سحر القرآن

د. طارق السويدان

رمضان 1427 هـ


الحلقة 25:

هيكل السورة القرآنية وترتيب القرآن

في هذه الحلقة سأتحدث عن موضوع خاص قل من يتطرق إليه وهو موضوع الترتيب في القرآن. أما ترتيب السور والآيات فهذا أمر توقيفي أي من الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يمسّ وجاءت الأحاديث تنص على ذلك منها حديث عثمان بن العاص: كنت عند النبي r فشخص ببصره ثم قال: جاءني جبريل فقال: ضع هذه الآية في هذا الموضع من هذه السورة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان). ولما سُئل ربيعة: لمَ وُضِعت آل عمران والبقرة في مقدمة القرآن وقبلهما أكثر من ثمانين سورة؟ فقال إن الذي ألّف القرآن أمر بتقديمها (التأليف بمعنى الجمع أي جمعه ورتّبه). نحن لن نتحدث عن هذا الأمر لأن هذا كما ذكرنا أمر توقيفي خاص وإنما نتحدث عن ترتيب الآيات والتعليقات على الآيات داخل السورة.

القرآن الكريم له ترتيب معين والسورة القرآنية كذلك فيها ترتيب معين. يتألف القرآن من سور مختلفة لكلٍ منها إسمٌ خاص أُخِذ في الغالب مما عالجته السورة من المعاني أو ما تحدثت عنه من إنسان أو حيوان أو من بعض الكلمات التي في السورة. وتنقسم سور القرآن إلى قسمين:

  1. قسم يتكون من موضوع واحد فقط وقضية واحدة وهذا غالب في السور القصيرة تعالج موضوعاً واحداً مصل سورة الفيل والإنشقاق والنبأ وقريش وغيرها.
  2. والقسم الآخر تتكون من موضوعات شتى وهذا القسم الغالب في السور مثل سورة البقرة وآل عمران وغيرها.

ونتساءل هل كان الأجدى أن يُرتّب القرآن – لو كان جائزاً – بحسب موضوعاته؟ مثلاً الآيات التي تتعلق بالمواريث ترتب مع بعضها وآيات الجهاد والعقيدة وقصص الأنبياء؟ أو الأفضل أن يبقى حكمه وقصصه مخلوطة على الصورة الحالية التي هي موجودة في القرآن والتي رتبها الوحي الذي جاء إلى النبي r؟ ضعيف البصر وغير المتأمل قد يتصو أن العلاقة بين الآيات في السورة الواحدة غير واضحة والأفضل أن يعاد تأليف القرآن تأليفاً إنسانياً : الباب والفصل والفرع، وهذا قول قديم تكلم فيه بعض القدماء من الرجال الذين أسلموا وغير المسلمين ومن المعاصرين المسلمين وغير المسلمين. أمام هذا التساؤل نقول: ما هو موضوع القرآن؟ وما هو الهدف الذي يرمي إليه القرآن؟

القضية الرئيسية وموضوع القرآن هو التوحيد، توحيد الله تعالى، غرس عقيدة التوحيد في نفس الإنسان وانتزاع ما يخالف هذه العقيدة من الضمير. فإذا آمن الإنسان بهذه العقيدة دُعيَ إلى العمل الصالح بناء على هذه العقيدة: أن يطيع الله الواحد الذي خلق السموات والأرض والله تعالى أعان الإنسان على العمل الصالح فسنّ له القواني التي تهذّب الفرد وتهذب الجماعة. فإذا كان هذا هو الهدف، فما هي الوسيلة للوصول إلى هذا الهدف؟ لكي يحمل الإنسان على إتّباع ما يدعو إليه يمزج الدعوة بالتوحيد بالحثّ على اتّباعها بضرب المثل بمن آمن واتّبع ونجح ويضرب المثل بمن ضلّ وضاع، ويتبع الحديث عن المؤمنين وعندما يتكلم عن المؤمنين بيّن الأحكام التي يجب أن يتبعها هؤلاء المؤمنون ويعقّب بالترغيب أحياناً وبالترهيب أحياناً أخر، وإذا آمنتم يذكر لكم الجنة ولذّاتها ويذكر لكم عقاب الذين لم يتّبعوا وعقابهم جهنم وبئس المصير. في كل ذلك يراعي الله تبارك وتعالى الغريزة الإنسانية والنفس البشرية في مختلف ظروفها وأحوالها وقد يستعين القرآن لأجل الوصول إلى هدفه بأمثلة تاريخية وقصص غابرة وأمثال وقصص الأنبياء وملها ليؤكد (آمِنوا بالله الواحد). وما فرض عليكم من عقيدة بالملائكة والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر وحوّلوا هذا الإيمان إلى عمل صالح، ذلك هو منهج القرآن ينتقل بين الأغراض المختلفة ليست عشوائياً وإنما لسبب. صلات وثيقة تربط بين هذه الأغراض بحيث تتضافر للوصول إلى الغاية المقصودة وهي توحيد الله الواحد والإيمان بالعقيدة الواحدة وأن نسير على نهج العمل الصالح وقت ما أمر وإلا فهو التحذير والإنذار. وإذا اتّبعنا فالنجاح والفلاح والبركات في الدنيا والجنة وما فيها من نعيم فيصفها لنا بكل تفصيل.

فإذا أمعنا النظر في الآيات سنجد المنهج واضحاً تماماً في كل آية وكل سورة. إذن نلخّص – بعد سنين من التأمل - أن موضوع القرآن الرئيسي هو توحيد الله عز وجل وأربعة مواضيع فرعية. الموضوع الرئيسي توحيد الله عز وجل وبالتالي هناك آيات كثيرة تتكلم عن الله تبارك وتعالى وصناعته وعظمته والأدلة الكونية على وجود الله تبارك وتعالى، ثم الحديث على العمل الصالح والأحكام التي تلزم المؤمن والشريعة والأخلاق التي يجب أن يسيروا عليه، ويتبع هذا بالحديث عن قصص الأنبياء ويرينا الذين اتبعوا الأنبياء كيف أفلحوا والذين لم يتبعوا كيف خابوا. وبناء على ذلك الآخرة وتوصيف للآخرة وأحوالها وتوصيف للجنة والنار. وهذه المواضيع المتتالية هي التي تشكل لنا كتاب الله عز وجل، ويتبعها بأصناف الناس هذا مؤمن وهذا منافق وهذا كافر. هذا بإختصار خلاصة القرآن: الموضوع الرئيسي للقرآن هو توحيد الله الواحد خالق السموات والأرض والتعرف عليه وعلى صفاته من خلال الأدلة الكونية والفلسفية هذا هو الموضوع الأول. فإذا آمنا مطلوب أن نعمل العمل الصالح أي إلتزام بأحكام، ثم يبين فصص الأنبياء وفصّل فيها لنعرف أن الذين اتّبعوهم أفلحوا والذيم لم يتبعوهم فشلوا في الدنيا والآخرة والموضوع الرابع الآخرة ويذكر ماذا يحدث لنا إذا أطعنا وما يحدث للمؤمن وما يحدث بالمقابل للكافر, وبناء عليه يصنّف الناس إلى ثلاثة أصناف رئيسية: مؤمن، منافق وكافر.

