في رحاب آية

الشيخ خالد الجندي

رمضان 1427 هـ


يسر إدارة موقع إسلاميات أن يقدم لزواره الكرام في هذا الشهر المبارك حلقات نافعة قيمة من برنامج في رحاب آية الذي يعرض يومياً على قناة إقرأ خلال شهر رمضان المبارك الساعة 6.40 مساء بتوقيت مكة مباشرة بعد صلاة المغرب من مكة المكرمة ويعاد الساعة 9.40 صباحاً وسيتم طباعتها يومياً وإضافتها للموقع. لقراءة الحلقة اضغط على رقمها في الجدول التالي:

1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30          

الحلقة1:

الحروف المقطعة:

الحروف المقطعة في أوائل السور معانيها قد تُحير الناس. المفسرون قالوا فيها كلاماً، فسم منهم قالوا:

أن الحروف نزلت إثبات عربية القرآن أنه نزل بلفظ عربي لأن بعض الكفار قالوا هذا القرآن ليس بعربي فقال تعالى (ألم، حم، كهيعص، يس، طه، ق) أليس حروفاً عربية تنطقون بها؟ واستدل العلماء على رأيهم أنهم لاحظوا أن القرآن يمدح نفسه بعد هذه الحروف (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) (يس والقرآن الحكيم) (ق والقرآن المجيد) (ص والقرآن ذي الذكر).

قسم آخر قالوا هذه الحروف المقطعة نزلت لإثبات أن القرآن يتحدى هؤلاء الناس بلغتهم. لما سمع العرب القرآن قالوا سمعنا مثله ويمكن أن نأتي بمثله فقال لهم تعالى هذه الحروف التي تكوّن منها القرآن فاتوا بمثله (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء)

قسم آخر قالوا أن هذه الحروف المقطعة نزلت لإثبات أن القرآن جاء من عند الله تعالى لا من عند محمد r لأن هذه الحروف لو كانت من عند رسول الله لشرحها للناس للدلالة على أنه ليس مسؤولاً عن التفسير وإنما هو مسؤول عن نقله للأمة أما تفسير القرآن وبيانه فهو لله تعالى بدليل الآية (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) القيامة) فالذي أنزل القرآن هو أعلم بمراده من القرآن ولم يتطاول أحد أن يسأل الرسول r عن معنى هذه الحروف.

قسم آخر قالوا هذه الحروف تدرّب الناس على العبودية لأن الله تعالى أراد أن يتعبده خلقه بما لا يفهمون. قمة العبودية أن تطيع ولو لم تفهم. هذه الحروف لتعلم الناس الإمتثال لله تعالى دون معرفة السبب.

إن هذه الحروف المقطعة كما في الحديث الشريف: لا أقول ألم حرف وإنما ألف حرف ولام حرف وميم حرف هذه فيها ثلاثون حسنة وتمحى بها ثلاثون سيئة ويكتب قائلها عند الله من الذاكرين رغم أنه لا يفهمها لذا علينا أن نتأدب عندما ينهانا الله تعالى عن معصية. 

الحلقة 2:

تابع الحروف المقطعة:

فريق آخر من العلماء قالوا أن هذه الحروف التي نزلت في أوائل سور القرآن نزلت للحفاظ على القرآن فكل حرف من هذه الحروف هو في الحقيقة يمثل طريقة نطق محفوظة إلى يوم القيامة. مثلاً لو رأيت طفلاً ولِد أصمّاً لا يسمع فلا بد أن هذا الولد سيكون أبكماً لا يتكلم لأن كل أطرش لا بد أن يكون أخرساً لأنه لم يسمع ما يقلّده. فالأصم لم يسمع شيئاً ليحاكيه ويقلّده. الطفل عادة يسمع ثم يردد وراءك فلو فقد السمع لن يقلد شيئاً. نحن عرفنا كتابات الفراعنة وفهمنا معناها لكنا لم نعرف كيف كانوا ينطقون لغتهم؟

كل كلمة جتءت في القرآن يجب أن تُسمع أولاً قبل أن تلفظها. فسماع القرآن أمر ضروري لا حيلة لك فيه. القرآن من غير سماع لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة. قال تعالى (إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه) قراءة القرآن تكون حسب القواعد وليس على هوى الشخص. (ثم إن علينا بيانه) القرآن يجب أن تسمعه أولاً ثم تقرأه. لذلك قرأ معناها ردد خلف أحد ولا تعني فقط القراءة من كتاب. لو كان هناك رجل أعمى يردد (يس والقرآن الحكيم) نقول عنه أنه يقرأ القرآن لأنه يردد ما سمع وليس ضرورياً أن يكون يقرأ من كتاب كما نفهم معنى القراءة. فقرأ معناه ردد وهذا معنى قول جبريل عليه السلام للرسول r : إقرأ فرد رسول الله r ما أنا بقارئ. فجبريل يقصد ردد خلفي والرسول r اعتقد أنه يقصد القراءة عن كتابة.

القرآن يُسمع أولاً ثم يُقرأ وأول سورة الفيل نجد قوله تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) ألم مكونة من ثلاثة حروف الألف واللام والميم وفي أول سورة البقرة (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) (ألم) تقرأ بالتهجئة. فكيف عرفنا الفرق في القراءة؟ دليل أننا نقرأ القرآن كما سمعناه وليس كما رأيناه.

فريق آخر قالوا كم سورة نزلت فيها الحروف المقطعة؟ 29 سورة من أصل 114 سورة في القرآن. ووجدوا أن الحروف المقطعة في أوائل السور تنقسم إلى خمسة أقسام. سور بُدئت بحرف (ص، ن، ق) وسور بُدئت بحرفين (حم، يس، طه) وسور بثلاثة حروف (ألم، ألر) وسور بأربعة حروف (ألمر، ألمص) وسور بخمسة حروف (كهيعص) ولا توجد سور بُدئت بستة حروف. فجاءوا بالحروف كلها فقالوا أنه لا بد أن فيها رسالة من رب العالمين فجمعوا الحروف وأخرجوا منها الحروف الزائدة (المكررة) وحاولوا أن يعملوا منها جملة فلم يستطيعوا إلى أن توصلوا إلى جملة واحدة فقط وهي: نصٌ حكيمٌ قاطعٌ له سرّ. ذُهِل العلماء من الجملة. هذه الجملة تحتوي 14 حرفاً والعلماء نظروا فيهم وليس فيهم حرف مكرر وإنما كل حرف جاء مرة واحدة.

