سحر القرآن
د. طارق السويدان
رمضان 1427 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
قصة إسلام كات ستيفنز الذي صار فيما بعد يوسف إسلام :
تناولنا قصص العرب الأوائل الذين تأثروا بالقرآن فصاروا قادة للإسلام وقادة للبشرية بسبب القرآن. مع الأيام إنتشر الإسلام بين الناس وكثير منهم اسلموا لسبب آخر غير القرآن كالتعامل الجيد وحُسن خلق المسلمين. ولما تخلّفنا ما عاد لدينا نموذج جيد نقدمه للناس من دولة عادلة أو راقية وهذه كانت أيام عزّنا ومجدنا. ثم جاءت حركة الترجمة التي توسع فيها نشر القرآن بلغات العالم المختلفة وقد ساهم الكثيرون في دعم عملية الترجمة مادياً ومن الناحية العملية وساهموا مساهمة عظيمة لعله يتحقق بهم حديث الرسول r: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس". وهؤلاء اهتدى على أيديهم قوم كثيرون بحمد الله. الترجمة لها مشاكل ولا تعبّر عن حقيقة القرآن لكن ومع مساوئ الترجمة هي أفضل بكثير من عدم الترجمة فإما أن يعرف الشخص العربية أو لا يصله القرآن! هذا غير معقول. نحن نشجع حركة الترجمة - مع أنها لا تغني عن القرآن – ونؤيد حركة الترجمة ولكن ندعو إلى إتقانها والتأكد من حسن إختيار الترجمة. من الذين تأثروا بالقرآت المترجم رغن ما فيه من نقص كان كات ستيفنز المغني البريطاني المشهور وله قصة عجيبة لها ارتباط بالقرآن.
لقد رفض كل مغريات الدنيا وهرب من العالم إلى الإيمان فوجد الهناء والطمأنينة. وقد كان من المطربين البريطانيين المشهورين في العالم وشهرته ضربت الآفاق ثم صار اسمه فيما بعد يوسف إسلام. قصة إسلامه يرويها بنفسه بهذه الكلمات التي لها بالغ التأثير في نفوس كل من يقرأها. أذكر مرة كنا نجلس معه في لقاء في أميركا وإذا بعدد كبير من الأمريكان النصارى يحضرون اللقاء وكان قد اعتزل الغناء وإذأ بأعداد هائلة يسلّمون عليه فقال له أحدهم حتى لو أصبحت هندياً أو بوذياً أو أي شيء فأنا أعبدك. (وسيعود الآن إلى الغناء العالمي لخدمة الإسلام إن شاء الله). يقول يوسف إسلام في حديثه عن قصة إسلامه:
ولدت في لندن قلب العالم الغربي في عصر التلفزيون وارتياد الفضاء، ولدت في عهد وصلت فيه التكنولوجيا إلى القمة في بلد معروف بحضارته. تعلمت في مدرسة كاثوليكية حيث علموني المفهوم النصراني والمسيحي للعقيدة وللحياة. وعرفت ما يفترض أن أعرفه عن المسيح وعن القدر وحدثوني كثيراً عن الله وقليلاً عن المسيح وأقل عن الروح القدس. وكانت الحياة حولي مادية فيها أجهزة الإعلام التي تعلمنا أن الغنى هو الثروة الحقيقية والفقر هو الضياع الحقيقي وأن الأميركي هو المثل للغنى والعالم الثالث هو المثل للجهل والفقر والضياع لذلك كان لا بد من أن أختار طريق الغنى والفوز بنعيم الحياة ولذلك بنيت فلسفتي بالحياة أنه لا علاقة لي بالدين، أسهل طريقة للنجاح أن اشتري غيتاراً واستغل صوتي الجميل. كان عمري 18 سنة وبدأ إسمي يظهر وكان لي ثمانية أشرطة مسجلة ومنتشرة بين الناس وبدأت اجمع الكثير من الأموال حتى أصبحت في القمة وعندما وصلت صرت أتطلع إلى الأسفل وبدأ القل ينتابني من السقوط وخسارة كل شيءفبدأت بالخوف والقلق وبدأت أشرب الخمر لأني كنت أشعر أن الناس حولي يلبسون أقنعة ولا أحد يكشف عن وجهه الحقيقي ولا بد من النفاق. وتغيرت حياتي وبدأت أعتزل الناس وكنت أشرب الخمر من أجل أن أغني لأني بدأت أخاف أن افشل واعتزلت الناس فأصابني المرض ونقلت إلى المستشفى وكنت مريضاً بالسل وسبحان الله كانت فترة المرض خيراً لي لأني بقيت وحدي معتزلاً الناس وبدأت التفكير فقد كان عندي إيمان أساسي ولكن الكنيسة لم تعرّفني عن حقيقة الإله وبدأت أفكر وكان معي كتب كثيرة عن العقيدة وعن عقيدة الشرق (وعلى فكرة أن حياة الغرب فيها الكثير من القلق فان 80% من شبابهم يتعاطون المخدرات وكان هو نموذجاً من هذا الشباب). كان ينتابني شعور أن أتجه إلى غاية لا أدرك كنهها ولا أدري ما هو مفهومها ولم أقتنع أنه يجب أن أكون خالياً فبدأت ابحث عن السعادة التي لم أجدها لا في الغنى ولا في الفن والشهرة ولا في الكنيسة فبدأت أطرق باب البوذية والفلسفة الصينية ودرستها وظننت أن السعادة هي في معرفة ما سيحدث لك في الغد - وكثير من الناس يظن ذلك أن الراحة في رؤية الطالع عن طريق النجوم وقراءة الفنجان وغيرها-. فصرت قدرياً وآمنت بالنجوم وآمنت بالتنبؤ بالطالع. يقول وجدت كل هذا هراء (وأنا درست البوذية والزرادشتية والكثير من العقائد الأخرى والتشافي بالأحجار وكل هذا هراء)، ويقول انتقلت إلى الشيوعية وظننت أن الخير أن نقسم خيرات العالم بين الناس ولكن وجدت أن الشيوعية تنافي الفطرة فالعامل يجب أن يأخذ مجهوده والكسول لا يجب أن يأخذ شيئاً ثم اتجهت إلى العقاقير المهدئة لارتاح وبعد فترة أدركت أنه لا توجد عقيدة توضح لي مأ أبحث عنه فيئست وبقيت على معتقدي الأول في الكنيسةورجعت إلى التأليف الموسيقي والتلحين ثم صار عندي عقيدة أن الموسيقى هي ديني ولا دين لي سواه واخلصت لهذا الدين. وكان شعوري كان من خلال معرفتي بالكنيسة إن الإنسان لا يكون كاملاً كالإله إلا إذا أخلص لعمله ثم حدث أن أهداني شقيقي الأكبر نسخة من القرآن الكريم عام 1975.
بقيت معي هذه النسخة حتى زرت القدس ورأيت المسلمين واليهود وبدأت أهتم بالقرآن وأنا لا أعرف ما به لأن النسخة كانت عربية وبدأت أبحث عن نسخة مترجمة للقرآن وكانت هذه المرة الأولى التي أفكر فيها بالإسلام لان في الغرب كان هناك فكرة إن الإسلام للشرقيين و العرب و الهنود والأتراك وخاصة أن أهلي كانوا من اليونان وهناك عداء بين اليونان والأتراك المسلمين بسبب الحروب التي بينهم وكان بديهياً أن أكره القرآن الذي يدين به هؤلاء الأتراك المسلمين. فقلت أجرّب القرآن فبدأت بالفاتحة (بسم الله) ولم أجد هذا بأي كتاب آخر وثم (الرحمن الرحيم)، بسم الله والرحمن الرحيم على عكس ما نحن نتصوره عن المسلمين من العداوة والقسوة عندهم إنهم يبدأون بالرحمة (الحمد لله رب العالمين) كل الحمد لخالق العالمين رب المخلوقات، إلى تلك اللحظة لم أكن اعرف ما هو الإله؟ كانوا يقولون لي إله واحد ولكنه مقسم إلى ثلاثة وأنه إله اليهود والنصارى. مفهوم جديد أن الله واحد ولا يشاركه أحد. بدأت أفهم الإسلام أن الله قادر على كل شيء وبدأت أفكر في الآخرة وأنها خالدةوالإنسان ليس كتلة لحم تتحول إلى رماد ويخلّصنا المسيح بل ما تفعله في الحياة الدنيا تجده في الآخرة. القرآن هو الذي دعاني للإسلام أما الكنيسة فجلبت لي التعاسة وهي التي دفعتني إلى القرآن عندما عجزت أن تجيب عن تساؤلاتي الرئيسية. هذا ما دفعني فوجدت أجوبتي كاملة. ولاحظت أن القرآن لا يشبه أي كتاب آخر ولم يكن عليه اسم مؤلف مثل الإنجيل حيث كل فصل فيه له مؤلف فيقال هذا كتاب دانيال أو غيره ولكن القرآن لم يكن كذلك ولهذا أيقنت بمفهوم الوحي الذي أوحى الله به إلى النبي المرسل. تغيّر كات ستيفنز واعتزل الغناء ونقل أمواله التي جمعها في حياته للدعوة فأسس المدارس والمساجد – ويقول يوسف إسلام حاولت أن أبحث عن خطأ واحد في القرآن فلم أجد. لم يكن القرآن رسالة واحدة بل وجدت كل الأنبياء وعيسى وموسى مجتمعون في رسالة واحدة ودين واحد على عكس ما كان يقال لي . هذه باختصار قصة يوسف إسلام وصل إلى يديه نسخة من القرآن فتغيرت حياته لذا علينا أن ننشر القرآن فهذا كفيل بأن يسحر عقول وقلوب الناس ببيانه وروحانيته وعلمه.
انشروا ترجمات القرآن بين الناس مع بعض التوضيح لتبيان بيانه للناس وتأثيره ليهتدوا به كما اهتدى يوسف إسلام ولتقوموا بمهمتكم تجاه الإسلام .
(طبعت هذه الحلقة الأخت أم ميس جزاها الله خيراً وتم تنقيحها)
الكلمة القرآنية:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم
في هذه الحلقة أريد أن أحدثكم عن شيء مختلف عن الحلقات الماضية. كنت قبل يومين مع شخص بريطاني يعيش منذ فترة في البلاد العربية فسألته هل قرأت القرآن؟ قال نعم فيه معاني كثيرة وقصص مثل التي عندنا ولكني لم أتأثر به. فاستغربت، ثم أكمل قائلاً: إلى أن انتبهت لشيء لم أكن منتبهاً له من قبل فجعلني أنهبر بالقرآن. فقلت له: ما هو؟ قال: يجب أن تفهم الجو الذي يطرحه القرآن عندما تقرأه لأن الترجمة مشكلتها أنها لا تطرح الجو. والآن تعلمت شيئاً من العربية . يقول عندما كنت أقرأ سورة الناس لم أتأثر في البداية ولم أفهم ما المقصود منها سوى لأنها تتحدث عن الشيطان ولكن عندما حفظتها وعرفت معانيها في العربية وجدت أن الجو مختلف تماماً، أحسست بالكلمات فعندما تقرأ السورة تعيش في جو كله وسوسة، جو مؤثر فعرفت أنها تتكلم عن مداخل الشيطان إلى نفوس الناس بمدخل لم أحس به من قبل عندها فقط تأثرت بالقرآن.
الكلمة القرآنية تختلف عن غيرها في أي كتاب. إستعمال الكلمة هو الذي يعطي هذا الجو. حديثنا ليس عن مقارنة جمل وآيات وإنما نأخذ كلمة واحدة ونرى مزاياها في القرآن. الكلمة القرآنية المفردة تمتاز عن غيرها وإذا أردنا أن نعرف مزية الكلمة في القرآن ننظر إلى ثلاث مزايا رئيسية:
1} جمال وقعها في السمع أي أن تكون منسجمة مع باقي الكلمات وليست شاذة عنها.
2} اتساقها مع المعنى العام أي تعطي المعنى بشكل صحيح ودقيق.
3} اتساع دلالاتها بحيث تعطي معاني كثيرة وليس معنى واحداً.
قد تجد هذا في أسلوب بعض الأدباء مثل الجاحظ وغيره لكن أن تجتمع كل هذه المزايا باستمرار في كل كلمة لا تشذ واحدة هذا لا تجده عند أي شاعر أو أديب. امرؤ القيس على عظمته يقول في شعره بعض أبيات فيها كلمات يقول عنها إمام اللغة العربية الأصمعي والله لا أدري ماذا يقول؟ هذه الكلمات فيها شذوذ لا أستطيع أن أفهمها وهذا امرؤ القيس. لكن من المستحيل أن تجد في كلمات القرآن أي شذوذ ولا يمكن أحد أن يجعل كل كلمة متناسقة ومعبّرة كالقرآن الكريم.
(طبعت هذه الحلقة الأخت أم ميس جزاها الله خيراً وتم تنقيحها)يقول الله تعالى في وصف الليل والنهر في سورة التكوير: (والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس) هناك معنى وصورة معنى تصل إليك وتبعث الكلمة في خيالك صورة المعنى مجسماً محسوساً دون الرجوع إلى قواميس اللغة. تصور إقبال الليل وتمدده في الآفاق بكلمة عسعس: بدأ وانتشر، بالمقابل تأمل إنفلات الصبح من سجن الليل بكلمة تنفّس، هل هناك أدق من هاتين الكلمتين في المعاجم؟ الصبح يتنفس كأنه بُعثت فيه الحياة صار كأن إنسان كان ميتاُ الليل يغطي عليه وانفلت من الليل فتنفّس وأصبح حياً. ثم يأتي أقبل وانتشر عسعس. شيء عجيب هذا الوصف لو حاولنا أن نستبدل هاتين الكلمتين بكلمات أخرى سنعرف الفرق في المعنى.
اثّاقلتم: (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) آية (38) من سورة التوبة.