سورة البقرة في بداياتها تصف المتقين ثم الكفار ثم المنافقين وتتوالى الآيات في السورة على هذا النمط العام وهذا الترتيب فيه فلسفة ومنهجية. فرق بين القرآن وبين الكتب الأخرى أن هذه الكتب لها موضوع واحد أما القرآن فلا يريد هذا وإنما يريد القرآن عندما يقرأة الإنسان أن لا يغفل عن موضوع التوحيد وغيره من المواضيع. ففي سورة الطلاق الحديث عن التقوى والتقوى تجدها تقريباً في كل آية. موضوع رئيسي الله ومواضيع فرعية أخرى. أحكام وأخلاق وأصناف الناس وقصص الأنبياء والحديث عن الآخرة عن الجنة والنار.

دعونا ندخل في تفاصيل الآيات: إذا أمعنا النظر في الآيات وقفنا على الأمور التالية: قد تكون الآية الثانية صفة للآية الأولى مثلاً قوله تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26)) أخذ كلمة الفاسقين ثم فصّل صفاتهم في الآية التي بعدها (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)) أي أن الآية الثانية تفصيل لكلمة في الآية الأولى.

وقد تأتي الآية الثانية تأكيد للآية السابقة مثل (قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94)) كلها تأكيد على فكرة أنهم لا يحبون الحياة (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)).

وقد تكون الآية الثانية رد على ما في الآية الأولى مثل (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (80)) وهذا كلام غير صحيح فيأتي الرد في الآية الثانية (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)) الذي يُشرك هو من أهل النار.

وقد تحمل الآية الثانية فكرة مضادة لفكرة تسبقها مثال (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)) تتكلم عن تحدي الكفار بالاتيان بمثل هذا الكتاب هذا حال الكفار وبالمقابل (وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)) هذا حالهم في مقابل الذين يستحقون النار. إذن لا يوجد ترتيب عشوائي وهذا ترتيب مقصود وليس اعتباطياً.

وقد تكون الآية الثانية تعليل وتبيين وتفصيل للسبب أو للحكم الذي ورد في الآية السابقة مثال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (178)) لماذا القصاص؟ (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فرض القصاص لأجل إحياء البشر وبدونه تفسد حياة الناس (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)).

وقد تكون الآية التالية تحبيباً أو تبغيضاً للآية السابقة فإذا كانت الدعوة لشيء صالح يأتي بعدها تحبيب فيها وإذا كانت الدعوة لشيء سيء تنهى عنها وتبغّض فيه، مثال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)) (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) ترغيب وتحبيب أن يكون الإنسان من هذا الصنف. بعدما تكلم عن المؤمنين إنتقل إلى الكلام على الكافرين (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6)) ثم ينتقل إلى الحديث عن المنافقين. إذن تكلم عن المؤمنين وبيّن صفاتهم ورغّب فيهم ثم ذكر الكفار وصفاتهم ثم المنافقين وصفاتهم.

وقد تكون الآية داعماً للآية السابقة وتأكيد لها (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)) وبعدها (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164))

إذن كلها تأكيد وتفصيل أن الله تعالى واحد لو كنا نعقل. إذن الصلة وثيقة بين الآية والآية لكن إدراك هذه الصلة يتطلب تريّث وتدبر. انظروا لقوله تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة) وقال بعدها (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)) قبلها يتحدث عن الكفار يصدون عن سبيل الله ثم يقول ومن أظلم ممن يفعل هذا لكن إذا منعوكم من المساجد قال تعالى بعدها (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)) كفّار يصدون عن سبيل الله إذن ستدمر المساجد إذن صلّوا في أي مكان لن يستطيعوا أن يمنعوكم.

هذا الكتاب في كل آية معجز وفي كل إنتقال من آية إلى آية معجز لو تأملنا وقرأنا القرآن بتأمل لاستمتعنا بسحر القرآن.

الحلقة 26:

نماذج من التصوير الفني في القرآن:

نتكلم عن التصوير الفني في القرآن كيف يحوّل الله تعالى المعاني والعِبَر إلى صور حيّة فيها حركة وحياة وحوار. يرسم لنا القرآن صورة تعبر عن هذا المعنى الإنساني بصورة حيّة فقال عن هؤلاء الكفار أن أعمالهم الصالحة ليس لها قيمة يوم القيامة لأنها خلت من الإيمان. سألت عائشة رضي الله عنها النبي r عن عبد الله بن جدعان وكان من الأغنياء الكبار في الجاهلية وكان قد وجد كنزاً فكان ينفق منه وكان مشهوراً بالجود والكرم فقال r: هو في النار. لأنه فعل هذه الأعمال ليس لله تعالى وإنما طلباً لمدح الناس وقد أخذ نصيبه من المدح في الدنيا. يقول تعالى عن أعمال هؤلاء الكفار ليس لها قيمة ولا يستطيعون أن يجمعوها يوم القيامة لأنها تفتتت. قارنوا هذا بما ذكره القرآن الكريم والصورة التي وصف بها أعمال الكفار يقول تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (23) الفرقان) إذا وقفتم في بيت وأشعة الشمس داخلة فيه تجدون أشياء صغيرة تتحرك هذه تسمى هباءة يعبر عنها القرآن أنها شيء صغير جداً، كل أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا جعلها الله تعالى هباء منثوراً، تخيل إنساناً يريد أن يجمه هذا الهباء ويريد أن يصنع منه شيئاً مهما حاولوا أن يجمعوها ليس لها أهمية ولا قيمة ولا وزن.

صورة أخرى بنفس المعنى أن أعمال الكفار لا قيمة لها يقول تعالى (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ (18) إبراهيم.) الكفار أعمالهم لا قيمة لها يوم القيامة. يصور لنا القرآن إنساناً عنده رماد عصفت به الريح في وقت عاصفة وهو يريد أن يجمع الرماد الذي طار، تخيل هذا المشهد هل يستطيع أن يجمع شيئاً؟ كلا، كذلك الكفار لا يستطيعون يوم القيامة أن يقدموا شيئاً لأنه رماد. إنظروا كيف حوّلته الصورة من معنى ذهني إلى صورة إنسان عنده أعمال كثيرة لكن لأنه كافر تبددت هذه الأعمال يصورها بإنسان في الدنيا عنده رماد عصفت به الريح ولا يمكن أن يجمعه، انظروا إلى جمال التصوير وكيف نقل الصورة الذهنية إلى صورة حسية أمام أعيننا. أي إعجاز هذا؟! تأملوا القرآن وعيشوا مع الصور.

