
(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا
زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49))،
النجم (وَأَنَّهُ
خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45))،
النبأ (وَخَلَقْنَاكُمْ
أَزْوَاجًا (8) ).
فإذا تعطلت حكمة الزوجية في البشر بعقم أو ترمل، نجد أن القرآن الكريم يستعمل كلمة
«امرأة» وليس كلمة «زوج» ، كالآيات في امرأة إبراهيم وامرأة عمران ( هود
(وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ
فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71))،
والذاريات (فَأَقْبَلَتِ
امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29))،
آل عمران (إِذْ قَالَتِ
امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا
فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)) )
، ويضرع زكريا إلى الله سبحانه: «وكانت امرأتي عاقرا فهب لي
من لدنك وليا» ( مريم 5)، «قال رب أنى يكون لي غلام
وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر» (آل عمران - 40)، ولكن لما استجاب له ربه
وحققت الزوجية حكمتها بالإنجاب، نجد أن القرآن الكريم استعمل كلمة زو