أدرسوا الأداء الذي جاءت به هذه الكلمة (اثاقلتم)، وانظروا حروفها الثقيلة والتشديد على حرف الثاء والقاف التي هي من حروف القلقلة والميم وخروجها من الأنف هل تستطيع أن تتصور أداء الكلمة كيف أوحت لك بالمعنى؟ تتخيل كأن هناك جسم ثقيل يريد أحد رفعه بجهد ولا يستطيع فيسقط على الأرض وفيها بطء تشعر بان الكلمة بطيئة بينما تجد إن كلمة انفروا سريعة فإذا جربنا أن نبدل كلمة اثاقلتم بكلمة أخرى مثلاً تثاقلتم تجدها أخف وأسرع وأنشط من اثاقلتم. إذن هي بسبب رصف حروفها وزوال الشدة منها (تثاقلتم) والتاء بدل الثاء أخف. فالبلاغة تتم باستعمال كلمة اثاقلتم التي تعطي المعنى المراد الذي لا تعطيه كلمة تثاقلتم
ليبطئن: ( وإن منكم لمن ليُبَطئن) من آية (72) من سورة النساء.
هذه الكلمة توحي بالبطء، فيها جرس ونغمة تشير إلى البطء بالإضافة لحرف النون الذي يسبقها يؤكد هذا الجرس الخاص. أمثلة القرآن الكريم أكثر من أن تعد أو تحصى . في هذه الأمثلة البلاغة وإيحاءات الكلمة الواحدة التي تحوي معاني عظيمة وإلى هذا أشار العديد من العلماء مثل الجرجاني والباقلاني وسيد قطب في تفسير القرآن ومحمد صادق الرافعي. سحر القرآن في بيانه وبلاغته وجمله وآياته وأيضاً إستعمال الكلمات الدقيقة في مواطنها هناك يستعمل خوف وهنا خشية وأمن وأمنة وهذا ليس من باب الصدفة وإنما مقدّر ومحدد. حديثنا عن الكلمة الواحدة كيف تعطي من اللحن ما لا تعطيه كلمة أخرى.
دعّا: نضرب أمثلة أخرى وقد يشترك الجرس والظل في مفردة واحدة كقوله تعالى: (يوم يدَعّون إلى نار جهنم دَعّا) آية (13) من سورة الطور.
يدَعّون ودَعّا بصورة مدلولها وبجرسها وبظلها نلاحظ الدّعّ وهو الدفع في الظهر بعنف نحو جهنم، هذا الدفع في كثير من الأحيان يجعل المدفوع يُخرِج صوتاً غير إرادي ففكأنك باستعمال هذه الكلمة تسمع هذا الصوت غير الإرادي الذي يظهره الشخص أثناء الدفع، فيه عين ساكنة في جرسه أقرب إلى جرس الدّع.
إستمع لقوله تعالى: ( وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذّبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) آية (49) من سورة البقرة.
يذّبحون (بتشديد حرف الباء) وليس يذبحون بدون تشديد فهذه الكلمة لم يستخدمها القرآن من دون تشديد لأنه يصور الحدث وكثرته ونوعه وشدة الذبح كما إنها تعطي معنى تكرار عملية الذبح والشدة في الذبح لا تعطيه كلمة يذبحون
عبوسا قمطريرا في سورة الإنسان: (إنا نخاف يوماَ عبوساَ قمطريراَ (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نَضْرَة وسروراً(11)) يوماً عبوساً:استخدام كلمة العبوس فيها دقة بالغة في تصوير نظرة الكافرين ليوم القيامة وكأن اليوم صار له وصار عابساً فجاءت كلمة قمطرير بثقل الطاء مشعرة بذلك اليوم وفي المقابل (نضرة وسروراً) مقابل (عبوساً قمطريراً) نضرة وسرور تعبير دقيق على إحساس المؤمنين وإشراق وجوههم وما يملأ قلوبهم من البهجة والسرور.
يعملون ويشعرون: ومن دقة التمييز بين الكلمات ومعاني الكلمات التمييز بين: يعلمون ويشعرون. عند الحديث عن استعمال العقل يستعمل الله تعالى كلمة غير التي يستعملها لما يكون الحديث متعلقاً بالحواس. (ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) من آية (13) سورة البقرة. العلم غير الشعور استعمل كلمة العلم لأن السفه مرجعه إلى العقل وليس الشعور. عندما نأتي للعلم يستعمل الله تعالى كلمة سفاهة والسفاهة مرجعها إلى العقل. نقارن هذا بقوله تعالى: (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) من الآية (26) من سورة البقرة. هنا علم فاستعمل يعملون.
الإدراك الذي يكون بالعقل.وكذلك في الآيات الآتية فيها الإدراك عن طريق العقل:
(أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) الآية (77) من سورة البقرة. (والذين آتيناهم الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم) من الآية(144) من سورة البقرة.
إذن يستعمل الله تعالى كلمة يعلمون عند الحديث عن العقل وبالمقابل يستعمل كلمة يشعرون عند الحديث عن الأحاسيس والمشاعر. قال الله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) آية (154) من سورة البقرة. هنا الأموات لايمكن رؤيتهم بل نحسهم لذلك يتكلم عن الشعور
(واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتةًً ًوأنتم لاتشعرون) الآية (55) من سورة الزمر.
الحديث هنا عن العذاب الذي هو شيء حسي نحسه ونشعر به غير ملموس لذا استعمل كلمة يشعرون.
(أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة ًوهم لا يشعرون) الآية(107) من سورة يوسف.
(وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لايشعرون) الآية (11) و(12) من سورة البقرة. عند الحديث عن أعمال جسدية كالإفساد في الأرض فهم يفسدون بأجسادهم وما يفعلوه يشعره الشخص ولا يراه لذا يستعمل كلمة يشعرون.
كل كلمة تستعمل من أجل غاية ومن أجل نقل معنى معين وليس عبطاً. فاستشعروا القرآن حين تقرأوه وستجدون فرقاً كبيراً في فهمه والتلذذ به وتحسون بسحر القرآن غير العادي.
إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح من استعلى(64) قالوا يا موسى إما إن تُلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65)) من سورة طه.
إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى، لماذا أطالها ولم يقل أما أن تلقي وأما أن نلقي؟ في أول وهلة قد يُتوهم أن الله تعالى استخدم هذا التعبير من أجل اللحن والقافية لتتفق مع فواصل الآيات التي قبلها وهذا ما كنت أظنه ولكن علمت بعد ذلك وبعد الاستعانة بكتب البلاغة والأدب وعلم اللغة السبب في استخدام هذا التعبير فما يقوله أهل البلاغة: هذا التعبير يكشف عن رغبة القرآن في تصوير نفسية هؤلاء السحرة فقد كانوا خائفين وشاكّين في تحديهم لموسى عليه السلام فتجد في آيات أخرى في القرآن عندما وقف موسى عليه السلام أمامهم وتحداهم قائلا احذروا إنكم تتحدون الله رب العالمين وأنا نبي وهم يعرفون الفرق بين النبي والشاعر لكن فرعون كان قد أغراهم بجزيل العطاء فاستمروا في تحديهم للنبي موسى عليه السلام وراحوا يتناجون ثم أجمعوا أمرهم مع الشك والخوف والريبة من هذه المواجهة فقد يكون نبياً حقاً فيؤذيهم وكانوا يريدون النصر بهذا التحدي سواء هو ألقى أم هم. هذا شيء والشيء الآخر اللفظة تصور معنىً دقيقاً إن هذه الصورة لها ظلال وأبعاد (أما أن تلقي أو نكون أول من ألقى) فيها مشاعر وإحساس بالتردد فلم يقولوا أما أن تلقي أو أن نلقي لأنهم مترددين وخائفين رغم أملهم بالنجاح فالقرآن يكثر فيه وضع الكلمات للأمور المحسوسة ويشعرك بأجواء وإيحاءات الكلمة في نفس القائل فهذا القول من السحرة يشعرك بالتردد لذلك عندما ألقى موسى عصاه بعد ذلك فوراً سجد السحرة وبدون تردد مما يدل أنهم كانوا شاكين بأنفسهم فاستسلموا سريعاً وإلا ما استسلموا بسهولة.
القذف: قيسوا على ذلك قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون) الآية (18) من سورة الأنبياء. كلمة القذف توحي بشيء مجسم وحيّ وكأن الحق والباطل أصبح حياً والحق زهق روح الباطل. فلكل كلمة معنى وحسن خاص عجيب. فاستمتعوا بهذا السحر وهذه المعاني وبكل كلمة في القرآن وتأثروا بهذا السحر البياني العجيب. وإلى مزيد من هذا السحر في حلقات قادمة إن شاء الله.
(طبعت هذه الحلقة الأخت أم ميس جزاها الله خيراً وتم تنقيحها)
في إستعراضي لسحر القرآن كنت أحضر معاني إعجاز القرآن وسجلت أشرطة وما زلت أبحث في سحر القرآن الذي يبهر أهل القانون والعلم والفلسفة وكل العلوم الإنسانية نجد أن للقرآن سحراً ليس كسحر البشر سحراً يسيطر على العقول والقلوب وكنت أظن أني انتهيت من التحضير ولكن اكتشفت المزيد ووجدت في كتب العلماء أشياء جديدة لم تخطر على بالي من قبل وفكرت هل يمكن أن أوصل سحر القرآن للمشاهدين في ثلاثين حلقة؟ لا يمكن ذلك فاكتفيت بالسحر البياني في القرآن ولعلنا نلتقي في حلقات أخرى عن الإعجاز العلمي.
عندما نتأمل في سحر القرآن نجد أن كل كلمة ساحرة. أنا عادة أحرص على أن يكون لي عدة طرق في قرآءة القرآن: إقرأوا القرآن مرة في كل شهر لكسب الأجر والحسنات ولتكن لكم قراءة تأخذ سنة مثلاً وعيشوا مع آيات القرآن واستعينوا بكتب التفسير ومعاني الكلمات وغيرها حتى تفهموا المعنى، يقول الطبري: عجبت لمن لا يفهم القرآن كيف يتلذذ به؟. ولتكن هناك قراءة ثالثة والتي فيها أستخرج قوانين تحكم البشرية وهذه من إعجاز القرآن وهي غير قواني الكون فعل سبيل المثال قوله تعالى (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (140) آل عمران) هذا قانون أنه ما من أمة تسيطر على البشر، وقوله (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11) الرعد) هذا قانون يسيطر على حياة البشر. فحاولوا أن تقرأوا القرآن لاستكشاف القوانين.
الكلمة أو المفردة القرآنية:
اخترت لكم بعض هذه المفردات مما كتبه ساداتنا العلماء.
نتأمل جمال كلمة أفرِغ في قوله تعالى (وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) البقرة) كأن هناك إناء يفرّغ في إناء ثاني، يفرّغ الأول فيصبح الآخر ممتلئاً كأن الدعاء يقول يا رب أفرغ علينا الصبر داخلنا تعطي معنى الطمأنينة في النفس ويشعر بها من هدأ جسمه بما يُلقى عليه تشبه الراحة النفسية التي يشعرها من منح هبة الصبر الجميل وهذا أسلوب القرآن في استخدام الألفاظ وهذه استعارة. أفرِغ توحي باللين والرفق عند الصبّ بهدوء. القرآن يستعمل هذه الكلمة في حديث عن الصبر لكنها من رحمة الله عز وجل.
الصبّ: بينما لما يتكلم عن موضوع العذاب يقول تعالى (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) الفجر) إذن هي مؤذية بشدتها وقوتها. أما كلمة أفرِغ فهادئة ليّنة. وقد يشتد الأمر المعنوي بينما لما يستخدم موضوع العذاب يقوى لديه قوة تجعل الإنسان عندما يقف عند كلمة يشعر بمعناها.
كلمة طغى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) الحاقة):
يتكلم عن قصة نوح u لما انتشر ماء الطوفان وملأ الأرض كلها عند ذلك حمل تعالى نوحاً u ومن معه في السفينة التي تجري. (طغى الماء) كان الطغيان المؤذن بالثورة والفوران يشبه خروج الماء عن حدّه لما فيها من فورة واضطراب، طغيان كأنه يشعِر بمعنى الثورة.
كلمة صرصر: ويمكن أن نأخذ هذا على نسق آخر في قوله تعالى (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) الحاقة): لما يتكلم القرآن عن العذاب يستعمل الألفاظ العجيبة (صرصر) إستعمال عجيب لهذه الكلمة وقد كنت – قبل أ أقرأ كتب البلاغة أعجب من هذه اللفظة – هذه ريح مدمرة يشبّه خروجها عن حدّها بعنف وجبروت بكلمة صرصر التي تشعرك بوجود صرير واحتكاك شيء بشيء ويدّمره. وهذا من استخدام الألفاظ الموصوفة للدلالة على الأمور الحسّية واستبدالها بالأمور المعنوية فيصبح الأمر المعنوي حيّاً ملموساً.
كلمة يهيمون: لذلك قال تعالى في سورة الشعراء (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) الشعراء): كنت أتخيل وأنا صغير أن الشعراء يذهبون في الصحراء ويضيعون بين الوديان ثم فهمت المعنى: استعملت كلمة الأودية الموضوعة أصلاً للدلالة على المنخفض للدلالة على أنهم يهيمون في أنواع المعاني وفي مشارب القلوب فيضيعوا عن الحق.
كلمة بأيديهم: الإنسان مهما تعلم عليه أن يستكر ويواصل تعلمه إلى أن يموت لأن الذي يظن نفسه أنه علِم فقد جهل. كنت أقف عند قوله تعالى (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79) البقرة) وقلت في نفسي أن كلمة بأيديهم أراها زائدة لأنه لم يكن هناك كتابة إلا باليد لكن لما نظرت في كتب التفسير عرفت المعنى. النص يقول أن أولئك ال.محرّفين لكتاب الله كتبوه بأيديهم فيه زيادة تشنيع عليهم وتقريع وتقبيح لأفعالهم لأنهم باشروا هذا الصنع السخيف لآيات الله بأيديهم. يمكن أن نقول كتب زيد كتاباً وليس المقصود أنه كتبه بيده وإنما أخبر أحداً فكتبه له. أما في الآية يقول تعالى أن هؤلاء كتبوا الكتاب بأيديهم وهذا فيه مبالغة بإخفاء حقيقة التزوير وفيه تلبيس عليهم فهم لا يثقون بغيرهم بل فعلوا بأيديهم من باب السرّية، هم فعلوه ثم قالوا هذا من عند الله. وانظر إلى النظم القرآني العظيم (ثم يقولون) ثم تفيد مدة طويلة - أما الفاء فهي تدل على الفورية – هم كتبوا الكتاب وأخفوه فترة طويلة ثم نسبوه إلى الله حتى لا يجدوا معارضاً لصنيعهم لأن الزمن قد تقادم ونسي الناس حقيقة القول الأول. فهذا من عجائب القرآن.