هل هذه الحروف نزلت للتحدي؟ أو لاثبات أن القرآن نزل بلسان عربي؟ أو لاثبات أنه من عند الله وليس من عند رسوله r؟ أو لتعليم العبد عبادة الله تعالى من غير معرفة الحكم أي الأمتثال؟ أو لأن القرآن حُفِظ صوتاً قبل أن يحفظ قراءة؟ أو لبيان الأدب مع الله؟ تأدّب العلماء وإحتار البلغاء عاجزين عن معرفة هذا السر العظيم. نسأله تعالى أن يعلمنا القرآن ويجعل لنا في كل حرف منه حلاوة.

الحلقة 3:

نتوقف في هذه الحلقة مع قوله تعالى (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء). هذه الآية تتكلم عن شهادة التأبين الإلهية مع الإشتراك في الحسنات، وثيقة التأمين التي تركها المرء لأبنائه. المولى تعالى يحذرك بأغلى ما تخشى عليه، بأكثر ما تخاف عليه. نحن أمام مشهد يتحرك القلب فيه بنوع من أنواع الرجفة والخوف والفزع لأن الله عز وجل يعطيك صورة لأبنائك من بعدك إذا ما تخطّفك الموت. الشيء الذي تفكر فيه هو الأبناء الذين سيصيرون يتامى، من لهم من بعدك؟ من الذي سيحنو عليهم؟ من الذي سيتقي الله فيهم؟ ويتولى الحرص على طعامهم وكسوتهم وتعليمهم وحياتهم؟ من لهم إذا جاعوا ومرضوا وعروا واحتاجوا؟ هل هناك من يحنو عليهم كحنوّك عليهم؟ أو يرعاهم مثل رعايتك لهم؟ هذا خوف يستولي على الإنسان دائماً. وكل ما يقلق الإنسان هو هذه المسألة الخطيرة – الذريّة -. في سورة النساء نقف أمام الآية نظرة المتأمل المتفحص لأن الله تعالى يحذر من سوء العاقبة إذا ما تجاوز الإنسان هذه التحذيرات الإلهية.

لفظ (تركوا) في الآية أفادت أن هناك تارك ومتروك وليس هناك من معمِّر ولا بد من دخول القبر. المرء راحل لا محالة وتارك ما فيه لا محالة ومغادر هذه الدنيا فالموت لايترك جمعاً إلا فرّقه ولا يترك صغيراً ولا كبيراً والموت حقيقة لا يهرب منها أحد من الناس. تأمل المشهد في الآية: مشهد عاطفي يتكلم فيه القرآن بحديث كل واحد مع نفسه. الموت يأتي من غير إنذار وغير صحيح ما يقوله البعض أن الميت يشعر بموته قبل أربعين يوماً فالموت لا يستأذن أحداً ولا يطرق على الأبواب وإنما يأتي فجأة (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) القيامة) من يشفيه ويدفع عنه في تلك اللحظة؟ لا دواء ولا حيلة تنفع في إرجاع الميت. في لحظة من اللحظات يجد الإنسان نفسه وقد استلمته ملائكة الموت حتى أنه لا يستطيع أن يستر عورته وهو على خشبة التغسيل وحيل بينه وبين أبنائه. بعض الناس لا يرتب لهذه اللحظات. في الحديث: إذا أغلق عليك قبرك أين أهلك وذويك كلهم ذهبوا وتركوك ولا يبقى لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت. هل ادّخرت الله تعالى لأبنائك أم لا؟ إجابة هذا السؤال يتوقف عليها تعامل الله تعالى معك. أنت تبدأ كما قال تعالى (إن تنصروا الله ينصركم) أنت تبدأ أولاً بنصرة الله تعالى بإقامة شريعته وعندها تتحقق نصرة الله تعالى لعبده. وجوه النصرة تكون بفضل من الله وكرمه بالتأييد والمنعة والشفاء والعلاج والدواء والغذاء والمتابعة ونصرة المظلوم ودفع الأعداء. أنت تقدم أولاً ثم تحظى بما تريد.

تحمل الآية ترقيقاً للقلوب وتهديداً في نفس الوقت. وسيلة هؤلاء ليس في جمع المال وترك الأراضي والعقارات لأن كل هذا زائل. أنت مطالب أن تتقي الله تعالى وتأمر أبناءك بالصلاح. الآباء والأبناء يرثان، الإبن يرث تركة أبيه والأب يرث صلاح ولده فلو ربيته على طاعة الله تعالى أنت تضمن لك عملاً يمتد إلى ما بعد وفاتك (ولد صالح يدعو له) ولد صالح يساعدك على النجاة من عذاب القبر أو غفران الذنب. أنت تربي ولدك لنفسك لينفعك بعد موتك إذا نفعته في حياتك بطاعته لله تعالى. هذه التربية ستكسب أنت فيها. عمر بن الخطاب عندما كان على فراش الموت قالوا له أوصِ لأبنائك فقال: إن كانوا صالحين فالله يتولى الصالحين وإن كانوا غير ذلك فلن أترك لهم مالاً يستعينون به على معصية الله. لا بد أن يكون هناك تربية يقينية. لذا قالت الآية (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء) تأمل القرآن ستجد أن صلاح الآباء يحصده الأبناء: في سورة آل عمران الأم لأنها صالحة أرسل الله تعالى نبيّاً ليربي ابنتها (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)) الأم هي امرأة عمران والبنت مريم عليها السلام والنبي زكريا r  وكفّلها زكريا التربية في الصغر. وقوله (وأنبتها نباتاً حسناً) لأن الفلاح لو ترك النبات حتى يطلع أعوجاً يبقى أعوجاً ولكنه يضع له الخشب ليقوّمه. صلاح الأم بعث للإبنة نبياً يربيها. وفي سورة الكهف صلاح الأب تسبب أن يرسل الله تعالى نبيين عملوا بنّائين عند أولاده (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)) فصلاح الآباء نصر الأبناء.