مثال آخر: صورة صدقة من إنسان كافر ومن إنسان يدّعي الإيمان يتصدق وهو مرائي وصورة ثالثة لإنسان مؤمن يتصدق خالصاً لله رب العالمين. صورة المسلم الذي يتصدق ويمنّ على من يتصدق عليه وهذا ليس من خُلُق المؤمن، قارنه بمن ينفق إبتغاء مرضاة الله. الصورة الأولى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) البقرة) يبشّع لنا الأمر بأن المؤمن ينبغي أن يتصدق وأن لا يتبع صدقته بالمنّ فالقرآن يبشّع المنّ (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) هذا المنافق وإنفاقه رياء لأجل المدح فضرب تعالى صورة هذا المنافق الذي ينفق ابتغاء المدح كمثل صفوان أي الحجر اليابس الذي عليه طبقة رقيقة من التراب أنت ترى التراب ولا ترى الحجر فتظن أن هذه الأرض أرض خصبة فإذا نزل مطر شديد أو وابل تركه صلداً فظهر أنه حجر وزالت طبقة التراب الرقيقة ويتبين أنه لا يُنبت خيراً. فالمنافق يحاول أن يغطي أعماله بطبقة رقية لا يعطي خيراً. فيقول القرآن أيها المؤمن لا تعمل مثل هذا المنافق.

قارنوا هذا بالمثل الذي يضربه بالمؤمنين الذين ينفقون مخلصين (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) البقرة) يضرب القرآن مثلاً حسياً للمؤمن الذي يريد وجه الله (كمثل جنة بربوة) الجنة هي بستان كثيف الأشجار تغطي ما فيها هذه الجنة بربوة أي مكان مرتفع كله أرض خصبة ليس فيه أحجار صلبة وليس فيه صفوان من أعلاه إلى أسفله. هذه الجنة أصابها وابل مطر فأتت أكلها ضعفين فأنبتت ثماراً ضعف العادة لأنه مطر شديد ولو نزل مطر قليل خفيف يكفيها هذا المطر الخفيف من أجل أن تثمر عند الله تعالى وحتى لو كان الثمر قليلاً لكنه عند الله عظيم والله تعالى يكثره. المقابل هناك حجر وهنا ربوة وهناك تغطية بطبقة رقيقة من التراب وهنا جنة وهناك المطر كشف الحجر وهنا أنبت وآتى الأُكل ضعفين، يكفيها المطر الخفيف لتنبت من كثرة خصوبتها وخيرها. ولهذا يجب أن تكون نفقتك بدون منّ ولا أذى وإلا تحولت إلى صفوان وتذكر أن تكون نفقتك إبتغاء مرضاة الله تعالى حتى تؤتي أكلها ضعفين.

الآن ننظر في صورة إنفاق الكافر الذي ينفق ويرجو الخير من وراء إنفاقه أن يذكره الناس والله تعالى يصف مشهدهم فيقول (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) آل عمران) ريح فيها برد شديد ومن شدة البرد تصطك أسنان الإنسان فكأن هذه الكلمة (صِرّ) تصف لنا هذه المسألة كأنها قذائف تقذف أصابت حرث قوم (وذكر كلمة حرث ليدل على أن الإنسان سعى وبذل جهداً كبيراً وينتظر الحصاد) قبل أن يأتيه الحصاد جاءت ريح وبرد شديد فأهلكت الثمار فيقول تعالى (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) هذا إذن الذي ينفق وهو كافر قبل أن يستفيد من حرثه جاءته ريح فأهلكت الحرث وهكذا أعمال الكافر يوم القيامة الله تعالى يهلكها وليس لها قيمة.

مثال آخر (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) الحج) صورة المشرك الذي يحاول أن يُظهر نفسه بالمظهر الحسن في الدنيا ويكسب الأنصار والأصحاب وهذا مثل عجيب. هذا المشرك ليس له نصيب، منظر وتصوير عجيب! تخيلوا إنساناً ساقطاً من السماء لا ندري من أين جاء وقبل أن يصل إلى الأرض جاء طير مسرع فاختطفه أو جاءت ريح شديدة فأنزلته في مكان سحيث ليس له نهاية. هذا الإنسان كأنه ليس له بداية ولا نهاية. وصف عجيب! والمشكر ليس له أصل وليس له نهاية محمودة وإنما له نهاية مزعجة. لاحظوا كيف صور القرآن المعاني الذهنية بصورة مجسدة. هذا نموذج من التصوير الفني في القرآن وفي الحلقة القادمة سنتحدث عن التصوير الفني للحالات النفسية التي بين الإنسان ونفسه ولا يتحدث بها لأحد يكشفها القرآن ويصورها تصويراً دقيقاً كأنها مجسمة أمامنا.

الحلقة 27:

التصوير الفني للحالات النفسية:

في هذه الحلقات نتناول موضوعاً خاصاً من سحر القرآن ومن بيان القرآن ألا وهو موضوع التصوير الفني في القرآن. وأحسن من تكلم فيه وأجاد والوحيد الذي له مؤلّف في هذا الموضوع هو سيد قطب رحمه الله بعنوان " التصوير الفني في القرآن". في هذا الكتاب يكشف لنا سيد قطب أسلوباً خاصاً في القرآن – هو موجود في لغة العرب – لكنه خاص في القرآن حيث أنه موجود في كل صفحة من القرآن. ويقول سيد قطب : لما كنت أبحث في هذا المسألة بدأت بكتابة مقال ثم توسعت وكنت أظن أنني سأجد لمحات بسيطة لكن الذي لاحظته أنه في قضية التصوير أن هذ الأسلوب هو المفضل في القرآن وهو التصوير الفني. وعندما قرأت كتاب سيد قطب ما عدت أقرأ القرآن بنفس الصورة فالقرآن مليء بالصور ونجده في كل سورة من سور القرآن. بيّنا كيف يحول المعاني مثل الصدقة بإخلاص والصدقة برياء يحولها إلى صور حسية واليوم نتحدث عن تحويل الحالات النفسية والمشاعر داخل الإنسان التي لا يكشفها يحولها القرآن إلى صورة محسوسة كأنها تتمثل أمامنا.

تجسيد المعاني بصور حسية في التصوير الفني في القرآن:

إذن كما يصور لنا الله تعالى المعاني بصور حسية كذلك يصور الحالات النفسية بصورة مجسمة أمام أعيننا. ننظر الآن كيف يصور حالات النفس وداخل النفس فيريد تعالى أن يبرز لنا الحيرة التي تنتاب المرتد الذي أشرك بعد التوحيد، هو محتار هل يرجع للتوحيد أو يبقى على الشرك؟ هذه الحيرة حالة نفسية للمرتد يقول تعالى أنتم لا تعرفوا حاله ولكن أنا سأصورها لكم (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) الأنعام) لما تجدوا كلمة (مثل) أو حرف الكاف (ك) في القرآن معناه أن الله تعالى سيصور لنا صورة ستتجسد أمامك الآن. صورة المرتد (ونرد على أعقابنا) ليس هناك من شرح لنا الحالة النفسية للمرتد لأنه يتظاهر أنه مقتنع بردّته ولا يكشف ما في نفسه إلا الله عز وجل فقال تعالى (كالذي استهوته) هذا الوصف القرآني (إئتنا) أي إرجع لنا، إرجع للإيمان. تخيلوا صورة إنسان واقف وعلى يمينه أصحابه المؤمنون يدعونه ويقولن له إئتنا والشيطان على يساره يستهويه ويجره للهوى ويجره للشهوات والمرتد واقف في الوسط حيران متردد يعرف أن هذا الدين حق لكنه يتظاهر بأنه مقتنع ويجادل ولكن في داخل نفسه هو حيران لأنه ذاق حلاوة الإيمان وعنده أصحابه المؤمنون الصالحون يرغّبونه بالإيمان ويحاولون أن يعيدوه لكن في نفس الوقت هواه والشيطان يجرّانه في الإتجاه الآخر فهو متردد بين الأمرين. أي وصف عجيب يصف القرآن لنا هذا الأمر!.