كلمة فأمتّعه قليلاً: من الآيات أيضاً التي فيها استعمال دقيق للكلمة – وكل القرآن فيها استعمال دقيق للكلمة – قوله تعالى (قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) البقرة) لما ننظر فيها وننظر في كلمة (فأمتّعه) نحن نعلم أن زيادة المبنى في الكلمة تدل على زيادة المعنى فكلمة متّع تدل على كثرة المتع والنعيم فكيف وصف الكثير بالقليل (فأمتعه قليلاً)؟ السبب أن الله تعالى مهما أغدق على ابن آدم من نعم الدنيا فهي قليلة بالنظر إلى نهايتها فهو سيرحل عن الدنيا ويترك ما فيها كما قال الشاعر:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشجرت يوماً وضاق بها الصدر
كثّر الفعل يعني صاحب المتاع (فأمتّعه) بينما في الحقيقة هو قليل لأن شيء يتعلق بالدنيا. أي شيء في الدنيا مهما كان كبيراً فهو قليل إلى جانب نعيم الآخرة ويشبه هذا قوله تعالى (مَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) لقمان) هذا من المعاني الجميلة التي يشير إليها القرآن: مهما وصلتم له من متع الدنيا فهي قليلة.
إن وإذا: من الآيات أيضاً (فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) هنا في قوله (فإن فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (239) البقرة) ولكن قال (فإذا أمنتم) لم يقل إن أمنتم كما قال فإن خفتم لأن (إن) جاءت في حالة الخوف وصلاة الخوف بينما جاءت (إذا) في ذكر الأمن والسبب لأن الخوف وصلاة الخوف قليلة الحدوث وهذا يتناسب مع استعمال إن لأن إن شرطية بينما (إذا) تدل على الإستمرارية للأمن والاطمئنان لأن الخوف وصلاة الخوف قليلة فقال (فإن خفتم)، ولأن الأمن والسلام والاطمئنان هو الأساس إستعمل (إذا).
من إملاق وخشية إملاق: من الأمثلة أيضاً مما هو في كتب العلم دقة القرآن في الحديث عن قتل الأولاد (الإجهاض): قال تعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) الأنعام) هنا سبب قتل الأولاد ما يعيشه الآباء من الفقر فيريدون أن يجهضوا الولد لأنه ليس عندهم مال فيخبرهم الله تعالى أنه لا يحق لهم ذلك لأنه تعالى يرزق الآباء ويرزق الأبناء، فقدّم الوعد برزق الآباء على رزق الأولاد لأن الخطاب للفقراء الذين يريدون أن يجهضوا الولد من الفقر. وكأن السياق يشعرنا بتشفيع الأولاد في رفع فقر الآباء. أنت خائف أن الله تعالى لن يرزقك لكن الله سيرزقك وإنما ترزقون بهم لذا قال (نحن نرزقكم وإياهم).
أما في سورة الإسراء فيقول تعالى (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا (31) الإسراء) الآية الأولى كانت (من إملاق) أي أناس فقراء أما في هذه الآية فيقول تعالى (خشية إملاق) فهم ليسوا فقراء إذن ولكنهم خائفين من المستقبل. فالخطاب للأغنياء الخائفين من شيء لم يقع بعد لذا قدّم الوعد برزق الأبناء على الوعد برزق الآباء (نحن نرزقهم وإياكم). إذن في حالة الفقر وعد الآباء بالرزق أولاً وأما في حالة الغنى فوعد الأولاد بالرزق أولاً.
كلمة ضيزى: في سورة النجم قال تعالى (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) النجم) كلمة فيها إستفهام توبيخ وسخرية وتهكم. معنى الآية: عجباً يا أهل قريش تجعلون لأنفسكم النوع المحبوب في نظركم أي الأولاد وتجعلون لله تعالى البنات اللواتي تذمونهن أنتم، تلك قسمة غير عادلة جائرة بحيث أنكم جعلتم لله ما تكرهون. يقول حجة الأدب العربي محمد صادق الرافعي: لفظة من أغرب ما فيه كلمة ضيزى، يقول هذه الكلمة ما حسُنت في كلام قطّ ولم يستعملها عربي بشكل جميل لأنها كلمة ثقيلة إلا في موقعها في القرآن فإن حُسنها في نظم الكلام من أغرب الحُسن. الآية صارت أجمل بوجودها. يقول لو أدرت اللغة العربية ما صلح لهذا الموضع في القرآن غير كلمة ضيزى فإن فواصل الآيات في سورة النجم على الألف المقصورة (والنجم إذا هوى) فجاءت الكلمة فاصلة ثم في معرض الإنكار على العرب إذ وردت في ذكر الأصنام فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله مع كراهتهم للبنات ويقول القرآن (تلك إذن قسمة ضيزى) فكانت غرابة اللفظة تناسب إستغراب القرآن من فعل الكفار أن ينسبوا لله ما يكرهون وجاءت غرابة اللفظة لتناسب معها لتعطي المعنى والفاصلة والغرابة ولها معاني أخرى لا يتسع المجال لذكرها.
مزيد من سحر القرآن في حلقة قادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
سحر القرآن فيه المعاني الجليلة والقصص العجيبة كيف تأثر الناس الذين يفهمون هذه المعاني وكنت قد حدثتكم عن بعض الناس الذين تأثروا بالقرآن وأيضا بكفر من كفر وكنت أفكر كيف كفر هؤلاء؟! وكيف لا يسجد الواحد منهم عندما يسمع الآيات ولا يخضع عندما يسمع الإعجاز في القرآن الكريم؟! وأحببت أن أشارككم في قصة تأثر سادة قريش بالقرآن ولماذا كفروا. يشرح لنا لماذا كفر من كفر من سادة قريش مع اعترافهم بإعجاز القرآن هذه القصة. الوليد بن المغيرة والأحنف بن قيس وعمرو بن هشام (أبو جهل) وكلهم من سادة قريش، اجتمعوا يسمعون القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يقرأ القرآن بصوت عالي في بيته ليلاً وكان كل واحد من هؤلاء الثلاث مختبأ خلف زاوية من زوايا البيت ولم يعرف واحدهم بالآخر ظلوا يسمعون القرآن إلى الفجر فانصرفوا والتقوا مع بعضهم في الطريق فعرف كل واحد أن الآخرين كانوا يسمعون وقالوا لو رآكم سفهاؤكم تفعلون ذلك فعلوه وإذا سمعوا إلى قرآن محمد استمالهم وآمنوا به. يعني يكفي أن يسمع الناس القرآن فيؤمنوا لأن القرآن يُحس بشكل غير طبيعي وهم كأهل بلاغة يستمتعوا بقراءة القرآن فمن يحب الشعر يحب أن يسمع الشاعر فما بالك بالقرآن؟ القرآن يشدهم ويمتعهم كذلك سادة قريش. فالآن تعاهد الثلاثة على أن لا يعودوا لسماع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن وكل واحد ظن أن الآخر لن يعود ولكنهم عادوا في الليلة الثانية لسماع القرآن وعادوا والتقوا واشتد نكيرهم على بعضهم البعض وتعاهدوا أن لا يعودوا وقال الوليد بن المغيرة للأحنف بن قيس : ما تقول فيما سمعت من محمد؟ (هذا الحوار وصل لنا من أبناءهم فيما بعد) فقال له الأحنف بن قيس: قال بنو عبد المطلب فينا الحجابة (خدمة الكعبة) قلنا نعم وفينا السدانة قلنا نعم فقالوا فينا السقاية (وهذه كلها من أنواع التشريف في مكة) والآن يقولون فينا نبي ينزل عليه الوحي فمتى يكون فينا نبي والله لا آمنت به أبداً.
إن اعترافهم بأن لو سمعت قريش القرآن لآمنوا ولكن العصبية القبلية شدتهم إلى الكفر. وقد ذكر الله تعالى في القرآن ما قاله سادة قريش في الآية الكريمة: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون)
كان هذا قرارهم أن لا تستمع قريش للقرآن وإذا كان الرسول يقرأ القرآن وهم لا يستطيعون إيذاءه، فالغوا فيه فصفقوا وصفروا حتى لا يسمعوا منه شيئاً فيؤمنوا لذلك يقول الله تعالى (والغوا فيه) هذا اللغو ليس فقط على أهل مكة ولكن أيضاً الزوار الذين يأتون مكة وهنا نذكر قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي سيد بني دوس جاء إلى مكة ومُنع من سماع القرآن ومع ذلك أسلم، كيف أسلم؟ بسبب القرآن.
قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه لها علاقة وثيقة فيما نتحدث عنه من أثر القرآن بالنفوس فللقرآن سحر بيان عظيم. الطفيل هو سيد دوس وهي قبيلة قوية وعظيمة وهو يختلف عن باقي السادة فلم يصل إلى رئاسة القبيلة من الوراثة فقط بل كان شاعراً يتقن اللغة العربية وشديد الذكاء وذو مكانة عالية كما كان ذو إحساس مرهف لذلك كان اهتمام قريش فيه اهتماماً خاصاً. هذه الشخصية الفذة الوافدة إلى مكة فقالوا إذا سمع الطفيل القرآن سيتأثر به ويفكر به ويسلم وهذه مصيبة لأن بإسلامه ستسلم قبيلة دوس فسنتكلم مع الطفيل لصده عن سماع القرآن فأول ما وصل إلى مكة جلسوا معه فعظموه وقالوا له إن هناك شخص يُدعى محمداً قد أعضل فينا وشتت جماعتنا وفرق بيننا فعنده كلام يفرق به بين الرجل وزوجته وبين الرجل وأبيه وبين الرجل وابنه وقالوا له وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنّه ولا تسمعنّ منه شيئاً إن هذا ساحر فإياك أن تسمع شيئاً من القرآن فألقوا الرعب والخوف في قلبه، لكن هؤلاء المحاربين للقرآن في كل العصور والأزمان ينسون أن بحربهم الضروس على القرآن يوعون القلوب والعقول فالعاقل يبدأ يتساءل لماذا الحرب بين أعداء القرآن ومتبعيه؟ البشر اليوم يختلفون، حيال هذا الاختلاف والتعالي فهي مسألة تثير من له عقل وذهن. وظلت قريش تُرهب الطفيل حتى أخافته فسلك مسلكاً آخراً فأخذ لنفسه الحيطة والحذر من النبي صلى الله عليه وسلم وقال لا يمكن أن أمر على محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن فيصل إلى أذني وأتأثر بكلامه فلا بد من إقامة موانع من أن يصل إلي سحر محمد (هو يتحدث عن نفسه) فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً حتى وضعت في أذني كُرسفاً (قطن) ومحمد صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن في الكعبة والطفيل يطوف وبدأ يحدث نفسه: أنت عجيب يا طفيل أنت رجل شاعر وذكي فكيف تسمع لهؤلاء؟ وقد كان يأتيه بعض الصوت، فنزع من أذنه الكرسف وأخذ يسمع وأعجب بما سمع فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وجلس وقال يا محمد أسمعني ما عندك فجلس النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليه القرآن فتأثر بالقرآن وأسلم بعد أن قال في القرآن: " فلا والله ما سعت قولاً قط أحسن منه ولا أمراً قط أعدل منه" وأسلم طفيل وإسلامه كان الغاية من تأثير القرآن وفشلت قريش من منعه ورجع إلى قومه فأسلموا. إذن هذا الرجل أسلم بسبب إعجاز الٌقرآن وسحر بيانه.
إسلام أهل المدينة: نأتي إلى إسلام أهل المدينة. فُتحت الأمصار بالسيوف وفُتحت المدينة بالقرآن وكان لتأثير القرآن السبب الرئيسي في إسلام أهل المدينة. في بيعة العقبة الأولى دار هذا الحوار بين الرسول صلى الله عليه وسلم والوفد الذي جاء من المدينة فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم : "من أنتم؟" قالوا "نفر من الخزرج" قال "من موالي اليهود؟" قالوا "نعم " قال "ألا تجلسوا أكلمكم؟" قالوا "نعم" فتلا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن وعرض عليهم الإسلام فآمنوا وأسلموا وهؤلاء هم من جاء في الوفد الثاني في بيعة العقبة الثانية. حين ذهب الوفد الثاني إلى المدينة في بيعة العقبة الثانية بعث معهم الرسول صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ليفقههم في الدين فكان يسمى رضي الله عنه مُقرئ المدينة والسفير الأول في الإسلام وكان السبب في إسلام سعد بن معاذ. استضاف مصعب بن عمير في بيته أسعد بن زرارة الأنصاري الخزرجي وخرج معه يوماً إلى حي بني عبد الأشهل يدعوهم إلى الإسلام وكان كبير الحي هو سعد بن معاذ رضي الله عنه وأسيد بن خضير رضي الله عنه فضاقا بهما وأنكرا عليهما الحديث في الدين في حيّهما وقال سعد بن معاذ لأسيد: إذهب وانههما عن أن يأتيا إلى هنا ويتكلما عن الدين ولم يرد سعد بن معاذ أن يذهب هو لصلة القرابة التي بينه وبين أسعد بن زرارة فقد كانوا أولاد خالة. ذهب الأسيد ليحدثهم ويخرجهم من الحي فقال له أسعد: اسمع فقط اسمع ما يقول فإن رضيت أمراً فخذه وإن كرهته فلن نطأ أرضك مرة أخرى. فأصغى أسيد إلى مصعب بن عمير وهو يتلو عليه القرآن فإذا به يعلن إسلامه وعاد إلى قومه فعرفوا إنه جاء بغير الوجه الذي ذهب به فذهب إلى سعد بن معاذ وقال له اتبعتهم؟ كيف فعلت هذا؟ قال اسمع فقط إلى ما يقول فقد يعجبك فذهب سعد بن معاذ إلى أسعد بن زرارة وقال له "يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني أتغشانا في دارنا بما نكره؟ فأشار سعد إلى مصعب فقال له أسعد اسمع فقط فسمع سعد إلى مصعب وهو يتلو القرآن فنفذت فوراً لقلب سعد فأسلم. هؤلاء هم سادة المدينة أسلموا بالقرآن فقط. سعد بن معاذ ذهب إلى بني عبد الأشهل قال: كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا سيّدنا وأفضلنا رأياً فعرض عليهم الإسلام فلم يمسي إلا وكل بني الأشهل قد أسلموا. هذا سحر القرآن الذي سحر أهل المدينة ليس سحر الشعوذة وإنما سحر البيان. بالقرآن دخلت المدينة الإسلام فعزّت بالإسلام وعز الإسلام بها. هذه بعض قصص تأثير القرآن في النفوس وإلى المزيد من سحر البيان في الحلقات القادمة أن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(طبعت هذه الحلقة الأخت أم ميس جزاها الله خيراً وتم تنقيحها)
الحرف القرآني:
تحدثنا عن بعض إعجاز البيان في القرآن (إن من البيان لسحرا) وأعظم بيان هو القرآن. وتحدثنا عن الكلمات المتشابهة والتفريق بينها وإعجاز الكلمة التي جاءت في موطنها المناسب وجرسها المناسب. واليوم نتحدث باختصار حول الحرف القرآني. نتحدث في البداية عن الحروف في بدايات السور ثم نتحدث عن إختيار يعض الحروف والتقديم والتأخير في حروف الجر فمرة يقول (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) ومرة (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) وأمثال هذه المعاني في حروف القرآن.