نسأله أن ندّخره لأبنائنا ويبارك لنا في فلذات أكبادنا ويكرمنا فيهم ويصلحهم ويبعد عنهم رفاق السوء ويجعلهم هداة مهتدين. 

الحلقة 4:

التعبيرات القرآنية لكل منها دلالة تعارف عليها أهل التفسير أن لها معاني وتختص بأمور كثيرة ومعاني يجب أن يلفت إليها. إذا سمعنا النداء في القرآن (يا أيها الناس) النداء هنا للمؤمن والكافر، (يا بني إسرائيل) يخاطب اليهود خاصة، (يا أهل الكتاب) لليهود والنصارى، (يا بني آدم) لعصاة المسلمين، (يا أيها الذين آمنوا) للمسلم فقط، (يا أيها الرسل) للرسل جميعاً، (يا أيها النبي) للرسول r، (يا أيها الانسان) يخاطب الإنسان العاصي. ثم توقف العلماء عند نداء فيه من الخير ما فيه وهو لا يأتي إلا بخير ومعها مغفرة وجود وعفو وكرم ونعرف أن هناك مفاجأة سارة تنتظرك، هذا النداء هو (يا عبادي) فيه فضل وكرم والآيات بهذا النداء لا تأتي إلا بالرحمة والفضل والكرم (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم) (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) (فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).

يا عبادي تأتي بمقام التشريف قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر) هذا النداء من الله تعالى ( ياعبادي) جاءت مع المذنبين والعصاة. وعبّر القرآن بـ (الذين أسرفوا) ولم يقل بذّروا لأن هناك فرق بين الإسراف والتبذير وبين المسرف والمبذّر فالإسراف يأتي بمجاوزة الحدّ والمبالغة في المباح أما التبذير فيكون في المعاصي، والمبالِغ في المباح يسمى مسرفاً (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) لم يقل تبذروا لأن التبذير يكون في المعاصي. عندما نقول لا تسرف في الماء عند الوضوء يعني أن لا تتجاوز الحد في الوضوء رغم أنه مباح فهو غير مقبول أما التبذير فلا يأتي إلا بالمعصية.

باب الرحمة مفتوح لمن أراد أن يلتجئ إلى الله تبارك وتعالى. (قُل) تنبيه إلى أن الذي يُبلِّغ عن الله تعالى لا بد أن يفتح للناس أبواب الرحمة ولا ينفع أن يكون داعياً إلى الله تعالى وتقنِّط الناس من عفو الله تعالى وكرمه. (قُل) فعل أمر يخاطب به الرسول r وهذا أكبر دليل على أن القرآن من عند الله تبارك وتعالى وليس من عند النبي r لأنه لو كان من عنده لما يقول لنفسه (قُل) تدل على أن هناك قائل ومبلَّغ.

النداء في آية الزمر موجه للمذنبين والمسرفين الذين تجاوزوا الحد. (لا تقنطوا) صفات الله تعالى ليس لها حدود وليس لها نهاية وليس لسمعه سبحانه وتعالى نهاية وليس لرحمته نهاية والذي يتصور أن هناك ذنب أو إنسان لا تصله رحمة الله تعالى فإنه يعتقد أن رحمة الله تعالى لن تتمكن من أن ترحمه حاشا لله. الرحمة صفة من صفات الله تعالى ليس لها حدود فكل ذنب يُغفر كما في الحديث القدسي: "با ابن آدم إنك إن بلغت ذنوبك عنان السماء ثم جئتني لا تُشرِك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة. فمهما كانت ذنوبك لو جئت إلى الله تعالى وأنت توحّده يعطيك مغفرة وفضلاً ورحمة (يا ابن آدم خلقتك بيدي وربيتك بنعمتي وأنت تهجرني وتعصيني فإن هجرتني وعصيتني حملت عليك حتى تتوب فإن تبت إلي قبلتك فإن قبلتك غفرت لك فإن غفرت لك أدخلتك الجنة وأنجيتك من النار فمن أين تجد لك رباً مثلي وأنا الغفور الرحيم"  فالرحمة ليست لها نهاية أو حدود.

(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) استخدم لفظ الجلالة (الله) ولم يقل (ربكم) والعلماء لاحظوا أن كل آية فيها كلمة (رب) يكون فيها تربية وعقاب (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، (إن ربك لبالمرصاد)، (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) وكل آية فيها كلمة (الله) فيها الرحمة والمغفرة والجود والصفح، ولهذا جاء لفظ الجلالة (الله) في البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) ولم يقل (الرب).

في آية سورة الزمر نجد أن فيها ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى: الله، الغفور والرحيم ولذا اعتبرها الصحابة أرجى آية في القرآن.