مثال آخر: ويضرب لنا الكتاب الكريم ويكشف لنا عن حال هؤلاء الذين هيّأ الله تعالى لهم العلم والمعرفة فلم يعمل هذا الإنسان بهذه المعرفة ولم يستفد من العلم. شاب صالح ينشأ في بيت علم، العلم هُيّأ له ثم يفر من طريق العلم. العلم مهيّأ له ولكنه لا يأخذه. التعبير البشري الذي يدل على وضع هذا الإنسان أنه غير مستريح بالمعرفة ليأخذها وانظروا كيف صور القرآن لنا هذه المسألة: الإنسان الذي أُعطي العلم ولم يستفد منه ولم يبني عليه (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) الأعراف) هيأنا له العلم ففر من طريق العلم وذهب في طريق آخر فمشى الشيطان وراءه فكان من الغاوين (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) ولو أراد الله لهذا الإنسان إذا رأى الإخلاص منه أن يستجيب للهدى لانتفع بهذا العلم. العلم مهيّأ أمامه وانسلخ عنه، هذا هو المعنى كأنه كان لاصقاً فيه (يقال انسلخ للجلد فكأنما العلم لم يكن عميقاً ولو كان عميقاً في نفسه ما تركه). يقول تعالى عن هذا الذي ترك العلم وسار في طريق الغواية (ولكنه أخلد إلى الأرض) وضرب مثلاً سيئاً جداً لهذا الإنسان (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)) صورة بشعة جداً كلب يلهث وهو مرتاح ويلهث وهو يجري وهو متعب. يصور لنا القرآن حالة الإنسان الذي ترك العلم وبدأ يلهث وراء الشهوات ويجري وراء الدنيا كالكلب. هذه حال الذي يترك العلم وينشغل بالدنيا. صورة عجيبة يصورها القرآن.

مثال آخر: صورة أعجب يصفها الله تعالى في القرآن وهي صورة الإنسان الذي آمن ولكن لم يستقر الإيمان في قلبه فهو مؤمن لكنه متزعزع العقيدة، مؤمن ويريد أن يكسب مكاسباً دنيوية من إيمانه، يريد أن يستفيد من عقيدته، هو مؤمن ولكنه راغب في الدنيا أكثر من الآخرة وهذا حال معظم أمتنا اليوم: مؤمنين لكنهم متعلقين بالدنيا أكثر من تعلقهم بالآخرة يقصّر في الفرائض من أجل شهوات أو مال أو مباراة أو حفلة غنائية، يقول تعالى عنه (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج) الحرف هو حافة الهاوية، تخيل إنساناً يصلي واقف على حافة الهاوية خطوة واحدة ويسقط (فإن أصابنه فتنة) أي إبتلاء، أي شك، أي حديث في قضايا الدين يجعله يتشكك (إنقلب على وجهه) على وشك أن يسقط في الفتنة. الذي يفعل مثل هذا المتعلق بالدنيا وإيمانه محدود وأداؤه للفرائض محدود يبقى له دفعة واحدة ويسقط في الدنيا. فهو المؤمن الذي على وشك أن يسقط كالواقف على طرف هاوية. سبحان الله وصف هذا الوصف العجيب! (خسر الدنيا والآخرة) فأي تصوير عجيب لهذا المشهد!

مثال آخر: وتصوير عجيب للذين انشغلوا بالدنيا والشهوات ولا يذكرون الله إلا إذا أصابتهم مصيبة ولا يصلّون إلا وقت الشدة أما وقت الرخاء فلا يقومون بشيء قال تعالى (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) يونس) ثم يأخذ صورة أناس ركبوا سفينة في البحر (حتى إذا كنتم في الفلك) أي في السفينة (وجرين بهم بريح طيبة) تجري في البحر بريح هادية تحركها دخلوا في البحر ومنشغلين بجمال البحر هذا وصف الإنسان المشغول بشهواته يقول تعالى (جاءتها ريح عاصف) هبت ريح عاصفة. انظروا الوصف كأنك تعيشه! (وظنوا أنهم أحيط بهم) جاءهم الموت من كل الجوانب. هذه اللحظات لحظات الشدة (دعوا الله) يدعون ربهم أن تذهب منهم المصيبة ويعودون إلى الله. مثّل الله للذي لا يذكر الله إلا وقت الشدة بهؤلاء (فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (23)) قد يذكرون الله بشيء بسيط وقد لا يذكرون وللأسف من المؤمنين من لا يذكر الله إلا وقت الشدة أما وقت الرخاء فيكون من المفسدين. انظر جمال القرآن ينقلنا من وصف معنوي إلى صورة حسية مجسدة أمامنا.

مثال آخر: يجمع القرآن كل شيء، يحدثنا عن قصة ويصف المعاني والحالات النفسية في صور. ننظر في الآية 9 من سورة الأحزاب. مثال غزوة الخندق التي فيها جاءت قريش وحلفاؤها وحاصروا المدينة واحتمى جنود المسلمين في الخندق فلما اشتد الحصار وبدأ اليهود يهود بنو قريظة الذين كان يحمون جنوب شرق المدينة خانوا العهد كعادتهم والأحزاب جاءوا من شمال المدينة واليهود نقضوا العهد جنوب المدينة وبدأ المنافقون يختلقون الأعذار ويقولون للنبي إن بيوتهم مكشوفة وغيره من الحجج والرسول r يأذن لهم وضاق الأمر بالنبي r ولم يبق معه إلا 300 صحابي والأحزاب كانوا عشرة آلآف واليهود كانوا 700 وضافت عليهم الدنيا واشتد الأمر على المسلمين. يصف تعالى المشهد بكلمات معجزة بوصف القرآن وهو يختلف عن كل وصف جاء في كتب السيرة على لسان البشر. يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) تذكروا كيف نجوتم من الخندق (إذ جاءتكم جنود) جنوداً لم تروها اي الملائكة تخيفهم والريح تعصف بهم (وكان الله بما تعملون بصيرا) اذكروا كيف أن الله تعالى أنقذكم من هذه المعركة وحه بالملائكة والريح. (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (إذ جاؤكم من فوقكم) الأحزاب (ومن أسفل منكم) اليهود وزاغت الأبصار من شدة الخوف وبلغت القلوب الحناجر فكأن كل واحد صعد قلبه وصار إلى حنجرته من شدة الخوف وتظنون بالله الظنونا. (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)) (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)) وإذ قالت طائفة منهم أي من المنافقين يا أهل يثرب إحموا بيوتكم ويستأذن فريق منهم. لم يترك شيئاً ولا حركة ولا وصفاً ولا حواراً وحتى الحالات النفسية التي لا تُرى (بلغت القلوب الحناجر) لا يصف الظاهر فقط وإنما يصف النيّات والأحوال النفسية وحالة المؤمنين الذين يبدون شجعاناً ولكنهم خائفون في أعماقهم لكنهم صبروا وصمدوا. هذا وصف الحصار. وقد وصف الله تعالى الهزيمة بشكل غير عادي نتحدث عنه في حلقة قادمة.