الحروف المقطعة: حروف القرآن هذه الحروف المقطعة التي تبدأ بعض السور هذه الحروف جاءت واحتار فيها العلماء ما هذه الحروف؟ وجاءت تفاسير غريبة جداً في هذه المسألة وحاولت أن أتتبع هذه الآراء ولعل أفضل ما قيل فيها أنه سرٌ من أسرار كتاب الله عز وجل لكن لا يمنع أن نأتي ببعض ما قاله العلماء في الإشارة إلى معناها وأكثر ما يرضيني أنها جاءت للتحدي والإعجاز بالإشارة إلى مصدر القرآن. هذا القرآن يضعه بين أيديكم أيها المنكرون يتكون هذا القرآن المعجز الذي تحداكم أن تأتوا بآية من مثله يتكون من هذه الحروف كأنه يقول: القرآن كلام عربي مبين معجز وأنتم تتكلمون العربية ومن هذه الأحرف تكوّن القرآن فصوغوا منها كلاماً مثل القرآن في الفصاحة والبلاغة والبيان فإن عجزتم فاعلموا أنه كلام الله. هذا أحسن ما سمعت في الإشارة للحروف المقطعة وإن كان بعض العلماء له رأي خاص فيها. إختيار الحروف في بدايات السور إلى نسبة تكرار هذه الحروف في تلك السورة مثلاً إذا قال (حم) فإن نسبة تكرار هذان الحرفان أعلى من غيره في السورة وهذه مسألة تحتاج إلى معادلات لنتأكد منها فإذا كانت كذلك فهي إعجاز لكن إلى الآن لم يقم أحد بالتأكد من هذه المسألة. لكن يكفينا أن هذه الحروف أساس القرآن وبالتالي أنتم عرب تستعملون هذه الحروف فاستعملوها وكوّنوا منها جُملاً تنافس القرآن فإن عجزتم فهو كلام الله المعجز.
الحرف القرآني (هاء الرِفعة): ننتقل إلى بعض الإعجاز في الحروف ونبدأ بحرف خاص في القرآن يسمى هاء الرِفعة. قليل من سمع بهاء الرِفعة في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) الفتح) نتوقع أن يكون (عليهِ) بالكسر لكن تغيّر الحرف وصار (عليهُ). الأصل أن تكون الهاء مكسورة لأنها ضمير للمفرد الغائب ومكسورة. إذا سبقها حرف الجر (على) أو (إلى) أو (من) أو (في) أو الباء تكون مكسورة فلماذا تحولت كسرة الهاء إلى ضمة وصارت (عليهُ)؟ هذا من عجائب القرآن. ومن ناحية اللغة العربية والقواعد والبيان ودقة الإعراب هذا صحيح لا يجادل إنسان أنها فصيحة لكن لماذا استعملت مرفوعة؟ هذه يسمونها هاء الرِفعة. القصة في الآية تتحدث عن بيعة الرضوان التي بايع أصحاب النبي r رسول الله r في الحديبية وقد روى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله: يوم الحديبية كان الصحابة 1400 صحابي...... قال r: كلكم يدخل الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر، قال أنت اليوم خير أهل الأرض. وسميت الشجرة شجرة الرضوان وسميت البيعة بيعة الرضوان لأن الله تعالى يقول فيها (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) الفتح). الحديث عن أشرف المواطن وهذا الجو جو رفيع كريم يصفه الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) إذن هو تشريف وتكريم من الله العزيز العلي للصحابة السعداء بهذه البعثة وبما أن الجو جو رفعة فكأنها أصابت الهاء فتحولت إلى (عليهُ) ولا يتناسب الكسرة فتحولت إلى ضمة والضمة مناسبة للرفعة لذا أطلق العلماء عليها هاء الرِفعة. والآية تتحدث عن الوفاء بالعهد والبيعة وهذا دليل على صدق المبايِع ورفعته وسمو خُلُقه ولولا ذلك ما وفّى المبايع بعهده لذا جاءت الهاء مضمومة لترتفع مع إرتفاع هذه الأجواء.
هاء الخفض: في المقابل عندنا هاء الخفض وهي مقابلة لهاء الرِفعة وهي الهاء التي دخل عليها حرف الجر (في). الآية تتكلم عن عباد الرحمن (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)) إلى قوله تعالى (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)) الأساس أن يقول (فيه) بدون أن تتحول الكسرة إلى تقريباً ياء (هنا لا نقرأها (فيه) بكسرة صغيرة وإنما نطيل الكسرة) وعلماء القراءات والتجويد على إشباع كسرة الهاء في (فيه) مع أن الهاء في مثيلاتها يكتفى بكسرها (الهاء إذا وقع بهدها حرف متحرك تمد مداً طبيعياً بمقدار حركتين إلا إذا كان بعدها همزة فتمد بأكثر من حركتين). لماذا قلنا (فيهِ)؟ السياق الذي وردت فيه هو الذي يحدد أنه قد سبقها ذكر مجموعة من المعاصي والفواحش التي لا يفعلها عباد الرحمن (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)) ثم ذكرت الآية ما يترتب على هذه الكبائر من خلود مرتكبها في جهنم ذليلاً مهاناً خاسئاً لذا نقول (فيهِ) كأننا نتصور إلقاء صاحب هذه المعاصي في جهنم وهويّه إلى قاعها. عندما نقرأها (فيهِ) بالمد كأننا نساعد على إنزال المجرم في جهنم ومسارعة سقوطه فيها حتى لما يقرأها القارئ ويمدها أكثر من حركتين يتصور نفسه ونفَسه ينزل هذا الموقف وذلك يساعد على الإنزال والخفض ولهذا سميت هاء الخفض والله تعالى أعلم. إعجاز عجيب كيف تتحرك الحركات لتتناسب مع أجواء الكلام.
تاء الخِفّة: من الحروف التي ينتبه لها معظم الناس ولا ينتبهوا لمعانيها ما يسمى بتاء الخِفّة وقد جاءت في قصة موسى u مع الخضر u. نجد أثناء الكلام كلمة (تسطع وتستطع) فلماذا جاءت مرة تسطع ومرة تستطع؟ نقف على تاء محذوفة من أجل التخفيف وهي تشير إلى لطيفة من لطائف القرآن. عندما إلتقى الخضر بموسى u قال له أنه لن يستطيع أن يصبر على الأمور التي قد تحدث معهم فقال له موسى أنه يستطيع فطلب الخضر من موسى u أن لا يسأله عن شيء حتى يخبره فانطلقا وخرق الخضر السفينة فاعترض موسى u فذكّره الخضر بعهده فاعتذر موسى وبيّن له أنه كان ناسياً. وانطلقا فقتل الخضر الغلام فاعترض موسى u إعتراضاً أشد فذكّره الخضر بعهده فاعتذر موسى وأخبره أنه في حِلٍّ من الصحبة إن سأله بعد ذلك فانطلقا وذهبا إلى قرية بخلاء فوجدا جداراً على وشك السقوط فأقامه الخضر ولم يأخذ عليه أجراً فاعترض موسى u أنه كان يجب على الخضر أن يأخذ أجراً فقال له الخضر (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)) وبيّن له حقيقة الأحداث الثلاثة لماذا خرق السفينة ولماذا قتل الغلام ولماذا أقام الجدار؟ ثم ختم كلامه بالقول (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)). إذن نلاحظ وجود التاء في تستطع في الآية الأولى ثم حذفت في الآية الثانية (تسطع). التغيير هذا لأن موسى u شاهد مع الخضر ثلاثة أفعال غريبة وغير معقولة في الظاهر وتدعو إلى الإنكار فكيف يخرق الخضر سفينة مساكين حملوهما عليها وكيف يقتل غلاماً صغيراً ليس له ذنب وكيف يقيم الجدار لقوم بخلاء بدون أجر؟ فوقع موسى u في حيرة في تعليل هذه الأحداث وكأن صار في همّ نفسي ما الذي يفعله الخضر؟ وصار عنده شعور ثقيل ولاحظ سياق القرآن هذا الهمّ النفسي الذي عند موسى فكأن الحرف القرآني يتفاعل مع هذا. لما جاء الهمّ النفسي جاءت التاء مع الفعل لتتفق مع الثقل، هذا الثقل النفسي الذي عاشه موسى u وهذا ناسب قول الخضر (ما لم تستطع عليه صبرا) فيها ثقل وفيها طول. بينما حذف التاء مع زوال الثقل النفسي بعدما علل الخضر لموسى حقيقة الأحداث وأنه ما تصرّف من عند نفسه (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) وإنما خرق السفينة لتنجو من مصادرة الملك الظالم وقتل الغلام ليستريح أبواه الصالحان من كفره وأقام الجدار ليبقي على كنز لغلامين يتيمين وكان الكنز تحت الجدار. عرف موسى u أن الخضر على حق وأنه لم يفعله إلا بإذن الله تعالى فزال الهمّ من نفسه والثقل النفسي الذي عاشه فزالت التاء من الفعل (تسطع). قاعدة: عندما يكون هناك همّ نفسي نزداد الكلمات طولاً وثقلاً وعندما يزول الهمّ النفسي نجد أن هذا يزول.
مثال آخر (استطاعوا واسطاعوا) لما وردت في سورة الكهف قصة ذو القرنين لما عبّر القرآن عن تسلق السد والظهور فوقه حذف التاء (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ (97)) بينما عبّر عن عجزهم عن نقب السد فقال (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا). فالصعود والعبور يحتاج إلى خِفّة (اسطاعوا) أما الحفر ففيه شدة وتعب فناسب أن يضيف التاء (استطاعوا). إذن للخفّة إستعمل اسطاعوا وللتعب والجهد استعمل استطاعوا. أي إعجاز هذا؟!
هل من كاتب في الدنيا يراعي هذه التفاصيل؟ هذه الكلمات ما جاءت في القرآن عبثاً فكل حرف في كتاب الله في مكانه وهذا من إعجاز القرآن.
الحرف القرآني:
نتحدث عن قصص جرت تظهر كيف سحر القرآن من يفهم معانيه فتنقلب حياته كلها بسبب أثر هذا القرآن البياني العجيب. وذكرنا قصصاً من السلف والخلف كيف أثر بهم القرآن وتحدثنا عن إختيار بعض المواطن في القرآن وسنتحدث عن التصوير الفني والنغم في القرآن وبدأنا في الحلقة السابقة الحديث عن حروف القرآن ودقة إختيارها ونكمل في هذه الحلقة:
ألِف العزّة: من الإعجاز الحرفي في القرآن ما يسميه العلماء ألف العزة التي وردت مائة مرة. يذكرون ذلك في كلمة عباد في معظم هذه المرات يكون الوصف للمؤمنين والعابدين وانطبقت عليهم أكثر من 90 مرة تتحدث عن هؤلاء المؤمنين لذلك لا أظن أنهم أخطأوا عندما قالوا إن غالب كلمة عباد في القرآن يراد بها المؤمنون (وعباد الرحمن)
نجد أن الألف في وسطها هذه الألف توحي بالرفعة والأنفة والعزة والمنعة والعلو كأنها مرفوعة الرأس منصوبة القامة ولهذا أطلق عليها العلماء ألف العزة فالإنسان يعتز بعبادته لله تعالى ويرتفع بها.
ياء الذِلّة: وعندنا ياء الذلة وهي مستخدمة في كلمة العبيد التي وردت خمسة مرات وتتحدث عن وصف الكفار والعصاة.وان المتأمل سيرى عدل الله سبحانه في إدخال الكفار إلى النار وجعلهم يذوقون عذاب الحريق وكلها تنفي الظلم عن الله عز وجل وردت في كل المواضع في هذه العبارة النافية (وما ربك بظلام للعبيد) أي تدل على عدل الله. عبيد فيها نزول وخِسّة واهانة وعباد فيها رفعة وسمو فتأملوا معي نأخذ حرفا آخر:
(على الأرض وفي الأرض): عندما يستعمل الله عز وجل حرف الجر فقد يكون في أو على مع إن الاستعمال متشابه تقريبا يقول الله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) الآية 63 من سورة الفرقان، وفي آية أخرى (ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض إن الله لا يحب كل مختال فخور) (15) لقمان، (ولا تمشي في الأرض مرحا انك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا) (37) الإسراء
كيف نفرق بين المشي على الأرض والنهي عن المشي في الأرض؟. هنا من دقة القرآن الكريم في الآية الأولى يتكلم عن عباد الرحمن استخدم (على) التي تفيد التمكن والاستعلاء والمؤمن يشعر أن الدنيا ليست في قلبه وإنما هو عليها وهو ليس في الدنيا ولكن عليها ويعلن بأنه مفارق هذه الأرض وليس فيها فيمشي واثقاً من خطواته، في هدوء واطمئنان، متمهلاً. أما في الآية الثانية فيعيب الله تعالى على الكفار المغرورين فنهاه الله تعالى أن يمشي في الأرض. وهذه مسألة تدل على التكبر وحرف الظرفية (في) هذه تدل على ان المتكبر يمشي ويدب في الأرض كأنه يريد أن يخرق الأرض في غروره وتكبره (إنك لن تخرق الأرض) فينهى الله تعالى الإنسان عن مشية التكبر. هناك فيها عزة وهون وتمهل وهنا فيها تكبر فتأملوا معي الدقة الشديدة فامشوا على الأرض ولا تمشوا في الأرض.