(إن الله يغفر الذنوب جميعاً): تدل على أن كل ذنب يغفر وفي آية أخرى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فكيف نوفق بينهما؟ آية الزمر تتكلم عن العبد الذي يتوب قبل موته (إن الله يغفر الذنوب جميعا) جميع الذنوب التي بين العبد وربه أما حقوق الناس فلا بد أن يردها إلى أصحابها فإذا تاب العبد قبل موته يغفر الله تعالى ذنوبه حتى الشِرك إن تاب منه. أما إذا مات العبد ولم يتب من ذنوبه تنقسم ذنوبه إلى قسمين: شِرك بالله وعدم شِرك. الشِرك ليس له مغفرة (إن الله لا يغفر أن يشرك به) أما غير الشِرك فقد يعفو الله تعالى عنها وقد يعاقب، قد يرحم وقد يعذِّب (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). لذا نحتاج إلى التعجيل بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله تعالى والتوبة لله عز وجل. جاء في الحديث القدسي: " عبادي يبارزوني بالمعاصي وأنا أكلأهم على فُرشهم إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويُعبد غيري أرزق ويُشكر سواي خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتقرب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم فيتباغضون إليّ بالمعاصي وهم أحوج ما يكونون لرحمتي، يا عبادي من دنا مني تلقيته من قريب ومن نأى عني ناديته من بعيد ومن طلب رضاي أجبته لما يريد ومن شكر نعمائي أعطيته فوق المزيد وتصرّف بحولي وقوتي ألنت له الحديد".

الحلقة 5:

نحوم حول معاني الآيات ونتدارس قصتها ونتأمل في معانيها التي لا تنتهي. فكل كلام الله تعالى مُعجِز وحجة وبلاغة وبيان فهو بحق كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم وجدنا أن الله تعالى يتحدى الناس أن يأتوا بآية من مثله، بسورة أو بعشر آيات أو بالقرآن جميعاً فإذا استطاع الإنسان أن يتأمل آيات القرآن الكريم فإنه يحقق المطلوب منه (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) كأن القلوب التي لا تتدبر عليه أقفال.

الآية 48 من سورة النساء تتكلم عن الكبيرة التي لا يغفرها الله تعالى وعن الذنب الذي إذا مات عليه العبد لا أمل له في النجاة، وعن المصيبة التي إذا فعلها الإنسان حيل بينه وبين رحمة الله عز وجل ومغفرته ولا تخرج العبد من النار أبداً ولا يمكن أن يشفع له أحد. هذه المصيبة هي الشِرك (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)).

المغفرة تعني رفع العذاب بعد تقريره وهناك فارق ما بين المغفرة والرحمة فكل كلمة في القرآن لها دلالة ولها معنى. الرحمة هي عدم كتابة العذاب والعقوبة أصلاً وهي عدم الوقوع في دائرة إستحقاق العقوبة أصلاً، أما المغفرة فهي إستحقاق العبد للعقوبة ثم رفعها بعد ذلك. العبد يدور في مدارات ثلاثة في رمضان: رحمة ، مغفرة، عتق من النار فإذا لم يعاقب أصلاً فهو مرحوم ولو عمل معصية كتبت عليه يجب أن يدخل تحت المغفرة حتى يخفف عنه ولو لم يستفد من المغفرة لا يبقى له إلا العتق من النار أن ينجيه الله منها. فالأول مرحوم بألا يدخل النار والثاني استحق العقوبة ثم رفعت عنه، تجهز للنار واستحقها ثم تدركه مغفرة الله فهذه مغفرة  والثالث يمكن أن يدخل جهنم فيتداركه عفو الله تعالى فينقذه من النار. (رمضان شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار) لذا المولى تعالى يقول في الآية أنه أيها الإنسان إذا اقترفت ذنباً أو معصية أو ما تؤاخذ عليه فاعلم أن كل ذنب سأغفره لك إلا ذنب واحد. لو عرفت أن هناك ذنب له مغفرة وذنب ليس له مغفرة فأيهما أولى أن تسأل عنه وتتفقه فيه؟ بالتأكيد الذنب الذي ليس له مغفرة أولى أن نتفقه فيه لكن للأسف نرى كثيراً من الناس يستهين بالشِرك ولا يعرف أقسامه ولا أنواعه  ولا أسبابه ولا أنواعه ولا الأمور التي تجلبه وإنما يتكلم في فقه النجاسات ويدرس فقه الأطعمة صحيح هذا كلام مقبول لكن أهم شيء هو الشِرك. الرسول r استمر في الدعوة 23 عاماً منها 13 في مكة كان خلالها يعلم الناس كيفية إتقاء الشِرك ويعلمهم التوحيد لأن العقيدة تأتي أولاً. الخلل في العقيدة لا يُغفر ولا يتجاوز عنه كما قال تعالى في الآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به) فالمسألة ليس فيها نوع من أنواع المفاوضات. على رغم مكانة المصطفى r العالية عند ربه فليس في البشر أعظم منه r عند الله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) ومع ذلك لا يستطيع الرسول r أن يتدخل في هذه القضية ولا يشفع لمن أشرك بالله فإذا كان النبي r لا يستطيع أن يشفع لك هذا الذنب فأولى بك أن تتعلم هذا الذنب وتدرسه وتعرفه. فما هو الشِرك؟

الكفار أكثر من نوع وكلهم تجمعهم كلمة كافر. عندنا كافر ومشرك وملحد وفاسق وعاصي وكل نوع غير الآخر. والكفر ثلاثة أنواع وهي: كفر، شرك وإلحاد. الملحد هو الذي لا يعترف بوجود إله، والمشرك هو الذي يعترف بوجود إله ولكن يجعل له شريكاً كالأخ والإبن والصديق والزوجة وغيره فهذا جعل مع الله إلهاً آخر شريكاً لذا يرد القرآن على مثل هؤلاء (قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد)، والكافر يعترف بوجود إله واحد لا شريك له ولكنه لن يعبده. هذه الأنواع الثلاثة تسمى كافر فالملحد كافر والمشرك كافر والكافر بالأصالة كافر، فهؤلاء لا يغفر لهم إذا ماتوا على الكفر. فالله سبحانه وتعالى جلّ وعلا ينبّه إلى خطورة هذا الذنب بالذات باعتبار الشرك نوع من أنواع الكفر ولكن الكفر بشكل عام لا يُغفر.