الحلقة 28:

ونحن في الحلقات الأخيرة عندي شعور شديد بالألم. هناك كثير في الصور والمعاني والبلاغة لم أوصلها إليكم لذا أختار بعض الأشياء التي لا بد أن أقولها لذا اخترت التصوير الفني والنغم. تحدثنا عن شيء من هذا في الحلقة الماضية واليوم نتحدث عن المزيد من وصف القرآن للأحداث بحيث يحولها إلى مشهد تراه أمامك وتحدثنا عن غزوة الخندق وكيف صوّر القرآن نفسيات المحاصرين وسنتحدث عن وصف القرآن لغزوة أُحُد في آيات سورة آل عمران (من الآية 152 وما بعدها). نصف الهزيمة من خلال الوصف القرآني. كيف يصف القرآن وكيف يصوّر لنا المعركة التي هزم فيها المؤمنون فيقول (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) في بداية المعركة كان النصر للمسلمين (إذ تحسونهم) تستأصلونهم بالقتل، وصف لنا بداية المعركة وماذا حدث ثم يصف الآن كيف تحوّل هذا النصر إلى هزيمة والوصف القرآني عجيب في هذه المسألة. لماذا حدثت الهزيمة؟ (حتى إذا فشلتم) عندما ترك الرماة جبل الرماة بعد أن كانت الأوامر واضحة بأن لا يتركوها مهما حصل (من بعد ما أراكم ما تحبون)، رأيتم النصر. ثم يصف لنا تفاصيل مشهد الهزيمة لا المشهد الظاهر فقط وإنما داخل النفوس (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) يقول أحد الصحابة: والله ما كنا نظن أن فينا أحد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية. دخل الوصف القرآني في النيّات (ثم صرفكم عنهم) كنتم منتصرون والآن صرفكم عنهم ليبتليكم. سمح الله تعالى للهزيمة أن تحدث إختباراً ليبتليكم (ولقد عفا عنكم).الذين إستقر الإيمان في قلوبهم عفا الله عنهم ورغم أن البعض لم ينجح في الاختبار عفا الله عنهم. ثم وصف المشهد (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)) بدأتم تركضون وتهربون وتبحثون عن كل صعيد (ولا تلوون على أحد) لا تلتفتون. هاتان الجملتان (إذ تصعدون ولا تلوون) وصف للهزيمة: ركض سريع وبدون إلتفات. يعاتبهم القرآن أنهم هربوا وتركوا الرسول r وراءهم، كيف تتركونه وراءكم؟ فجاء الوصف (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ) النبي يدعوكم ولم تلتفتوا إليه. (فأثابكم غماً بغمّ) غمّ الهزيمة وغمّ الحالة النفسية التي أصابتهم بعدما عصوا الرسول. الوصف إنتقل للحالات النفسية وليس للظاهر فقط ولا يمكن لأي إنسان أن يصف مشاعر إنسان آخر أو يشعر بما يشعر به لكن القرآن من عند الله تعالى وهو المطّلع على خبايا النفوس (لكيلا تحزنوا) جعل بعضكم ينعس (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) يصف القلوب أن هؤلاء يشكّون في الدين نفسه (ظن الجاهلية) الله تعالى يصف لنا ماذا قال الواحد منهم في نفسه (هل لنا من الأمر شيء) (قل إن الأمر كله لله) كل هذا الوصف لما في أنفسهم (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا) لو بقيتم في بيوتكم إذا قدّر الله تعالى عليه الموت سيموت ولو كان في بيته. (وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) يصف المعركة والنيّات وحديث النفس للنفس وجاء القرآن ليكشف حديث النفوس فأي وصف أعجب من ذلك؟! لا يمكن لكلام بشر أن يصف ما حصل في أحد كما وصفه القرآن الكريم.

انظروا كيف يصف القرآن لنا الآخرة؟ يصفها بصورة مجسمة أمامكم. عندما تقرأون القرآن بعد اليوم إبحثوا عن الصور في كل آية والوقت لا يسعنا أن نكشف كل الصور في كل الآيات.

أحداث الدنيا وأحداث القيامة صورت كأنها مجسمة، يقول تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (7) القمر) حتى إختيار الكلمات فيه شيء عجيب، يصف لنا البعث من الموت (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ) استعمال كلمة (نُكُر) ولم يقل عجيب أو غريب وإنما قال نُكُر. المعروف أن المنكر هو عكس المعروف الذي ألِفناه، أما هنا فالحديث ليس فقط عن شيء منكر وإنما شيء نُكُر كل ما فيها عجيب غريب. فيخرجون من القبور والله تعالى يصفهم ويصف خروجهم تلك الأعداد الهائلة من الناس من زمن آدم إلى يوم القيامة، كل من مات يُبعث حتى الحيوانات (وإذا الوحوش حشرت) يقول تعالى ليقرّب لنا الصورة (كأنهم جراد منتشر) لكثرتهم، تخيل أسطولاً من الجراد يغطي السماء من كثرته فتُظلم وتسودّ الدنيا من كثرته . (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)) هل بقي من المشهد شيء؟

انظروا إلى مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة يقول تعالى (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء (43) إبراهيم) لا يرجع إليهم نظرهم كأنه يختلس النظر إختلاساً وقلوبهم هواء ليس فيها شيء، فراغ من شدة الفزع والرهبة، إستسلام بكلمات قليلة.

مشهد آخر كيف يدخلون النار أفواجاً فيدخل أشد الناس فجوراً يقتحمون النار إقتحاماً ثم يأتي فوج آخر أقل فجوراً فيقول تعالى في وصف تتالي الكفار في مشهد كأنك تراه (هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) ص) يخاطبون القادمين فيردوا عليهم (قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ) كل جماعة ترد على جماعة أخر فيقولون (قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ). ثم يصف لنا الحوار ثم كيف أنهم يبحثون عن المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا ويعتبرون أن دينهم شر ورسولهم شر فقالوا (وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63)) الدعاة الذين اتُّهِموا ظلماً وبهتاناً فهم يمثلون الإرهاب (إتخذناهم سخريا) كأنهم يبحثون عنهم في مكان آخر في جهنم، خلف شجرة الزقوم لأنهم ظنوا أنهم سيجدونهم معهم في النار. هذا مشهد تخاصم أهل النار (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ). إقرأوا كتاب مشاهد يوم القيامة لسيّد قطب لمزيد من هذه المشاهد وهذا الوصف.