من هذا الإعجاز الحروف الفاصلة:
هناك حروف يظن بعض الناس إنها زائدة مثلا قوله تعالى:
(فبما رحمة من الله لنت لهم) (آية 159) آل عمران ما قال فبرحمة من الله فكأن (ما) أضيفت وبعض الناس يقولون إنها زائدة. وقوله تعالى: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) 96 سورة يونس. بعض النحاة قالوا إن (ما) زائدة و(أن) زائدة فيظن بعض الذين لايعرفون البلاغة أنها زائدة في النظم ولكن لو تأملنا نجد أن زيادة كلمة أو حرف يعطينا نوع من فاصل. هذا الفاصل يدل على شيء فيه طول إما في الزمن أو نعمة. نتأمل الفصل بين الباء والرحمة (فبما رحمة) هنا يلفت النفس إلى تدبر المعنى وتنبيه الفكر إلى قيمة الرحمة وهذا من طبيعة البلاغة في الآية، يعني ما أكبر هذه الرحمة! وما أوسعها التي تمتعت بها يا محمد! فهي أطول تدل على سعة رحمة الرسول ولو قال (فبرحمة) لكانت أقصر يبنما تدل (فبما رحمة) على سعة رحمة النبي r لقومه.
في الآية الأخرى (فلما أن جاء البشير) لماذا هذه (أن) هنا؟ هنا يوجد فصل بين خروج البشير بقميص يوسف من مصر وبين مجيئه إلى فلسطين فهناك مسافة بين الحدوث ومجيئه إلى فلسطين فلبعد ما كان بين يوسف وأبوه يعقوب كان هناك مسافة وتحتاج إلى زمن وفيه أيضاً جانب نفسي فلما تصل الطائرة والناس تنتظر أحبابها تصبح الثواني طويلة فهذا يُشعر بنوع من قلق الإنتظار والاضطراب تؤكدها الآية. نجد كل هذا في غُنّة (أن) كأنه أخذ وقتاً إلى أن جاء البشير. من هنا نجد أن قوله تعالى (فلما أن جاء البشير) فيها قلق وطول مسافة وزمن لا تعكسه (فلما جاء البشير). أيُّ دقة في حروف القرآن هذه!
هذه الدقة نجدها أيضا في دقة استعمال الكلمات وليس فقط في الحروف وسبق أن أشرنا إلى استعمال الكلمات كيف أن كلمة متوقعة تستبدل بكلمة أخرى غير متوقعة. مثال ذلك في قصة يوسف نجد أن من أخلاق يوسف عليه السلام أنه حين أراد أن يضم أخاه بنيامين بعد أن خبأ في رحله صواع الملك وأرادت القافلة أن تذهب في طريقها بعث منادياً ينادي خلف القافلة ليرجعها: (أيتها العير إنكم لسارقون) يعني أيتها القافلة إنكم سارقون. استخدم كلمة سارقون، هم لم يسرقوا شيئاً ولكن قال لهم ذلك ليستحثهم وليستفزهم ويوقفهم ويأخذهم إلى العزيز ولكن المرة الثانية عندما بحث يوسف في متاعهم ثم أخرج صواع الملك من متاع أخيه ورجوه إخوته أن يأخذ أحدهم بدلاً من بنيامين إكراماً لأبيهم قال لهم يوسف عليه السلام: (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون) (79) يوسف استبدل كلمة سارق بـ (وجدنا متاعنا عنده) وذلك لأن أخاه لم يسرق وهذا إكراماً له عن السرقة لأنه لم يكن سارقاً فانظروا إلى دقة القرآن الكريم هنا في استعمال اللفظ. ولو قال سرق لكأنه اتهمه بالسرقة ثم لم يقلها إكراماً له من السرقة فأي عظمة في دقة القرآن هذه؟!.
من دقة القرآن في استعمال الألفاظ والكلمات والأفعال شيء عجيب نجده في قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: (الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82)) الشعراء. الفاعل انتقل فجأة إلى إبراهيم (وإذا مرضت)، أسند إبراهيم عليه السلام الخلق والهداية والإطعام والإسقاء وغفران الخطايا إلى الله تعالى ولكن عندما تحدث عن المرض أسنده إلى نفسه وليس إلى الله فيقول (وإذا مرضت) ولم يقل وإذا أمرضني هذه دقة مقصودة ليست عبثاً وليست عشوائية.
ومثلها قوله تعالى على لسان الجن: (وأنا لا ندري أشر اُريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) 10 سورة الجن. لم يقولوا و نحن لاندري أراد الله بأهل الأرض شراً بل قالوا (أم أراد بهم ربهم رشدا). عندما يكون هناك شيء سلبي كالضلالة والمرض لا يُنسب إلى الله تعالى بل الرُشد نُسب إلى الله تعالى فنسبوا إرادة الرشد إلى الله تعالى وبنوا الفعل مع إرادة الشر للمجهول (أشرٌ أريد). وكذلك في قول إبراهيم عندما تكلم عن الإطعام والرزق والهداية نسبها إلى الله تعالى ولكن المرض نسبه إلى نفسه فهذا من أدب التعامل والحديث عن الله تعالى.
هناك بعض الناس عندهم جرأة على الله عندما يتكلم عن الله تعالى وكأنه يتكلم عن كاتب ولكن هذا هو الله تعالى العظيم لايجب أن نتكلم عنه كما نتكلم عن أي شخص فيجب أن نكون دقيقين في استخدام الكلمات واستعمالها قد يكون الكلام صحيح ولكن يجب أن يكون هناك دقة في اختيار الكلمات. وهذا مضطرد ودقيق في القرآن الكريم عندما يكون العمل فيه التشريف ينسب لله تعالى وإذا كان هناك شيء سلبي لاينسب إليه بل يُبنى للمجهول (فريقاَ هدى وفريقا َحق عليهم الضلالة) من آية (30)من سورة الأعراف، (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) من آية (36) من سورة النحل. فالهداية نسبها الله تعالى إلى نفسه والضلالة نسبها إليهم وإلى حمقهم.هذا المعنى يتكرر كثيراً في القرآن الكريم. كل كلمة وكل حرف في القرآن الكريم بمنتهى الدقة وفي مكانه المناسب بالضبط فهل تجد هذا في أي كتاب آخر غير القرآن الكريم وهذا من الإعجاز الذي تجده واضحاً في كتاب الله تعالى وهذا ما نسميه سحر القرآن. مزيد من سحر القرآن ومزيد من هذا الإعجاز في لقاءنا القادم إن شاء الله.
(طبعت هذه الحلقة الأخت أم ميس جزاها الله خيراً وتم تنقيحها)
أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها:
نتناول في هذا البرنامج شيئاً من إعجاز البيان في القرآن وقد أصبت بحيرة في تحضير البرنامج وما زلت فالمعاني كثيرة والنماذج لا تنتهي كلما أزدادات الاختيارات زادت الحيرة. أي جوانب الإعجاز أطرق؟ أي الأمثلة أطلاح؟ وكل مثال أجمل من الآخر؟ فاستعنت بالله واخترت لكم.
في مجال سحر القرآن تحدثنا عن إعجاز الكلمات وإختيار كلمة مكان كلمة وعن الحروف وترتيبها واليوم نطرح موضوعاً جديداً مختلفاً يسمونه أسئلة القرآن. تكلم عن هذا الإمام الرازي في حديث عن أسئلة القرآن وأجوبتها.
مثال: ظلاّم: كيف قيل (وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) آل عمران) وظلاّم صيغة مبالغة من الظلم ولا يلزم من نفي الظلام نفي الظالم، وعلى العكس يلزم فهلاّ قال: ليس بظالم ليكون أبلغ في نفي الظلم عن ذاته المقدسة؟
صيغة المبالغة جيء بها لكثرة العبيد لا اكثرة الظلم كما قال تعالى (ولا يظلم ربك أحدا (49) الكهف) وقال (عالم الغيب (73) الأنعام) و(علاّم الغيوب (78) التوبة). لما أفرد المعمول لم يأت بصيغة المبالغة. ونظيره قولهم: زيد ظالم لعبده وعمرو ظلام لعبيده فهما في الظلم سيّان. وكذلك قال تعالى (محلقين رؤوسكم ومقصرين (27) الفتح) فشدد لكثرة الفاعلين لا لتكرار الفعل. أو الصيغة هنا للنسب أي لا يُنسب إليه ظلم فالمعنى ليس بذي ظلم إطلاقاً.
مثال آخر: كيد الشيطان وكيد النساء: كيف قال: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) النساء) وقال في كيد النساء (إن كيدكن عظيم (28) يوسف) ومعلوم أن كيد الشيطان أعظم من كيد النساء؟
المراد أن كيد الشيطان ضعيف في جنب نصرة الله وحفظه لأوليائه المخلصين من عباده كما قال تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (42) الحجر) وقال حكاية عن إبليس (إلا عبادك منهم المخلَصين (40) الحجر) والمراد بالآية الأخرى أن كيد النساء عظيم بالمقارنة مع كيد الرجال والقائل إن كيدكن عظيم هو عزيز مصر لا الله تعالى فلا تناقض ولا معارضة بين الآيتين.
إذن كيد الشيطان ضعيف مقارنة بنصرة الله تعالى وكيد النساء عظيم مقارنة مع كيد الرجال. وهذا فيه رد على من يقول أن النساء ناقصات عقل ودين. الرسول r يقول في الحديث: " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بلُبّ الرجل الحليم منهن" أي أنه رغم أنه تمر على النساء أيام لا تصلي فيها (ناقصات دين) وأن شهادتها نصف شهادة الرجل (ناقصات دين) ومع هذا تذهب بلُبّ الرجل الحليم.
مثال آخر: من الأسئلة التي سألها الإمام الرازي والتي قد تخطر في أذهان بعض الناس وكأنها تُشعِر بالاختلاف الحديث عن الأرض المقدسة وأنها محرمة على بني إسرائيل فإذا قيل أن التوفيق بين (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) المائدة) وبين قوله تعالى (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) المائدة)؟
معناها كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها فلما أبوا الجهاد قيل (فإنها محرمة عليهم). والثاني أن كل واحد منهما عامٌ أريد به الخاصّ فالكتابة للبعض وهم المطيعون والتحريم على البعض وهم العاصون. والثالث أن التحريم مؤقت بأربعين سنة والكتابة غير مؤقتة فيكون المعنى أن بعد مضي الأربعين يكون لهم. وهذا الجواب تام على قول من نصب الأربعين بمحرّمة وجعلها ظرفاً. فأما من جعل الأربعين ظرفاً لقوله (يتيهون) مقدماً عليه فإنه جعل التحريم مؤبّداً فلا يتأتى على قوله هذا الجواب، لأن التقدير عنده: فإنها محرمة عليهم أبداً يتيهون في الأرض أربعين سنة، وهو موضع قد اختلف فيه المفسرون. هي لكم لو أطعتم الله فلما عصيتم الله فهي محرمة عليكم ثم لما أطعتم الله مرة أخرى أعطاكم إياها والآن لما عصيتم محمداً r فهي محرمة عليكم.
مثال آخر: قوله تعالى (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50) الأنعام) كيف ذكر القول في الجملة الأولى والثالثة وترك ذكره في الجملة الثانية؟
لما كان الإخبار بالغيب كثيراً مما يدّعيه البشر كالكهنة والمنجّمين وواضعي الملاحم ثم إن كثيراً من الجهال يعتقدون صحة أقاويلهم ويعملون بمقتضى أخبارهم بالغ في سلبه عن نفسه بسلب حقيقته عنه بخلاف الألوهية والملكية فإن انفاءهما عنه وعن غيره من البشر ظاهر فاكتفى في نفيهما بنفي القول، إذ غير الدعوى فيهما لا تتصور في نفس الأمر ولا في زعم الناس، بخلاف علم الغيب فافترقا، والمراد بقول (لا أقول لكم عندي خزائن الله) أي لا أدّعي الإلهية. لا أحد يتصور أن مشعوذاً يملك خزائن الله أو ملك من الملائكة فلما كان هذا بعيداً نفى القول (لا أقول) لكن لأن كثيراً من الناس يدّعون معرفة الغيب لم يقل لا أقول وإنما نفى علم الغيب أصلاً فقال (ولا أعلم الغيب) لينفي أصل المسألة عن نفسه وليس فقط نفي الإدّعاء والقول. هذه من دقة القرآن في هذه المسائل إلى درجة عجيبة فليس هناك لفظ في القرآن إلا وهو في مكانه الدقيق.
مثال آخر: كيف ذكر يوسف u نعمة الله تعالى عليه في إخراجه من السجن فقال (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) يوسف) ولم يذكر نعمته عليه في إخراجه من الجُبّ وهو أعظم نعمة؟ لأن وقوعه في الجب كان أعظم خطراً؟
إنما ذكر هذه النعمة دون تلك النعمة لوجوه: أحدهما أن محنة السجن ومصيبته كانت أعظم لطول مدتها (فلبث في السجن بضع سنين) وما لبث في الجب إلا مدة يسيرة (بضعة أيام). ثانياً: أنه لم يذكر الجب كيلا يكون في ذكره توبيخ وتقريع لإخوته عند قوله (لا تثريب عليكم اليوم) فهو ذكر نعمة الله عليه بإخراجه من السجن أمام إخوته. ثالثاً: أن خروجه من السجن كان مقدّمة لملكه وعزّه فلذلك ذكره أما خروجه من الجب كان مقدمة الذل والعبودية والأسر والرِقّ فلذلك لم يذكره. ورابعاً أن مصيبة السجن كانت أعظم عنده لمصاحبة الأوباش والأرذال وأعداء الدين بخلاف مصيبة الجب فإنه كان مؤنسه جبريل u وغيره من الملائكة عليهم السلام.