كلمة (دون) تعني تحت (وقفت دون السلم أي تحت السلّم). الله تعالى ليس له مثيل في كل صفاته (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد) لا أحد يعذبه مثل عذاب الله ولا أحد يمكن أن يوثق العبد العاصي كالله تعالى. (أليس الله بأحكم الحاكمين) لا أحد يستطيع أن يحكم كما يحكم الله عز وجل وليس لحكمه مثيل، (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ليس لله تعالى مثيل لا في القيومية ولا في الحكم معنى ذلك أنه لا مثيل لصفات الله عز وجل، هذا معنى كلمة شِرك فإذا لجأ عبد إلى آخر في أمر من الأمور التي تختص بالله تعالى فهذا هو الشرك. يقول النبي r : "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" فإذا سأل الإنسان غير الله يكون مشركاً هذا في الأمورالتي لا يقدر عليها إلا الله تعالى. الأمور في الحياة نوعان: أمور لا يقدر عليها إلا الله تعالى مثل الموت والرزق والأجل والشفاء لا تُطلب إلا من الله تعالى وهناك أمور يقدر الله تعالى عليها وأقدَر عليها خلقه مثل أمور المعاملات الدنيوية كالبيع والشراء والقرض والأكل والشراب. فلو قلت لأحد اشفيني أو أطل عمري او ارزقني فهذا شرك. لا نسأل غير الله تعالى لأنه (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)). نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا من الشرك وأهله وأن يجعل قلوبنا موحدة لذاته ولا يوقفنا إلا بأعتابه ولا يلجئنا إلا له.

 الحلقة 6:

نقف عند آية في كتاب الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) النساء) تتكلم عن قضية الشرك. المولى تعالى لا يرفع العقوبة عن عبد مات على الشكر. وسبق أن تكلمنا في الحلقة السابقة عن الفرق بين الملحد والمشرك والكافر وقلنا أن الثلاثة ينطبق عليهم كلمة كافر فالملحد كافر والمشرك كافر والكافر كافر وهم مخلدون في جهنم. لما تكلمنا في قوله تعالى (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) قالوا كيف نوفق بين الآيتين؟ إذا تبت من الذنوب وأنت حيّ (يغفر الذنوب جميعا) أما الذي مات ولم يتب من ذنوبه فيُنظر إذا كانت ذنوبه شرك (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وإن كانت غير شرك فقد يعذبه الله تعالى وقد يعفو عنه. فالآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به) هي لمن مات من غير توبة ولقى الله جل وعلا.

قال تعالى : يشرك به ولم يقل يُشرك معه لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يقول أن أي درجة من درجات الشرك تؤدي بصاحبها للهلاك لذلك (إن الله لا يغفر أن يشرك به) هذا هو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله تعالى والذي لا يستطيع نبي أو شهيد أو ملك أن يتوسط بالشفاعة لصاحبه والذنب الوحيد الذي يُغضب الله تبارك وتعالى ويخلّد صاحبه في النار. لذلك أخطر أنواع الذنوب قاطبة هو الشرك ولا ذنب آخر يضاهيه. والشرك هو أن تجعل مع الله ندّاً أي مثيلاً أو شبيهاً أو قريناً فهذا ممنوع على الإطلاق. هناك أمور لا يقدر عليها إلا الله تبارك وتعالى كالرزق والموت والأجل والهداية والمدد وهناك أمور يقدر عليها ويُقدِر عباده عليها مثل البيع والشراء والقرض وغيرها.

الشرك يخلد صاحبه في النار والشرك ثلاثة أنواع: شرك أكبر، شرك أصغر وشرك خفي.

الشرك الخفي هو الذي ليس له ضابط والعلماء يقولون قد يتسلل لقلبك دون أن تشعر ولكي تتقيه عليك أن تطهر قلبك بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. عليك أن تعمل ورداً يومياً بقول لا إله إلا الله ومن دعاء الرسول r: أستغفرك لما لا أعلم. قد لا يشعر الإنسان بهذا الشرك فقد تعمل عملاً لوحدك لكن ليس لله تعالى ولكنك تحسّن العمل لأجل شخص آخر مثلاً فهذه مصيبة. وأول ثلاثة تسعر بهم النار عالم ومنفق وشهيد، العالم يقول علّمت الناس لوجهك يا رب فيقول المولى عز وجل كذبت وإنما علمت ليقال عالم وقد قيل ادخل إلى النار والمنفق يقول يا رب أنفقك ابتغاء مرضاتك فيقول تعالى كذبت وإنما أنفقت ليقال منفق وقد قيل ادخل النار والشهيد يقول يا رب قتلت في سبيلك فيقول المولى تعالى كذبت وإنما قاتلت ليقال شجاع وقد قيل ادخل النار ولذلك قال تعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا).

إذن لكي نتحاشى الشرك الخفي علينا أن نطهر قلوبنا بقول لا إله إلا الله تماماً كالذي يغسل يديه قبل الطعام تحاشياً للميكروبات التي لا يراها بعينه وإنما يغسل يديه احتياطاً وكذلك نحن علينا أن نطهر قلوبنا بقول لا إله إلا الله إحتياطاً من الشرك الخفي.

الشرك الأصغر: وهو نوع واحد واسمه الرياء. والرياء من الرؤية أي أن تعمل عملاً تريد أن يراه غيرك. والرياء هو أن يحب الإنسان أن يُرى أثناء الطاعات كأن تحسّن صلاتك لأن رئيسك يراك بينما الأصل أن الأعمال بالنيات وقوله تعالى (قل إن صلاتي ومحياي ومماتي لله رب العالمين). فعندما تكون عبادتك لله فلا يهمك كلام الناس ومن يراك (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) يطلبون رؤية الناس لهم في العبادة لذا فإن أرقى الصلوات الخمس هي صلاة الفجر لأن النائم نائم والصاحي صاحي وأرقى أنواع النوافل قيام الليل لأنه لا أحد يراه في ذلك الوقت إلا الله تعالى فلا يرائي أحد في هاتين الصلاتين. ولذلك فإن أثقل الصلوات على المنافقين صلاة الفجر والعشاء لأن المنافق يريد أن يراه الناس (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس) وإذا تدبرنا الآية نجد أن الله تعالى يخبرنا أن المنافق يصلي وهو منافق لأنه قام للصلاة كسلاناً فما بالنا بمن لا يصلي أبداً؟!