لو أن الإنسان قرأ ووقف عند الصور سيستمتع بالقرآن ويعيش معه بصورة مختلفة وسيقرأ القرآن بلذة عظيمة. حتى بعض الكلمات في القرآن لم يستعملها أهل الأدب إلا بعد نزول القرآن. وصف القرآن الكفار لما يغشاهم العذاب يوم القيامة (وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) يونس) كأن الذي يغطي وجوههم ليس سواد المعصية وإنما قطع من الليل مظلماً كأننا قطّعنا ظلام الليل ووضعناه على وجه كل واحد منهم قطعة، أيّ وصفٍ للذُلّ الذي هم فيه يوم القيامة؟ من الذي يستطيع أن يصف هذا الوصف إلا خالق الليل؟

انظروا إلى قوله تعالى كيف وصف الكفار في تعاملهم مع القيامة (إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) الإنسان) كيف ينسون يوم القيامة؟ لو يقل يوماً شديداً وإنما قال يوماً ثقيلاً والثقيل تستعمل للأشياء المحسوسة فكيف نزِن الليل والنهار؟ الله تعلى وحده سبحانه يزنهم، يقول هذا اليوم يوم ثقيل، يصف الوقت بالوزن. أي إعجاز وتصوير فني في القرآن؟!

ومن إعجاز القرآن في التصوير الفني جانب الإيقاع والفاصلة كأنه شعر ولكنه ليس بالشعر. ننتقل إلى موضوع النغم في القرآن والبعض يسموه الموسيقى. والرسول r أمرنا أن نتغنّى بالقرآن ونستعمل التجويد والمدود والغُنّة. القرآن بنفسه فيه هذا اللحن والإحساس بوجود الوزن ليس كبحور الشعر ولا السجع. القرآن لا يلتزم بالسجع وإنما تجد عدة سور للقرآن فيها هذا اللحن وهذا السجع وخاصة في السور القصيرة. في السور الطويلة تجده في مقاطع وتجد اللحن في السور المكية أما السور المدنية التي تحتاج لتفصيل يوجد فيها اللحن لكن بدرجة أقل من السور المكية. في اللقاء القادم سنتكلم عن هذا الموضوع وسنرى كيف لو غيرنا مكان كلمة كيف ينكسر اللحن.

الحلقة 29:

موضوع النغم في القرآن

نتناول كثيراً من الصور البيانية والبلاغية في القرآن وقد أوشك البرنامج أن ينتهي وما زال في الجعبة الكثير، كيف لا وكنوز القرآن لا تفني. مواضيع كثيرة لم يسع الوقت لنتحدث عنها ولكن لعلي فتحت الباب أمام المشاهدين ليتعمقوا في القرآن ويكتشفوا إعجازه. تحدثنا في الحلقات السابقة عن التصوير الفني في القرآن ووعدتكم أن نتحدث عن النغم في القرآن أو الوسيقى كما يسميه البعض لكن نفضل أن نسميه النغم. النغم واضح في القرآن الكريم ووضوحه في السور المدنية ليس كما هو في السور المكية. فالسور المدنية فيها تشريع ونجد فيها إطالة أما في السور المكية فالمسألة واضحة تماماً. نأخذ صوراً من النغم في السور المكية:

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)) هذا ليس شعراً وليس نثراً لأن فيه وزن لكن ليس كأوزان بحور الشعر، فيه وزن وقافية وفواصل متتالية نشعر بها ويستمر الوزن في كل آيات السورة. حتى تشعروا بالوزن سنحاول أن نزيل كلمة لن تغير من أساس المعنى ونرى ماذا يحدث للآيات؟ لو قلنا ومناة الأخرى بدل (ومناة الثالثة الأخرى) نجد أن الوزن تغير وانكسر. وكذلك لو قلنا: تلك قسمة ضيزى بدل (تلك إذن قسمة ضيزى) انكسرت ونشعر أن فيها شيء خطأ. هذا ليس معناه أن كلمة الثالثة أو كلمة إذن زائدة ليس لها داعي ولكم من جمال القرآن أن يأتي بكلمات لها داعي وتحفظ الوزن. فإذا قارنا (تلك إذن قسمة ضيزى) بقولنا تلك قسمة ضيزى نجد أن الوزن في الآولى أوضح وكذلك في قوله (ومناة الثالثة الأخرى) أوضح من ومناة الأخرى. القرآن ليس بالشعر فالشاعر قد يضع كلمة ليس لها داعي لأجل المحافظة على الوزن وتجميل الكلام لكن القرآن يأتي بكلمة لها داعي ويستعملها للمحافظة على الوزن فسبحان الذي أنزل القرآن.

ونلاحظ التنغيم في إيقاع القرآن. الله تعالى يعدّل بعض الألفاظ ويغيّر في طبيعتها وتبقى عربية فصحى لكن كنا نتوقع كلمة فتأتي بصورة تغيّر لصورة أخرى لأجل المحافظة على الإيقاع والوزن. يقول تعالى (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) الشعراء) لو أردنا نحن أن نكتب هذا الكلام بلغة عربية فصيحة لقنا: الذي خلقني فهو يهديني ، يسقيني، يشفيني، أما في القرآن فخطف الياء وما زالت الكلمة عربية فصيحة (يهدين، يشفين، يسقين) لكن خطف الياء استدعاه الوزن والقافية لأنها تؤثر بالنفس بشكل أكبر عندما تخطف الياء فسبحان الذي أنزل القرآن وجعل كل حرف يخطف او يوضع لأجل تأثير.

في سورة أخرى (وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)) يمكن أن يقال في غير القرآن (والليل إذا يسري) وتكون اللغة عربية فصيحة لكنه تعالى خطف الياء للإنسجام مع الفجر والعشر والوتر والحجر. إذن في القرآن إيقاع ووزن وهو ليس بالشعر ومع ذلك نجده واضحاً في كتاب الله عز وجل هذا المعنى لن تستطيع أن تقرأ القرآن بدونه لا تجد إلتزاماً دقيقاً بالقافية والتغيير له سبب. هناك وزن لكنه ليس بشعر (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69) يس). كيف نعكس هذه المعاني أكثر وكيف ننظر في تغير القافية وليس فقط النغم؟

القرآن نغم فأحسوا به لما تقرأوه وبالذات في السور المكية. هو ليس بالشعر ولا بالنثر لذا قالوا هناك شعر وهناك نثر وهناك قرآن، فيه أوزان ليس كالشعر، فيه قافية لكن لا يلتزم بها كسجع النثر. نأخذ مثالاً على تغير الكلمات من أجل هذه القافية وهذا الوزن:

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) الحاقة) يمكن أن يقال (ما هي) في اللغة لا نقول ما هيه؟ لكنه في الآية أضاف الهاء لأجل هذا الإيقاع وهذا الوزن ولأن أثرها في النفس أكبر وهي ما زالت عربية فصحى، التغيير لأجل الوزن مع المحافظة على فصاحة اللغة لأجل الوزن ولأجل النغم وإعطاء إيحاءات لا تعطيها الكلمة الأخرى.