مثال آخر: ما فائدة السؤال في قوله تعالى (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) طه) وهو أعلم بما في يده جملة وتفصيلاً؟
فائدته تأنيسه وتخفيف ما حصل عنده من دهشة الخطاب وهيبة الإجلال وقت التكلم معه كما يرى أحدنا طفلاً قد داخلته هيبة وإجلال وخوف وفي يده فاكهة أو غيرها فيلاطفه ويؤانسه بقوله ما هذا الذي في يدك؟ مع أنه عالم به. ثانياً أنه أراد بذلك أن يقرّ موسى u ويعترف بكونها عصا ويزداد علمه بكونها عصا رسوخاً في قلبه فلا يحوم حوله شك إذا قلَبَها ثعباناً أنها كانت عصا ثم انقلبت ثعباناً بقدرة الله تعالى وأن يقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب إليه فينتبه على القدرة الباهرة وهذا يقرر في نفسه أن شيئاً غير عادي حدث فينتبه للمعجزة العظيمة التي حدثت أمامه.
مزيد من إعجاز القرآن وسحر القرآن وبيان القرآن في حلقة قادمة.
أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها:
سحر القرآن فيه جوانب شتى من الإعجاز البياني في القرآن وكل معنى أجمل من الآخر. تحدثنا عن شيء من إجابات الإمام الرازي على بعض الأمور التي قد تستشكل على الناس ولجمال هذا الأمر ولوروده كثيراً في القرآن أحببت أن أقول لكل قارئ يُشكِل عليه شيء في القرآن النقص في علمك ومعرفتك وليس في القرآن (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). ننقل المزيد من أسئلة الإمام الرازي وإجوبته على الإشكالات التي قد يجدها بعض الناس.
سؤال: كيف قال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ (1) الأنبياء) وصفه بالقرب وقد مضى من وقت هذا الإخبار أكثر من ستمائة عام ولم يوجد يوم الحساب بعد؟
قلنا معناه أنه قريب عند الله تعالى وإن كان بعيداً عن الناس كما قال تعالى (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) المعارج) وقال تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج). الثاني أن معناه أنه قريب بالنسبة إلى ما مضى من الزمان كما قال r: " إن مثل ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى كمثل خيط في ثوب" وقال r: "بُعثت أنا والساعة كهاتين". الثالث أن المراد به قرب حساب كل واحد في قبره إذا مات ويؤيد قوله r: " من مات فقد قامت قيامته". الرابع أن كل آت قريب وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، وإنما البعيد الذي وجد وانقرض ولهذا يقول الناس إذا سافروا من بلد إلى بلد بعد ما ولوا ظهورهم البلد الأول: البلد الثاني أقرب وإن كان أبعد مسافة.
سؤال: كيف قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) مع أن النبي r لم يكن رحمة للكافرين الذين ماتوا على كفرهم بل نقمة لأنه لولا إرساله إليهم لما عذبوا بمفرهم لقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) الإسراء)؟
قلنا: بل كان رحمة للكافرين أيضاً من حيث أن عذاب الإستئصال أُخِّر عنهم بسببه. الثاني أنه كان رحمة عامة من حيث أنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه ومن لم يتبعه فهو الذي قصر في حق نفسه وضيّع نصيبه من الرحمة. ومثله r كمثل عين ماء عذبة فجّرها الله تعالى فسقى ناس زروعهم ومواشيهم منها فأفلحوا وفرّط ناس في السقي منها فضيّعوا فالعين في نفسها نعمة من الله تعالى للفريقين ورحمة وإن قصّر البعض وفرّطوا. الثالث أن المراد بالرحمة الرحيم وهو r كان رحيماً للفريقين ألا ترى اما شجّوه يوم أُحُد وكسروا رباعيته حتى خرّ مغشياً عليه فلما أفاق قال: اللهم إهدِ قومي فإنهم لا يعلمون؟
سؤال: فإن قيل كيف مثّل الله تعالى نوره أي معرفته وهداه في قلب المؤمن بنور المصباح في قوله تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) النور) ولم يمثّله بنور الشمس مع أن نورها أتم وأكمل؟
قلنا: المراد تمثيل النور في القلب والقلب في الصدر والصدر في البدن بالمصباح وهو الضوء أو الفتيلة في الزجاجة والزجاجة في الكوة التي لا منفذ لها وهذا التمثيل لا يستقيم إلا فيما ذكر. الثاني أن نور المعرفة له آلآت يتقوف على اجتماعها كالذهن والفهم والعقل واليقظة وإنشراح القلب وغير ذلك من الخصال الحميدة كما أن نور القنديل يتوقف على اجتماع القنديل والزيت والفتيلة وغير ذلك. والثالث أن نور الشمس يشرق متوجهاً إلى العالم السفلي لا إلى العالم العلوي ونور المعرفة يشرق متوجهاً إلى العالم العلوي كنور المضباح. والرابع أن نور الشمس لا يشرق إلا بالنهار ونور المعرفة يشرق بالليل والنهار كنور المصباح. والخامس أن نور الشمس يعم جميع الخلائق ونور المعرفة لا يصل إليه إلا بعضهم كنور المصباح الموصوف.
سؤال: كيف قال تعالى (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) السجدة) وقال تعالى في سورة المعارج (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4))؟
قلنا: المراد بالأول مسافة عروج الملائكة من الأرض إلى السطح الأعلى من سماء الدنيا وذلك ألف سنة، خمسمائة سنة مسافة ما بين السماء والأرض وخمسمائة سنة مسافة سمك سماء الدنيا والمراد بالثاني مسافة عروج الملائكة من الأرض إلى العرش. والثاني أن المراد في الآيتين يوم القيامة ومقداره ألف سنة من حساب أهل الدنيا لقوله تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج) ومعنى قوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) المعارج) أي لو تولى فيه حساب الخلق غير الله تعالى. والثالث أنه كألف سنة في حق عوام المؤمنين والخمسين ألف سنة في حق الكافرين لشدة ما يكابدون فيه من الأهوال والمحن وكساعة من أيام الدنيا في حق خواصّ المؤمنين ويؤيده ما روي أنه قيل: " يا رسول الله يوم مقداره خمسين ألف سنة ما أطوله! فقال: والذي نفسي بيده ليخفف على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا" وروي أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن هاتين الآيتان فقال: يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه وإني أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم.
سؤال: كيف قال تعالى (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) التغابن) مع أن الهداية سابقة على الإيمان لأنه لولا سبق الهداية لما وجد الإيمان؟
قلنا ليس المراد يهد قلبه للإيمان بل المراد يهد قلبه لليقين عند نزول المصائب فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. الثاني يهد قلبه للرضا والتسليم عند نزول المصائب. والثالث يهد قلبه للإسترجاع عند نزول المصائب وهو أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون. الرابع يهد قلبه أي يجعله ممن إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظٌلِم غفر. والخامس يهج قلبه لاتّباع السُنّة إذا صح إيمانه وقرئ (يهدأ) بفتح الدال وبالهمز من الهدوّ وهو السكون فمعناه : ومن يؤمن بالله إيماناً خالصاً يُسكّن قلبه ويطمئن عند نزول المصائب والمحن ولا يجزع.
سؤال: ما معنى وصف القرآن بالثقل في قوله تعالى (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) المزمل)؟
قلنا فيه وجوه: أحدها أنه كان يثقل نزول الوحي على النبي r حتى يعرق عرقاً شديداً في اليوم الشاتي. والثاني أن العمل بما فيه من التكاليف ثقيل شاق. والثالث ثقيل في الميزان يوم القيامة. والرابع أنه ثقيل على المنافقين. والخامس أنه كلام له وزن ورجحان كما يقال للرجل العاقل رزين وراجح. والسادس أنه ليس بسفساف لأن السفساف من الكلام يكون خفيفاً.
سؤال: لأي فائدة تخصيص ذكر صفة الكرم دون سائر صقاته في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الانفطار)؟
قلنا قال بعضهم: إنما قال ذلك لطفاً بعبده وتلقيناً له حجته وعذره ليقول: غرّني كرم الكريم. وقال الفضيل رحمه الله: لو سألني الله تعالى هذا السؤال لقلت: غرّني ستورك المرخاة. وروي أن علياً رضي الله عنه صاح بغلام له مرات فلم يلبّه ثم أقبل فقال: مالك لم تجبني؟ فقال لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك فاستحسن جوابه وأعتقه. ولهذا قالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
والحق أن الواجب على الإنسان أن لا يغتر بكرم الله تعالى وجوده في خلقه إياه وإسباغه نعمه الظاهرة والباطنة عليه فيعصيه ويكفر بنعمته إغتراراًً بتفضله الأول، فإن ذلك أمر منك خارج عن حد الحكمة. ولهذا قال رسول الله r لما قرأها: غرّه والله جهله. وقال عمر رضي الله عنه: غرّه حمقه وجهله. وقال الحسن" غرّه والله شيطانه الخبيث الذي زيّن له المعاصي فقال له إفعل ما شئت فإن ربك كريم.
هذه من المعاني العظيمة التي لا يجب أن نتجرأ على الله تعالى. لأنه من سوء الأدب أن يُكرِم سبحانه وتعالى وأنت تتجرأ فالمفروض أنه إذا أكرمك أن تتعامل معه بمزيد من الوقار والاحترام والتأدب ولا تتجرأ على الله تعالى.
نكتفي بهذا القدر من الأسئلة وننتقل إلى مزيد من الإعجاز القرآني في حلقة قادمة.
الأمثال في القرآن:
يقول الإمام الحسن البصري في قوله تعالى في سورة الحشر (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) الحشر) قال: إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته لخشع وتصدع من خشيته فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم كلام الله عز وجل؟ في هذه الآية مثل والقرآن مليء بالأمثال وكل مثل فيه معاني من الإعجاز والجمال ولذا أحببت أن أجعل هذه الحلقة خاصة بالأمثال في كتاب الله رب العالمين.
القرآن له أساليب خاصة منها إستعمال الأمثال ويكثر القرآن من استعمالها. بعض العلماء يقول أن هذه الأمثال قصص حقيقية يستشهد بها والبعض يقول هي خيال والله أعلم لكن القصد من معاني الأمثال التي يمكن أن نستخرجها منها. البعض يمرون على الأمثال ولا يفهموا معناها ولكن عليهم أن يقرأوا التفسير ويفهموا.
مثال في سورة البقرة: قال تعالى (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) البقرة) الهدف هو التفكر والتأمل والنظر. نتأمل في هذا المثل البديع الذي رسم مشهداً عجيباً ببيان رائع. المشهد يصور رجلاً غنياً أعطاه الله تعالى من النعم ووسع عليه من الرزق له بستان يحتوي على جميع أنواع الفواكه والثمار تمر الأنهار داخله من عظمته وهي أنهار عديدة وليس نهراً واحداً وتسقيه وهذا الإنسان كل ثروته في هذا البستان ينفق منه على نفسه وعلى أولاده فيكيفيهم ويغنيهم واستمر على هذا الحال إلى أن أدركته الشيخوخة وكبرت به السِنّ فلم يعد يستطيع العمل وأطفاله صغار لا أمل له أن يديروا البستان ويعتنوا به وليس له رزق إلا في هذا البستان الذي يخرج له الخير الكثير وبينما هو في هذه الحالة التي هو أحوج ما يكون لثمار بستانه جاءت ريح عاصفة مدمرة تصحبها نار محرقة فأحرقت الزرع والثمر ولم يبق من البستان شيء. كم تكون مصيبته عظيمة؟ يقول الإمام البصري: هذا مثل قلّ والله من يعقله: شيخ كبير ضعف جسمه ووهن عظمه وكثر أولاده وصبيانه أحوج ما كان لجنّته فجاءها إعصار فيه نار فاحترقت وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا إنقطعت عنه الدنيا. هذا المثل في غاية الحسن ونهاية الكمال كما يقول العلامة النيسابوري يقول: لا يخفى أنه أبلغ الأمثال لأن الإنسان لو كان له حديقة في غاية الجمال والكمال وكان في غاية الإحتياج إلى المال وقت الشيخوة والكبر مع وجود الأولاد الصغار فإذا أصبح ووجد بستانه محترقاً كم تكون حسرته ودرجة الألم في قلبه؟ هذا مثل يدل على الحسرة العظيمة. يقول علماء اللغة هذا في علم البلاغة يسمى الإستقصاء يتناول المعنى من جميع جوانبه لا يترك فيه شيئاً يمكن أن يقال. العبارة أحاطت بكل ما يخطر على البال في مثل هذا المقام. انظروا كيف استقصت القصة أتم وأكما إستقصاء: بدأت بالأسلوب الاستفهامي الرائع (أيود أحدكم) هل يتمنى أحدكم مثل هذه الأمنية بستان مثمر فيه جميع الثمرات تجري من تحته الأنهار يسقيه ماء النهر بدون تعب له في هذا البستان من جميع ما يخطر على البال من الثمار واللفظ يفيد العموم والتنويع كما يفيد الدوام والخلود. تصور أنواع الفواكه فما من ثمرة يشتهيها إلا موجودة وأصابه الكبر فكبر وضعف وعجز عن العمل وله ذرية ضعفاء أطفال صغار لا قدرة لهم على الكسب، كل هذه الأسباب توحي بشدة الحاجة وفي هذه الحالة جاء المصاب والبلاء فجاءها الإعصار والنار فاحترقت. فكيف تكون حال هذا المسكين بعد أن أتلف الإعصار الشجر وأحرق الثمر؟ هل هناك أبلغ من هذا على فاجعة تصيب الإنسان في ماله؟ هذا شأن من أغناه الله تعالى ووسع عليه بالرزق فبدل أن يشكر الله تعالى بدأ يعصي (غني وعاصي) بدأ يعصي الله تعالى فسلب عنه هذه النعمة ويختم له بخاتمة السوء ويجد ناراً فتخيلوا إنساناً يعيش منعماً في الدنيا له فيها من كل أسباب الرخاء ويحتاج لكل شيء يوم القيامة فبكفره يحترق عمله فأصيب هذه المصيبة فأي حسرة وأي ندم يكون عليه؟ هذا هو مثل سورة البقرة على الجنة التي احترقت.