الشرك الأكبر: هو الذي يخلد صاحبه في النار (إن الله لا يغفر أن يشرك به). هذا الشرك أربعة أنواع:

  1. شرك النيّة: أن تعمل الطاعة لغير الله تعالى أصلاً وهناك فرق بينه وبين الرياء لأن الرياء عمل عبادة أصلها لله تعالى لكن تتحول ليراها غيره أما شرك النيّة فهو عمل طاعة لغير الله تعالى منذ البداية.

  2. شرك الطاعة: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهذا غير الإكراه فإذا أُكرهت على عمل شيء ليس فيه طاعة لله فهذا ليس شركاً أما أن تستجيب في معصية لله تعالى لغير الله وأنت قادر على المخالفة فهذا شرك الطاعة.

  3. شرك الدعاء: أن تطلب شيئاً من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى من غير الله كأن تدعو : يا فلان ارزقني، يا فلان اشفيني، يا فلان بارك لي ، يا فلان أطل عمري.

  4. شرك المحبة: لو تخيّل أحد أن ماله وولده أو أهله أحب إليه من الله تعالى. يقول r : لن يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

نسأل الله تعالى أن ينجينا من الشرك وأهله.

الحلقة 7:

(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) غافر).

القرآن الكريم معطاء في كل كلمة وفي كل آية. سورة غافر صورت مشهداً رائعاً والآية تتكلم عن تربية العقيدة في القلب والنفس وكيفية تربية العقيدة عند الإنسان. يتكلم المولى سبحانه وتعالى عن الإخلاص (فادعوا الله مخلصين له الدين)، تلفت نظر الناس إلى أمر خطير، إلى شرط من أهم شروط إجابة الدعاء ألا وهو الإخلاص (مخلصين). كلمة (فادعوا الله) فعل أمر بدأت به الآية حتى تفيدنا إلى أن الأمر إذا صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو يفيد الوجوب أي أنه يجب أن ينفذ الأمر، فالله تعالى أمر (فادعوا الله) وعندما يقول القرآن (فادعوا الله) يعني أن الذي لا يدعو آثم لأنه لم ينفذ الأمر الذي فُرِض عليه. فالدعاء إذن فريضة جديدة غير الصوم والصلاة والزكاة. فإذا سأل أحدهم هل الدعاء سنة أم فريضة؟ نقلو إنها فريضة وليس سنة لأن السنة يثاب من فعلها ولا يعاقب من تركها أما الفريضة فهي التي يثاب فاعلها ويعاقب تاركها.

الله تعالى أمر (فادعوا الله) أي أن الدعاء فريضة لا فكاك منها. والدعاء هو الطلب والملاحظ في الدعاء أنه هو العِلّة التي خلقك الله تعالى لأجلها ولذلك يقول r: " الدعاء هو العبادة" وفي رواية أخرى أقل صحة "الدعاء مخ العبادة". فإذا كنت تريد أن يكرمك الله تبارك وتعالى ويستجيب لك اُدعه ولا تتدخل في موضوع الإجابة. قيل: إفصل ثلاثة عن ثلاثة حتى ترتاح: إفصل السعي عن الرزق افصل العمل عن القبول وافصل الدعاء عن الإجابة. إعمل ما عليك وإترك الرزق على الله تعالى، وافصل العمل عن القبول فلا تعتقد إذا عملت عملاً أنه مقبول ولكن إعمل ما عليك ودع القبول لله تعالى وافعل الخير وتمنى أن يقبله الله تعالى منك، فنحن ندعوه تعالى أن يقبل منا ونعبد الله تعالى ونتمنى أن يتقبل، إبراهيم r رفع القواعد من البيت ثم قال (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة). وافصل الدعاء عن الإجابة ولا تقل دعوت ولم يستجب لي. الدعاء عبادة مثل الصوم والصلاة والحج فأنت مطالب بالدعاء ولا علاقة لك بالإجابة. والدعاء له ثلاثة طرق: إما أن يستجيب الله لك دعاءك في الدنيا وإما أن يدفع عنك من السوء بمقدار الدعاء وإما يدخره لك إلى يوم القيامة كأن تزحزح عن النار وتدخل الجنة أو ترتقي في درجات الجنة بحيث يتمنى العبد لو أن الله تعالى لم يستجب له ولا دعوة واحدة في الدنيا لما يرى ما ادخره تعالى له بدعائه الذي لم يستجب له في الدنيا.

(وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) الإسراء) معنى ذلك أن الدعاء هو العبادة وأن العبادة هي الدعاء. إنما نلاحظ قوله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر) لم يقل (وقال الله) للإختصاص لأن الرب من المربي. ولم يقل تعالى ادعوني لعلي أستجب لكم أو يمكن أن أستجيب لكم أو ربما أستجيب لكم وإنما قال (ادعوني أستجب لكم) يعني رب العالمين وعد بالإجابة فاعمل أنت ما شئت واطمئن أن الإجابة حاصلة.

مخاصين: الشيء الخالص هو الصافي. مخلصين أي بدون شائبة. فكيف يكون الدعاء بدون شائبة مخلص؟ ليس الدعاء فقط يكون مخلصاً وإنما الدين أيضاً، قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ (الزمر)). الخالص أن لا توسط بينك وبين رب العالمين أي واسطة. إخلاصك لله تعالى يجعل دعاءك مقبولاً يقول تعالى في الحديث القدسي: يا ابن آدم إنك إن أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة.

اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا واجعل دعاءنا خالصاً لوجهك الكريم واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم وأغننا اللهم بك عمن سواك وأغننا بفضلك عمن سواك وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحلقة 8:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) ق)

هذه الآية في سورة ق التي هي من السور التي تضطرب لها القلوب ةيتذكرها من يريد أن يقترب من الله تعالى، سورة تختلط بحنايا النفس وبحالة الإنسان الذي يريد الإقتراب من االله تعالى إقتراباً صادقاً فيه النفع بالخشية والإنابة. تهتز لها الأعماق وتضطرب لها النفوس وكان r يرتجف منها خشية من الله تعالى لما فيها من معاني وعبارات. عندما نقف أمام هذه الآية ونتأملها ونتأمل هذا المعنى لا يمتلك الإنسان إلا أن يتساءل عن قصة هذه الآية وما المغزى المراد منها؟

(قد) تفيد التحقيق، فالمولى عز وجل يقول أنه هو الخالق وأنت مخلوق والعلاقة بين الخالق والمخلوق هي علاقة سيّد بعبده، أو علاقة رب بمربوب، بناء عليه فما هو تقديرك للمسائل عندما تعرف أنك لست بخالق؟ عليك أن تفوض أمرك إلى خالقك لأنك أنت مخلوق.

(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) في وقت إنتشر فيه الإلحاد والكفر وقلّ فيه من يعرف عظمة الخالق من كل شيء يراه. الآية أثبتت ثلاثة أشياء: الخَلْق، العِلم والقُرب. هذه متلازمات ثلاثة في الآية. معلوم عند السامع أن القرآن يقصد أن الله تعالى أقرب إليك منك، الشريان الذي يوصل القلب والمخ هو الحبل الوريد المقصود ولو انقطع الدم للحظة واحدة يتحول الإنسان الحيّ إلى ميت. لما خلقك الله تعالى أوجد عليك حقاً. والخلق هو الإيجاد وعندما أوجدك الله تعالى هناك حقٌ ودين وتكليف لك. والله تعالى لم يخلقك عبثاً لأنه لا يخلق عبثاً سبحانه. يترتب على الخلق حقوق على المخلوق أولها التكليف فلا بد لك أن تعرف أنك ما دمت مخلوقاً فأنت مكلف ولا يوجد مخلوق من غير تكليف. كل الكائنات مسخّر للحمد والتسبيح. (يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم) مسألة التسخير واقعة عليك لا محالة فطالما أنه تعالى خلقك – في الحديث القدسي: يا ابن آدم خلقت كل الكون لك وخلقتك لي فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له – سخّر سبحانه لك ما في السموات والأرض (جميعاً منه) حتى تعرف أن هذا التسخير ليس بإرادتك. عندما يخلق المولى تعالى فأنت مكلف (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) التكليف بالعبودية فلا بد أن تكون عبداً فهل عبدت الله وأدّيت ما أمرك به؟

العلماء لاحظوا في الآية أن كلمة الإنسان لا تأتي في القرآن إلا باللوم والعتاب وبمعنى التقصير (قتل الإنسان ما أكفره) (فلينظر الإنسان مم خلق) (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) لذا قال تعالى (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) المولى عز وجل إستخدم فعلين: فعل مضارع يفيد الإستمرار (نعلم) وفعل ماضي (خلقنا) معنى ذلك أن الله تبارك وتعالى علمه علم إحاطة خلقك وهو يعلم ما قبلك وما بعدك وما تفعله أنت. المضارع يفيد الإستغراق أثناء الكلام ويفيد الإنتشار والإحاطة. (ونعلم ما توسوس به نفسه) ربنا تعالى يعلمك أنه يعلم ماذا تفعل وبماذا تفكر (حتى مجرد الوسوسة). تأمل معنى (نعلم) لم يقل (وندري) كما في سورة الجن (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) لأن ندري غير نعلم ونعرف غير نعلم لأن العلم إحاطة لذا جاءت الآية (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان) (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59) الأنعام) ويعلم ما في الأرحام ويأتي البعض الآن ويقولون أصبحنا باستخدام جهاز السونار نعرف ما في بطن الأم، نقول له أنت واهم ومخطئ هذه لا تسمى: نعلم ما في الأرحام وإنما هي معرفة أو دراية فالمعرفة شيء والعلم شيء آخر. السونار يعرف إذا كان المولود ذكراً أو أنثى لكن كيف نعرف عمره ورزقه وكسبه وشقي أو سعيد؟ كل هذا التاريخ إلى أن تلقى الله عز وجل لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى لذا لا ينفع أن يقال للطبيب يعلم ما في الأرحام إنما هي معرفة ذكر أو أنثى أما العلم فهو أمر آخر. لذا قتال تعالى في آية الكرسي (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) يعلم فيها إحاطة وشمول لا يعلمها إلا المولى تعالى فهو يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، الله تعالى يعلم ما كان وما سيكون ويعلم ما لم يكن إن كان كيف كان سيكون.

موسى u وقف أمام الخضر أمام البحر فأمسك بيده وجاء عصفور فنقر نقرة من البحر ثم طار فقال الخضر: يا موسى أرأيت ذلك العصفور أنقص من ماء البحر شيئاً؟ قال موسى: حاشا لله، قال الخضر: يا موسى ما علمي وعلمك وعلم السابقين واللاحقين والأولين والآخرين وكل العالمين أمام علم الله إلا كما أخذ ذلك العصفور من ماء ذلك البحر.

في سورة الناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)) ذكر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. هناك نوعان من الوسواس: نوع من الجن ونوع من الإنس (من الجنة والناس) هذان النوعان عبارة عن موسوِس وموسوَس إليه. والوسوسة هي نوع من الإيحاء الخفي بين إثنين يمكن أن يكون جنياً أو إنسياً يوسوس. والوسواس عبارة عن طرفين كما ذكرنا ويمكن أن يكون هناك ثالث يسمع فما رأيك إذا كانت الوسوسة بينك وبين نفسك فمن يسمعك سوى الله تعالى؟ الآية فيها إعجاز كبير (ونعلم ما توسوس به نفسه). الوسواس في سورة الناس بين اثنين والوسوسة في سورة ق بين الإنسان ونفسه لا يسمعها إلا الله تبارك وتعالى الذي يعلم السر وأخفى سبحانه. حديث النفس يعلمه الله تعالى الخالق العظيم العليم القريب فإذا كانت لك حاجة، لو كلمت نفسك ودعوت الله تعالى فإنه مطلع على فلبك ولو دعوت بقلبك أجابك الله تعالى فهو السميع المجيب سبحانه. أسأله أن يتقبل منا ويغفر لنا ويسامحنا بما وسوست به أنفسنا فهو مجيب الدعاء.