يقول تعالى (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) يمكن أن يقال (إقرأوا كتابي، حسابي) هكذا الاستعمال في لغة العرب لكن وضع الهاء مرة أخرى لأجل الإيقاع والوزن ولأجل أن يستشعر القارئ هذه المعاني.

كذلك تجد أحياناً يتحول النغم إلى لحن مكسور فيه حزن معجز في النفس، حتى ترتيب الكلمات توضع لتعطي هذا النغم الحزين كما نجد في سورة مريم في قصة زكريا u (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)) لها وزن وإيقاع وقافية ولحن حزين، لو غيرنا كلمة واحدة فانظر كيف تصبح الآيات فإذا قلنا: إني وهن مني العظم بينما قال تعالى (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) التأخير والتقديم لأجل الوزن والإيقاع والقافية.

وهناك معنى آخر تغيير القافية في نهايتها. (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)) الآيات كلها فيها نفس اللحن والقافية والوزن (يا) وفجأة يختلف الوزن والقافية (ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)) لم يعد وصفاً للقصة ولا حديثهم فاختلف الوزن وصار وزناً جديداً لأن الموضوع تغيّر وصار عندنا حُكم. إذا صار هناك تغير في الوزن والقافية فاعلموا أن هناك إنتقال من موضوع إلى موضوع آخر. فسبحان الذي أنزل القرآن معجزاً لكل البشر.

الدليل على هذا (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ما زلنا على الوزن المتعلق بالأحكام ثم فجأة يعود الوزن إلى الوزن الأول (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41)) رجعنا للقافية السابقة لأن التعليق على القصة وإصدار الأحكام إنتهى ورجعنا للقصة. عند تغير الوزن والقافية يعني أيها القارئ إنتبه هذا الكلام مختلف عن الذي قبله والموضوع مختلف، كنا في قصة لها وزن وقافية ثم اصدر أحكاماً فصار لها وزن وقافية مختلفة ثم عدنا للقصة فعدنا للوزن والقافية الأولى.

قال تعالى (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)) ثم قال (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)) قافية جديدة، إنتهى من التقرير ويريد أن يدخل معه في افثبات والجدل والبراهين الكونية فتغير الوزن والقافية.

في قوله تعالى (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)) ثم يقول تعالى (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)) تغير الوزن وتغيرت القافية بعد القسم، نسمع قافية جديدة وبأسلوب جديد. الآيات الأولى كانت تتكلم عن قَسَم ثم انتقلت الآيات للحديث عن الآخرة فانظر عندما تستمر الآيات ستجد تغيراً في القافية والوزن (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)) وزن جديد وقافية جديدة. النغمة السابقة (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) حركة سريعة بسيطة، قارن هذا بـ (هل أتاك حديث موسى) هنا موجة متوسطة وهناك كانت موجة قصيرة ثم لما يأتي إلى الجدل والنقاش مرة أخرى يتسعمل موجة قصيرة ثم لما يأتي للقصص يأتي لموجة متوسطة، ثم الآيات التي فيها تشريع وأحكام تكون موجة طويلة لأنه تحتاج إلى تفصيل. من يستطيع هذا في كلام البشر؟! فسبحان منزّل القرآن. هذا من عجائب كتاب الله، هذا الوزن وهذه القافية التي تتبدل مع تبدل المعاني إئتوني بكتب البشر من يفعل هذا؟!

غداً الحلقة الخاتمة إن شاء الله.

الحلقة 30:

الدعاء في القرآن

هذه الحلقة الأخيرة من هذا البرنامج الذي عشنا معه على مدى هذه الحلقات وإني أشعر بحزن شديد على وداعكم ووداع هذا الموضوع وما زال في الجعبة الكثير من الحديث عن أنواع الإعجاز والبيان وكنت أتمنى أن أحدثكم بكل ما قرأت وكل ما تعلمت عن هذا البيان العجيب وتذكرت قولة عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما إمام التفسير والصحابي الجليل يقول " إني لأعلم كل آية في كتاب الله متى نزلت وأين نزلت وفيم نزلت وإني لأتمنى لو يعلم كل مسلم منها ما أعلمه منها" وأنا لا أعرف كل آية ولا كل موطن ولكن عندي الكثير مما تعلمته وقرأته وأود أن أنقله إليكم وتشاركوني هذه المشاعر. سابقاً كنت أقرأ القرآن كباقي الناس لكن لما تعلمت سحر القرآن وسحر البيان وإعجاز البيان وأنواع الإعجاز والتصوير الفني في القرآن صار القرآن له طعم جديد وإحساس جديد ومشاعر جديدة ولعلكم أحسستم بها معي في سحر القرآن.

الدعاء هو ما سنختم به في كل أمر لكن الدعاء في القرآن له نمط خاص، كنت قد حدثتكم عن النغم في القرآن واسمحوا لي أن أبدأ الحديث عن نغم الدعاء. الدعاء القرآني يختلف عن أي دعاء آخر مهما كان في فصاحته. النغم القرآني يبدو في قمة السحر وقمة التأثير في مقام الدعاء. الدعاء بطبيعته هو نوع من النشيد الصاعد إلى الله عز وجل فلا يحلو وقعه في نفس الضارع المبتهل إلى الله عز وجل إلا إذا كانت ألفاظه منتقاة جميلة وجمله متناسقة متعانقة وفواصله متساوية لها إيقاع موسيقي حنون. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل همّ الإجابة ولكني أحمل همّ الدعاء. واالنبي r كان يتفنن في الدعاء وممن تفنن بالدعاء تقليداً وتعلماً من رسول الله r معاذ بن جبل الذي كانت له أدعية يتفنن بها حتى أن أحد الأعراب سمعها فقال للنبي r: يا رسول الله أنا لا أعرف دندنتك ولا دندنة معاذ وكل ما أعرفه أن أقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فقال r: حولها ندندن. كل دعائه r ودعاء معاذ حول هذه الكلمات. هذا الدعاء الذي جاء في القرآن الكريم والقرآن لم ينطق عن لسان الأنبياء والصديقين والصالحين إلا بأجمل دعاء نغماً وأروعه سحر بيان. هذا النغم الصاعد في القرآن خلال الدعاء يثير في كل لفظة صورة وينشيء مع كل لحن مرتعاً للخيال. سنقف مع بعض أدعية القرآن المريم ونبدأ بدعاء سيدنا زكريا u:

زكريا u دعا دعاء جميلاً عجيباً وكل أدعية القرآن جميلة: بعد الحروف المقطعة التي منها يتشكل القرآن وتحدى بها العرب جميعاً أن يأتوا بآية من مثله (كهيعص(1)) ثم قال (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) مريم) زكريا u كان شيخاً جليلاً مهيباً وفي دعائه نجد على كل لفظة ينطق بها مسحة من رهبة وشعاعاً من نور ونتمثل الصورة أيضاً: هذا الشيخ الجليل على وقاره متأجج في عاطفته صوته متهدج طويل النفس ما تربح أصداء كلماته تتجاوب في هذا الكون في نشيد في منتهى التأثير، بل إن زكريا u في دعائه يحرك القلوب المتحجرة بتعبيره الصادق عن حزنه وعن أساه خوفاً من أن ينقطع عقبه ويتوقف نسله فوقف يصلي (وهذه نصيحة لكل محتاج قفوا وصلّوا وادعوا الله تعالى) فوقف زكريا u قائماً يصلي في المحراب يبدأ وينادي ربه نداء خفياً ويكرر ذكر الرب بكرة وعشياً ويقول في لوعة الإنسان المحروم وفي إيمان الصديق الصفيّ هذا الإيمان من صدّيق فيقول (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) انظروا للوصف: إشتعل الرأس شيباً لم يبق فيه شيء من سواد كالنار تسري في الهشيم فتنهيه، فيه وصف عجيب من التصوير الفني (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)) لاحظوا الوزن والنغم الحزين. البيان لا يرقة إلى هذه العذوبة في الوصف التي تنتهي في كل فاصلة وفي كل آية مشددة على التنوين الذي تحوّل إلى ألفٍ ليّنة كأنها في الشعر ألِف الإطلاق والبيان لا يرقى إلى وصف هذه العذوبة وأي عذوبة أعظم من سحر القرآن؟!. الدعاء له نغم خاص في القرآن بحسب طبيعة الدعاء. زكريا وهو ينادي ربه استشعرنا هذا الجو الحزين ونحن نتصور نبياً شيخاً جليلاً منقطعاً من الأولاد يبتهل إلى ربه عز وجل خالياً في خلوة مع الله تعالى وكدنا نصغي مع ألحانه الخفية وهي تصعد إلى السماء، نصغي إلى هذا الألم والشوق للولد، كله في هذا النغم العجيب.

كيف لو تصورنا جماعة من الصديقين والصالحين والأنبياء لو تخيلناهم يرددون مشتركين ذكراناً وإناثاً شباناً وشيوخاً بأصوات متناسقة تصعد معاً وتهبط معاً وهي تجأر إلى الله عز وجل. انظروا ماذا يقول تعالى عن هذا الجو (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) آل عمران) يقول r: " ويل له، فيقول الصحابة من هو يا رسول الله؟ يقول: ويل له، فيقولون من هو؟ فيقول ويل له، فيقولون من هو؟ فيقول من قرأ هذه الآية ولم يتفكّر" (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) هل استشعرتم الروح في هذه الآيات؟ ألم تستشعروا أن تكرار كلمة (ربنا) يلين القلب ويبعث فيه نداوة الإيمان وأن الوقوف بالسكون على الراء المسبوقة بألِف ليّنة يعين على الترخيم ويعوّد الأسماع على أحلى ضربات النغم؟ هكذا هو الدعاء في كتاب الله عز وجل.

وإذا كان في وقف الدعائين السابقين نداوة ولين ففي بعض مواقف الدعاء القرآني شدة وقوة وانظروا إلى دعاء نوح u فيه شدة (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) نوح) لاحظ الفرق في الدعاء هنا فيه قوة وشدة وضخب وهناك فيه لين ورخاوة ورحمة. أي كتاب يستطيع أن يشكل النغم مع الدعاء؟ فسبحان الذي أنزل القرآن وجعل فيه هذا السحر العجيب الذي يأخذ بالألباب.

الجزء الأخير من برنامج سحر القرآن ونحن نتحدث عن الروح التي في القرآن، هذا الوزن والقوافي والإنسجام بين الأنغام والمعاني نأخذ سورة الرحمن فيتساءل الإنسان عندما يقرأها هل انبعث إيقاعها الرخيم المنساب في مطلعها أم في ختامها أم من خلال آياتها؟ أين هذا اللحن؟ فنجزم أن اللحن يسري فيها كلها في فواصلها ومقاطعها وانسيابها حتى لو أخذنا مقطعاً منها أو موضوعاً واحداً منها سنجد في أجزائه النغم والإيقاع كأنه في كل حرف لحن من ألحان السماء. على هذا الأساس إنفرد القرآن الكريم بالمحافظة على تسقه الإيقاعي سواء أخذت السورة بكاملها أو اقتطعت أجزاء منها. لذا يمكننا أن نأخذ بعض الدعاء من هنا ونضيف عليه دعاء من هناك من القرآن.

هناك من تحدث عن التكرار وكنت أود أن أعمل حلقة خاصة به إلا أن الوقت لم يسعفنا فأشير إشارة إلى سورة الرحمن قوله تعالى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تكررت هذه الآية فأشار بعض الناس أنها من التكرار الذي لا داعي له لكن هيهات، القرآن كلام الله المعجز والله تعالى يريد لنا أن نتفكر يذكر معجزة من المعجزات فيقول تعالى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)  ثم يذكر نعمة من نعمه فيقول تعالى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ثم يأخذ نعمة أخرى فيذكرك بنعمة الله وبعض النعم في الدنيا وكل واحدة منها تحتاج إلى إيمان وتصديق وتسليم وكذلك في نِعَم الآخرة كل واحدة تحتاج إلى تأمل عندما يذكر لك أنواع النعيم في الآخرة كل واحدة منها ألا تصدّق إلا تشكر؟ (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ليس هناك تكرار فكل واحدة تتكلم عن نعمة مختلفة ومعجزة من معجزات الله تعالى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)

حدثتكم عن شيء بسيط من سحر القرآن وأمَلي أن أكون قد فتحت لكم الباب لتتأملوا في سحر القرآن وأتمنى بعد اليوم لما يقرأ القرآن يقرأه بروح مختلفة يبحث عن الصور ويستشعر المعاني ويحس بالنغم ويشعر بالروحانية التي تنصب فيها كل الأمور المعنى مع الكلمة مع الجملة مع سياق مع الصورة كلها في مكان واحد هو حسب طبيعة الموضوع بلا تكرار وبلا ترتيب عشوائي وإنما كل شيء في مكانه وهذا ليس إلا لكتاب الله رب العالمين.

وفي الختام أسأل الله تعالى أن لا نكون هاجرين للقرآن وأن نلتصق بكتاب الله عز وجل لأنه هو السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة للفرد والأسرة والأمة والبشرية جمعاء. عندما تركنا العمل بهذا الكتاب وصرنا فقط نتغنّى به دون عمل به ضعنا وضاعت أمتنا وضاعت حضارتنا. لنعُد إلى كتاب الله ففيه المنهج لإصلاحنا وإصلاح البشرية، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم نسألك اللهم أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب غمومنا وسابقنا ودليلنا إليك وإلى جناتك، اللهم علّمنا منه ما جهلنا وذكّرنا منه ما نُسّينا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


Hit Counter