يروي الإمام البخاري أن عمر رضي الله عنه أيام خلافته سأل من كان عنده من أصحاب النبي r: فيمَ ترون هذه الآية نزلت (أيود أحدكم أن تكون له جنة)؟ فقال بعضهم الله أعلم فعضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس رضي الله عنهما ابن عم النبي r صاحب العلم وكان حاضراً معهم وهو صغيرهم فقال: يا أمير المؤمنين في نفسي منها شيء لا أدري أصحيح هو أم خطأ؟ قال عمر: قُل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك فقال ابن عباس ضربت هذه الآية لعمل. قال عمر أي عمل؟ قال لرجل غني يعمل بطاعة الله (أي تتعلق بإنسان مؤمن صالح يعمل بطاعة الله) ثم بُعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله الصالحة بمعاصيه لله. فاستحسن عمر ذلك وارتضاه. لأن الرياء يبطل العمل والمعاصي تدمر الحسنات تصبح أكثر من الحسنات فتأكلها. هذا معنى خطير أن يكون الإنسان من أهل الصلاح وهو مطمئن لعمله الصالح لكنه يدمره فتكون حسرة عليه.
مثال آخر: آكل الربا يمثل له القرآن تمثيلاً عجيباً في سورة البقرة في آية في غاية الروعة والجمال يقول تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) البقرة) المثل هنا يمثل حال المرابين بالذين يمتصون دماء البشر. صوّرهم القرآن بهذه الصورة المرعبة صورة الممسوس الذي أصابه مسّ من الجنّ (أخذها كثير من الناس أن الجن يتلبس بالإنس فيسيطر عليه وينحكم به وأنا أريد أن أقف عند هذا وقفة: تلبس الجن بالإنس مسألة فيها إختلاف عند العلماء منهم من يعتقد بوجوده ومنهم من لا يعتقد بهذه السيطرة لأنها تتنافى مع التكليف والله تعالى قال (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) النحل) بالنسبة للمؤمن وكذلك ليس له سلطان حتى على الكفرة. في كلام إبليس لأهل النار (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) إبراهيم) في الحالين لا يوجد تلبس والتلبس ينفي التكليف فكيف أُكلَّف وأنا غير متحكم بنفسي؟ والرسول r يقول: رفع القلم عن ثلاث عن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستسقظ وعن الصبي حتى يبلغ. وما قال r وعن الممسوس حتى يفيق!). معنى الممسوس أي المصروع فالعرب يسمون المصروع ممسوساً. وإلا هناك خطورة في سيدنا أيوب لما قال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ص) هل يعني أنه تلبسه جنّي؟ كلا. تلبسه الشيطان اي أصابه مرض شديد.
الآية تمثل حالة المصروع وهذا إبتلاء من الله تعالى والمصروع إذا صبر له الجنة كما في قصة المرأة التي جاءت رسول الله r فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُصرَع فأتكشّف فادعُ الله لي، قال: إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت ولك الجنة، فقالت بل أصبر لكن ادعُ الله أن لا أتطشف لما أُصرع فدعا لها r فكان الصحابة يقولون إذا أردتم أن تروا إمرأة من أهل الجنة فانظروا إلى هذه المرأة. إذ الصرع إبتلاء وشكله مخيف هكذا يكون آكل الربا.
جريمة الربا التي يتساهل بها البعض جريمة خطيرة جداً. القرآن شبه آكل الربا بالممسوس أي المصروع الذي يتخبط كالمجنون فاقد الوعي والإحساس لأن الربا أثقل في بطونهم من هذا الممسوس في حالة فلا يستطيع أن يمشي سوياً. يقول سعيد بن جبير: تلك علامة أهل الربا يوم القيامة ذلك لأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ما دام هناك تراضٍ بين الطرفين فلماذا يكون حراماً؟ للأسف نظموا الربا في سلك البيع والشراء واعتبروه شيئاً واحداً قالوا إنما البيع أُحِلّ لأنه فيه فوائد والربا فيه فوائد وما عرفوا أن الربا فيه سلب لجهود الآخرين ومص لدمائهم فالعامل يتعب ويشقى ثم يحاول أن ينفق على أسرته ولحاجته يسلب منه آكل الربا حهده لذا كذبهم الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) صحيح هناك تشابه بين البيع (بيع المرابحة) والربا لكن الفرق أن هذا حلال وهذا حرام. أحل البيع لما فيه من تبادل منافع وحرّم الربا لما فيه من أضرار جسيمة وآكله مثل الوحش المفترس. ما يقال عن الربا أنه منافع هذا كذب صريح فمن أعطى درهمين بدرهم ضيّع درهماً لا يقول عوّضه بالزمن فالمال لا يتولد بالزمن وإنما بالجهد والتعب. ولذا جاء إعلان الحرب على المرابين فقال تعالى (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279) البقرة) إبن عباس رضي الله عنهما يقول: يقال لصاحب الربا إحمل سلاحك قال: لمَ؟ قال لتحارب الله. الله تعالى لم يعلن الحرب على السارق ولا على الزاني ولا على القاتل وإنما أعلنه على آكل الربا. وهل هناك وعيد أشد من ذلك؟ يقول سيد قطب عند الآية (كالذي يتخبطه الشيطان من المس) إن هذه الجملة مفزعة تصوير مرعب ما كان لأي تهديد مهما بلغت شدته أن يبلغ هذه الصورة صورة الممسوس المصروع ويقول مررت على معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام بهذه الصورة المفزعة هو القيام من القبور لا يقوم من الموت إلا كما يقوم الممسوس واليوم نراها على الأرض عملياً البشرية تتخبط بسبب هذا النظام الربوي الذي حكم العالم. العالم عالم قلق وخوف واضطراب على الرغم من كل مظاهر الرخاء والمادية. الحروب والاضطرابات أليس هذا حال إنسان فقد الوعي؟ البشرية كلها في عصر منكود وطغيان وإستغلال الإنسان للإنسان يتقاتل البشر وينتحرون من أجل المادية. هذا كله (فاذنوا بحرب من الله) عندما تنسون حال الفقراء وتصبح المسألة هذا الكسب الحرام مقدم إليكم فتكون أحوال المرابين كأحوال المصروعين الذين فقدوا الوعي.
الأمثلة في القرآن عظيمة وتهز الكيان ولنا معها وقفة.
الأمثال في القرآن:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
سحر القرآن نتناول فيه بعض من هذه البلاغة العجيبة التي في القرآن الكريم وكيف سحرت نفوس من تلقاها بقبول واستعد أن يفهم ما فيها أنا عندما أقرأ القرآن هكذا من طبيعة قرآتي بعد أن تعلمت هذا السحر الذي في القرآن، وهذا ما أتمناه أتمنى كل شخص منكم أن يفعل ذلك عندما يقرأ القرآن أن يقرأه بهذه الروح،أقرأ ليس لأجل أن أنهي الصفحات ولكن لأجل أن أقف عند كل كلمة وعند كل تعليق وعند كل حرف وعند كل ختام والله أحياناً أقرأ وأتأمل في نفسي هل يوجد في آية أو جزء من آية غير معجز أو فيه خلل في البيان، كلام عادي؟. أنا قرأت الإنجيل وقرأت التوراة وقرأت كتب الأدب العربي نجيب محفوظ وغيرهم وكتب الأدب الأجنبي توليستوي وفيكتور هيجو، قرأت ولكن قراءة القرآن شيء آخر لا أقول هذا لأني مؤمن صحيح والحمد لله أن أيماننا يدفعنا لهذا ولكن أقول هذا إنصافا بالتأكيد إن كتب الأدب استمتعت بقراءتها أكثر من قراءة التوراة المترجمة أو الإنجيل المترجم مع أن أصله من الله عز وجل ولكن اللغة الأدبية ركيكة جدا، وبالمناسبة الذين ترجموا التوراة والإنجيل أنا أدعوا إخواننا المسيحيين وأهل الكتاب أن يعيدوا النظر في الترجمة العربية خصوصاً فهي مليئة بالأخطاء الإملائية والقواعد والبلاغة أعيدوا النظر فيها فلا يجب للكتب المقدسة أن تترجم بهذه الطريقة لكن القرآن متعته متعة خاصة هدفي من سحر القرآن أن تشاركوني هذه المتعة وحلقتنا هذه سنستمر ما بدأنا به في الحلقة الماضية حيث سأعطيكم مزيداً من هذه الأمثال:
المثل الأول: نأخذ مثالاً من أمثال القرآن الكريم جاء المثل البديع في ضياع أعمال الكفار والمرائين يقول الله سبحانه وتعالى : (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) آل عمران) يمثل الباري عز وجل لأعمالهم الصالحة إنسان قام بأعمال صالحة وأنفق في هذه الحياة الدنيا بقصد ليس أن يرضى عنه الله بل بقصد أن يمدحه الناس ويحسنون ذكره ويمدحوه يمثل هؤلاء الذين هم أهل رياء بقوم زرعوا أرضهم وتعبوا في ذلك الزرع حتى إذا نمى الزرع واشتد وحان وقت الحصاد أرسل الله تعالى عليه ريح عاصفة ومدمرة فيها صر والصر هو البرد الشديد والخوف الشديد وكأن الكلمة عندما يسمعها السمع يشعر معها بالخوف هذه الريح أهلكت الزرع ودمرت الشجر والثمر ولم تترك لهم شيئا ينتفعون به كذلك حال الكافر أو المرائي يوم القيامة بعض الكفار يعملون أعمال صالحة كأن ينفقون على الفقراء و الأيتام ويبنون المدارس وغيرها حتى أصحاب الرياء قد يبنون المستشفيات ويطبعون المصاحف لكن هذه الأعمال الصالحة تأتي الريح العاصفة فتذهب بها ريح شديدة البرد فيها إحراق فتدمرها أما ببردها أو بإحراقها والسبب هو ذنوب أصحابها لأنهم ما أرادوا بها إرضاء الله سبحانه وتعالى القرآن يعبر عن ذلك فيقول ظلموا أنفسهم فيوحي بالسبب ما كان الله تعالى ليدمر زرعهم الذي أفنوا فيه أعمارهم دون سبب بل هو نتيجة إجرامهم وطغيانهم وثمرة بغيهم ولهذا تعقب الآية الكريمة بقول الله تعالى وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون أي ما ظلمهم الله بإهلاكه زرعهم وثمارهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكابهم مختلف الجرائم التي منها أما الكفر بمعاداة دين الله ومحاربة رسل الله فاستحقوا ذلك العقاب أوبالرياء لم يعملوها لله عز وجل، هذا مثل في كتاب رب العالمين.
هناك مثل آخر جميل وكل أمثال القرآن الكريم جميلة ورائعة هذا المثل الله سبحانه وتعالى يصور لنا فيه عباد الأوثان يقول الله تعالى في هذا المثل: الله سبحانه وتعالى يصور لنا فيه عباد الأوثان فيقول تعالى (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) الأنعام)
هذا مثل جميل رائع كثير من الناس يقرأ وه ولا يفهموه يقول الله سبحانه وتعالى لمن عبد حجارة لا تضر ولا تنفع مثله في تخبطه وضلاله كمثل الذي اختطفته الشياطين وأضلته والقته في هوة ساحقة كان الشياطين والجن أخذته من بيته والقته في وادي سحيق بعيد عن الناس والنجاة هذا تصوير وهناك شرح آخر يقول ابن عباس رضي الله عنهما : هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعوا إلى عبادة الأوثان ولمن يدعوا إلى عبادة الرحمن يمثل مقارنة بين الاثنين مثل عابد الوثن برجل ضل في سفره كان في سفر فضاع وبقي تائها حائرا لا يدري أين يسير وأين يتجه فجاءت الشياطين وبدأت توسوس له شيطان يقول له اذهب بهذا الطريق وآخر يقول له اذهب في ذلك الطريق فضيعته زيادة حتى سار في درب المهالك بعيدا عن رفاقه وبعيدا عن أصحابه وكان خائف خوف شديد هذا الذي يعبد الأوثان أو من يعبد غير الله أو يتبنى شيوعية أو يتبنى قومية أو أي شيء غير الإسلام غير دين الحق فماذا يحدث له يعيش في خوف ويعيش في عدم اطمئنان لذلك يلجأ ون إلى الخمر والمخدرات "ألا بذكر الله تطمئن القلوب غير هذا لا يوجد شيء ،بينما هو سائر في هذا الفزع وهذا الخوف يسمع صوت إخوانه يدعونه إلى الجادة والطريق يقولون له يافلان تعال أقبل هذا طريق الأمان وهو طريق الحق والإسلام إذا استجاب لهم فقد نجى وفاز وإلا فقد ضل وهلك فذلك مثل من يعبد الأوثان ويظن انه على نور وهدى أو يعبد أي دين آخر غير الإسلام فإذا جاءه الموت رأى الندامة والهاكة. يا له من تمثيل رائع في غاية البيان والجمال والإقناع مثل للإيمان والكفر فهذا من جمال أمثال القرآن.
المثل الآخر مثل من تلقى الأيمان ومن رفض الإيمان:
مثل آخر: (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (125) الأنعام) إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يضل إنسان يضله بسبب انحرافه هو، الله سبحانه وتعالى لا يضل أحداً بظلم هو انحرف (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) الصف)
هذه الآية الكريمة توقفنا عند حقيقة واضحة أن الأيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان وأن الهداية والضلال بيد الله عز وجل ولكن ننتبه أنه من كان قلبه مستنيرا مستضيئا بضياء الحق الله سبحانه وتعالى يساعده على ذلك فيشرح الله تعالى صدره للدين القيم لدين الإسلام إذا الذي يهتدي الله سبحانه وتعالى يزيد ه هدى الآن الذي زاغ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم نأخذ المثل الآخر هذا الذي زاغ عن الحق رفض الإيمان ورفض الدعوة ورفض منطق العقل الذي يثبت وجود الله عز وجل من كان أعمى القلب مطموس البصيرة ماذا يحدث له؟ أزاغ الله قلوبهم في هذه الحالة بسبب فعله هوالله سبحانه وتعالى يصرفه عن تذوق نور الإيمان فالإيمان نور والكفر ظلام فلما نزلت هذه الآية الكريمة بعض الصحابة قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذا المؤمن كيف يشرح الله صدره؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نور يقذفه الله في قلب المؤمن" لما أقبل والله إذا أقبلتم على الله ستجدون نور الله يقذف في قلوبكم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم نور يقذفه الله في قلب المؤمن أنت آمن يأتيك النور فينشرح وينفسح فقالوا هل لذلك أمارة نعرف بها إننا آمنا وأن النور جاء إلينا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "نعم الإنابة إلى دار الخلود، التفكير في الآخرة والتجافي أي البعد عن دار الغرور والإستعداد للموت قبل نزوله ".
نرجع الآن إلى مثلنا كأنما يصعد في السماء سبحان الله هذا من الإعجاز البياني والإعجاز العلمي في القرآن الكريم يقول الله تعالى يجعل صدره ضيقا شديد الضيق على الكافر ،المؤمن يعيش صدره منشرح وفيه أنس، الإمام ابن القيم له كلمة جميلة يقول: في القلب وحشة لا يملأه إلا الأنس بالله سبحانه وتعالى. أما الكافر فيعيش في وحشة ويعيش في ضيق شبه المبالغة في الضيق الذي يعيشه الكافر في ضيق صدره بأن يعلو ويرتفع في طبقات الجو حتى تكاد روحه تزهق وتتمزق من علم محمدا أن الذي يصعد في السماء يشعر هكذا ؟الآن معروف أن الذي يصعد في السماء تأتيه عوارض الاختناق نتيجة نقص الأوكسجين هذه حقيقة علمية يعرفها كل رواد الفضاء ومن يركب طائرة ينبهه الكابتن باستعمال الأوكسجين ومن صعد إلى جبل عالٍ يشعر بضيق تنفس هذا كله معروف كان المفسرين يقولون كمن يريد الصعود إلى السماء ولا يقدر لأن ليس بوسعه الصعود إلى السماء فما كانوا يعرفون إن الذي يصعد إلى السماء يقل عنده الضغط الجوي لم يكونوا يعرفوا هذا فيجعل صدره ضيقا حرجا لأنه ضاق عليه الأوكسجين فلا يستطيع التنفس تخيلوا إنساناً ليس عنده أكسجين للتنفس ماذا يحدث له؟ هذا هو حال الذين انحرفوا عن منهج الله فضاقت صدورهم بسبب ذلك.
مثل آخر: يقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) الأعراف) تصوروا هذا المثل معي هذا التمثيل البديع كيف يمثل دخول الكافر الجنة فيجعل الله المسالة عجيبة في الوصف .كلمة الجمل هو أما أن يكون معناها البعير والمعنى الآخر هو الحبل السميك العريض يسمى في لغة العرب الجمل. فتخيلوا إن جملاً بعيراً ضخماً عريض الجثة ضخم الهيئة يريد أن يدخل في ثقب الإبرة طبعا هذا مستحيل كما دخول الكافر الجنة وسم الخياط سم الفتحة والخياط الإبرة فسم الخياط هو ثقب الإبرة فتخيلوا هذا أو تخيلوا شخصاً يريد إدخال حبل عريض في ثقب صغير هل هذا ممكن؟ مستحيل هذا تمثيل في منتهى الإبداع وفي منتهى البيان وضح الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفرة الذين كذبوا بالقرآن مع وضوح إعجازه ومع سطوع بيانه ومع إثبات منطقه تكبروه عن الإيمان به وعن العمل بالقرآن لاتفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة بحال من الأحوال إلا إذا أمكن دخول الجمل سواء البعير أو الحبل السميك في ثقب الإبرة كما يستحيل هذا يستحيل دخولهم الجنة الجنة والله تعالى يقول (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) المائدة). وإتماماً لدخولهم جهنم ومكوثهم فيها يخبرنا الله تعالى ما أعد لهم في جهنم فقد هيأ لهم فراش وغطاء ماهو هذا الفراش وماهو هذا الغطاء يقول الله تعالى تقدست أسماءه: (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) الأعراف) أي لهؤلاء المجرمين مضجع وفراش من نار جهنم ولهم من فوقهم أغطية ولحف غواش من نار جهنم أيضا فهذا تمثيل لما يكونون عليه في نار جهنم فالعذاب الدائم يحيطهم من كل مكان (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) الزمر) فهذا تمثيل أيضا لنار الجحيم إنها تغشاهم وتحيط بهم من كل الجهات فسماها ظلل كأنها ظلال الإنسان يستمتع بالظل وهم يحيطهم الظل ولكن من نار هذا كله للتهكم والسخرية حيث أن الظل يستظل به الإنسان من الحر فكيف إذا كان هذا الظل هو من نار السموم فهي أشنع وأفظع تحرق أجسادهم والعياذ بالله .تمثيل رائع بديع ما أعجبه يقطع الأمل على كل من يكفر بالله عز وجل . أما عصاة المسلمين فرحمة الله واسعة (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) النساء)
فهما كانت لدينا من معاصي وذنوب فلنستعن بالله ولنرجع إلى الله ولو ظلينا في ذنوبنا ولكن نعرف إن هناك رب يأخذ بالذنب ويغفر الذنب عظيم فلا نصل إلى الكفر فما دمنا مؤمنين بمعنى أننا نؤمن بوجود الله تعالى عظيم خالق السماوات والأرض رب الناس إله الناس أرسل خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن فابشروا إن المؤمن له الجنة فالحديث هنا عن الكافر الذي رفض الأيمان أصلا.
أنتقل في الحاقة القادمة إلى صور أخرى من سحر البيان أستودعكم الله ورحمة الله وبركاته.
(طبعت هذه الحلقة الأخت أم ميس جزاها الله خيراً وتم تنقيحها)
القصة في القرآن الكريم
كنت أود أن آخذ فقط جانباً من جوانب الإعجاز وأفصّل فيه لأن حلقان البرنامج لا تكفي للحديث عن جانب واحد من جوانب الإعجاز وكنت أفكر أن آخذ جانب القصة لكن كيف أترك المثل؟ وإعجاز الحرف والكلمة؟ فقلت لعل الأجدى أن أفتح الباب للمشاهدين حتى يتأملوا معي وينظروا ويفكروا وليكون حافزاً لهم بأن يقرأوا في التفاسير وكتب البلاغة فيتعرفوا على سحر القرآن.
(وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) تأمل في القصة في القرآن وردت بصورتين رئيسيتين: مرة واحدة جاءت القصة كاملة وفصلة متسلسلة من بدايتها إلى نهايتها وذلك في قصة يوسف u. أما باقي القصص فجاءت مفرقة مقسمة موزعة. وهذا إعجاز كأن الله تعالى يقول أن القصة ليست هدفاً بحد ذاتها وإنما المعنى والعبرة هما الهدف. لذا قسّم قصة موسى u على أكثر من 72 موضع حسب حاجة الموضع وحسب المعاني التي يراد إثباتها في ذلك الموقع حتى لا يقال أن القرآن غير قادر على الإتيان بقصة كاملة فجاءت قصة يوسف لتعطي القصة بشموليتها.
لكن إذا تدبرنا قصة موسى u كيف رأى ناراً وردت في أكثر من سورة. كيف عبّر عنها القرآن؟ وما الإضافة في كل جزء؟
نجد في سورة النمل قوله تعالى (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7))، هذه الآية تشير أن موسى وأهله وضاعوا وهم محتاجون إلى من يدلهم على الطريق وأنهم في أيام برد يحتاجون لنار ليتدفأ بها هو وأهله. بينما هذه القصة جاءت في سورة طه بألفاظ مختلفة (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)) إذن موسى u محتاج لقبس ليشعل ناراً ومحتاج من يدله على الطريق. نفس المعنى بألفاظ أخرى جاء في سورة القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)). إذن نفس القصة ونفس الخبر لكن أعطي بصورة مختلفة بالإضافة أن هذا بلاغة وبيان عجيب. لكن لو تأملنا نجد أن كل قصة فيها إضافة تختلف عن الأخرى.
أتى الله تعالى بالقصة على ضروب وأشكال ليعلّم أعداء القرآن عن عجزهم عن جميع هذه الطرق فإذا كنت من أهل الصنعة في البلاغة فاعمد إلى أي قصة وعبّر عنها بأفضل أسلوب لديك ثم اكتبها بأسلوب ثانٍ بنفس درجة البلاغة ثم اكتبها بأسلوب ثالث بنفس درجة البلاغة هل يستطيع أحد ذلك؟ فإذا أردت أن تتحقق من ذلك وكنت من أهل الصنعة فاعمد إلى أية قصة في القرآن أو حديث وعبّر عنه بألفاظ من عندك ثم تبيّن النقص حتى تعرف عظمة القرآن. من يستطيع أن يعيد القصة مرات عديدة في كل مرة بأسلوب مختلف وفي كل مرة بأعلى درجات البيان والبلاغة وفي كل مرة إضافة بسيطة تعطي معنى جديداً بحيث لم جمعتها كلها تحصل على القصة كاملة.
لما جاءت الملائكة لإبراهيم u جاءت بصورة بشر ليخبروه أنهم سيدمروا قوم لوط ويبشروه بأنه سيأتيه ولد وهو u من كرمه ذهب ليذبح لهم عجلاً ففي آية وصف (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) الذاريات) وفي آية أخرى (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود) أي مشوي، هنا إضافة. جاء بعجل سمين مشوي وهذا يدل على درجة كرمه ويعطينا تفاصيل القصة. لن نعرف تسلسل القصة إلا إذا نظرنا في كل تفاصيلها. القرآن يضرب القصة لا لأجل القصة وإنما لأجل المعاني من ورائها ثم يدعك تفكر وتجمع القصة وتتأملها وهنا يتبين أهل العلم عن غيرهم. ويمكن للقرآن أن يأتي بالقصة في سورة واحدة كما جاء في قصة يوسف u.
يصعب في حلقة واحدة أن نجمل الإعجاز الذي جاء في القصص لكن نشارك معكم بعض الإعجاز في هذه القصص. قصة يوسف u الوحيدة التي جاءت مكتملة من أولها إلى آخرها وهذا فيه إعجاز للذين قالوا أن القرآن لا يستطيع أن يأتي بقصة كاملة فجاءت قصة يوسف. قصة يوسف فيها إعجاز ليس فقط في حبكة القصة واكتمال كل عناصر البلاغة والبيان والفن في القصة وإنما في الحكم والمواعظ وتصحيح التاريخ الذي كان يظنه بنو إسرائيل. ونستعرض شيئاً من إعجاز القرآن في قصة يوسف.
(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) هذا قرآن عربي وأنتم أهل البلاغة والبيان فاتوا بمثله. ثم بدأت القصة (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)) عادة نمر على هذه الآية ونعتقد أنها تعبير بسيط لكن حاولوا أن تعبروا عن معناها باسلوب مشابه. نقف على بعض الآيات في القصة: لما راود إخوة يوسف أباهم أن يأخذوا يوسف معهم قال يعقوب u (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)) كأنه هو الذي أوحى لهم بهذا وهذا يدل على كذبهم أنهم لما جاءوا قالوا أكله الذئب. لما ذهبوا ورموه في الجب قالوا (قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)) إذن هم ليسوا صادقين بل كاذبين فعرف يعقوب u ذلك وخاصة لما جاءوا على قميصه بدم كذب (وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) فقال (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)). ولما بلغ يوسف أشده وصار في بيت العزيز (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)) لما راودته امرأة العزيز جاء الهمّ في أبلغ كلمات: هي تريد الفاحشة وانظر تعبير القرآن عن هذه القصة! أما في الإنجيل ففيه تصوير مقزز لهذه العلاقة بتفاصيلها. لم يذكر القرآن حتى اسمها حتى لا يشنّع عليها وإنما قال (التي هو في بيتها).
والتعبير بـ (عن نفسه) (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ (23)) يقول أهل البلاغة لم يستعمل في لغة العرب هذا اللفظ من قبل فالقرآن يأتي بتعابير رائعة ولا يريد أن يعبر عن المسألة يتفاصيلها لأنها موضوع حساس (ولهذا يجب أن لا نتحدث بهذه المسائل علناً كما يحدث للأسف الآن على المحطات التلفزيونية وعلى صفحات المجلات وفي كل وسائل الإعلام) وذلك حتى يبقى للمجتمع ذوقه وأدبه. أي إعجاز هذا!
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)) هل همّ بها؟ كلا لم يهمّ لأنه رأى برهان ربه وهذا من إعجاز القرآن في قصة يوسف.
الله تبارك وتعالى مدح سيدنا يعقوب في قصة يوسف بأنه (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (68)) لماذا مدحه بالعلم؟ إذا قرأنا سورة يوسف من جديد ننظر في كل مرة يتكلم فيها يعقوب u ستجد شيئاً عجيباً فهو لا يتكلم إلا ويذكر الله سبحانه وتعالى في كل آية نطق بها يعقوب. هذا عجيب. فمدحه الله تعالى بالعلم لأن ذكر الله دائماً على لسانه. من يستطيع أن يذكر الله في كل جملة يقولها؟ هكذا كان يعقوب u فمدحه الله تعالى.
قال القرآن على لسان يعقوب (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86)) هذه الآية صارت شعاراً لكل محزون أنه لا يشتكي لبشر لأن الشكوى لغير الله مذلّة. وهناك أمثلة عديدة للإعجاز في قصة يوسف.
ننتقل إلى قصة أخرى: قصة سليمان u في سورة النمل. في قصة سليمان u مع بلقيس ملكة سبأ شيء عجيب في الإختصار للقصة بعدما ذكر الهدهد لسليمان أنه وجد ملكة وأنها تعبد وقومها الشمس دون الله (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)). إختصار للقصة (اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)) إختصار لأوامر سليمان u للهدهد ثم ينتقل المشهد إلى سبأ كأن الهدهد وصل إلى اليمن وألقى الكتاب فتنتقل الآيات لمشهد آخر ولمكان آخر لأن التفاصيل لا داعي لها، إنما سقط الكتاب على بلقيس فجمعت أركان الدولة (قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) ). بين المشهدين أحداث كثيرة لكن القرآن الكريم يتجاوزها ليصل إلى غاية المعنى (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)) أي إعجاز في هذه الآية ! يقول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم معناه يؤمن بالله والكتاب بسم الله الرحمن الرحيم وفيه إختصار الرسالة بأمرين (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)): أن لا تعلوا علي (أي اتبعوني) وأتوني مسلمين (أي أسلموا لله رب العالمين)، من يستطيع مثل هذا الإيجاز والإعجاز؟!. ويستكر الإعجاز بعدما شاورت بلقيس الملأ فقالت (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)) علّق القرآن على كلامها لأنه صحيح فقال: (وكذلك يفعلون).
إقرأوا القرآن واستمتعوا بقصص القرآن فإنه ستفتح لكم أبواب من الفهم بالقرآن تتلذذون بعده بالمعنى والبيان في كل كلمة.