الحلقة 9:

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا  (110) الكهف)

هذه الآية جمعت كل الدين وتلخيص الإسلام والعقائد والإلهيات والنبوات والأعمال زالمعاملاتوالسمعيات والعبادات والأخلاق وإثبات بشرية الرسول وشروط قبول العمل وإثبات الوحي وإثبات القبول وكل شيء في الإسلام. والقرآن في كل آياته يصِرّ في كل آياته على إثبات بشرية الرسل وإثبات بشرية الرسول r بالذات لأن إيمان الناس متفاوت فهناك أناس إيمانهم ماديّ ضعيف لا يؤمن حتى يرى بعينه كالأمم الذين كانوا قبل الإسلام مثل اليهود الذين تعددت أنبياؤهم وذلك دليل على إستحكام الداء فقد جاء بني إسرائيل 18 نبي أما أمة الإسلام فبعث لها الله تعالى محمداً r.

إثبات بشرية الرسول r أمر من صالح الدعوة لأن المبالغة غير مطلوبة كما كان r يقول لأصحابه: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله . جاء رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخذ يطريه ويبالغ حتى قال له أنت إله فأمر علي بإعدامه لأن المبالغة تؤدي إلى عكس المطلوب. ونسأل: هل يصلح منهج النبي r للتطبيق اليوم في حالة الأمة اليوم؟ الجواب نعم يصلح بشرط أن تفهم الناس أن البشرية هي نفسها في أنك تستطيع محاكاتها وتقليدها وأن الرسول r كان يأكل ويشرب ويمشي وينام وإلا كيف يكون تقليده إذا قلت لهم أنه ليس بشراً؟ لن يتمكن أحد من تقليده

الآية فيها فوائد عظيمة تثبت إمكانية تطبيق السنة وإتباع النبي r وإمكانية الإبتعاد عن الشهوات وسهولة محاكاة فعل النبي r . قوله تعالى (إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ) يوحي إليّ مهمة جداً وتعني أن ما يتعلق بالدين لم يكن من ابتكار النبي r وإنما نتيجة الوحي فلما تتعامل معه في قضية دينية عليك أن تتأدب لأن الذي كلّفه بذلك هو الله تعالى. قد يقول أحدهم طالما محمد بشر مثلنا فلماذا يأمرني؟ نجيب أن الأمر لم يأت من بشر مثلك بل أتى ممن هو أعلى منك ومنه والأوامر التي أمر بها النبي r هي أوامر أرادها الله تبارك وتعالى وكلّفك بها عن طريقه r فإياك أن تنظر لأوامر النبي r على أنها أتت من نفسه لأنه (وما ينطق عن الهوى) والدليل على ذلك أن الله تعالى استبقاه أربعين عاماً قبل أن يرسله نبياً وقبلها لم يكلفنا r بشيء فإذا جاء الأمر بعد الأربعين تعلم أن الأمر لم يأت من النبي وإنما من رب النبي.

(الوحي) لا قدرة للنبي r على مخالفة ما أوحى إليه به. مضمون الوحي هو: (إنما إلهكم إله واحد) (إنما) تفيد الحصر، (إلهكم) تفيد التخصيص، ولم يقل إنما ربكم لأن كلمة الرب من التربية وكلمة إله من اللجوء والإلتجاء من ألِهَ إليه أي لجأ إليه. لما تنسب الخلق لأحد تنسبه للرب الذي خلق وأوجد وسيطر وهيمن، أما كلمة إله تعني الذي يلجأ إليه الناس فالألوهية صفة رحمة والربوبية فيها صفة قوة. رب تستخدم في غالب القرآن في العقوبة والتأديب (إن ربك لبالمرصاد) (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) أما في الرحمة (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله).

مشكلة العرب الذين أُرسل إليهم النبي r وهم أهل الجاهلية أنهم كانوا يعرفون بوجود الله لكنهم كانوا يتصورون أن هناك آخرون يمكن أن يلجأوا إليهم (مناة ويغوث واللات وغيرهم) لكن الإسلام أبطل أي ملتجئ إليه غير الله سبحانه وتعالى ويدعوك لأن تلتجئ إليه هو الله (إله واحد) وما جاء النبي يعلن نفسه إلهاً وإنما جاء مبلِّغاً عن إله الناس، رب الناس.

(ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) القرآن يخاطب المؤمنين وينهاهم عن الشرك أي لا يريد أن يقعوا فيه أي أن يحذروا العمل أو الدعاء لغير الله تعالى ويقول r: وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، ويقول تعالى (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) (إن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (13) فاطر) نص قرآني بتوجيه الدعاء لله عز وجل وعقيدة توحيد خالص لله تعالى.

لو تأملنا في الآية (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) نجد أن الشرك قد يتسلل للعبادة أي أن المسلم لن يشرك بالله ولكن قد يقع في ذنب قد يحدث فيه شرك بالعبادة فقط مثل الدعاء لغير الله. العبادة أنواع كالطواف والدعاء والرجاء والخشية والإنابة وغيرها من الأمور التعبدية التي جاءت عن رسول الله r .

إذن الآية فيها ملخص كامل لمراد الله تعالى منك (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) إذا أخلصت النية وصححت العمل مطابقاً للرسول r فاعلم أنك من الفائزين يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. المصطفى r عندما كان يتجه إلى الله بعبوديته لله لأنه أعلى مقام هو مقام العبودية. فكلمة عبادة تعني تعبيد نفس، عبِّد نفسك لمراد الله تعالى وطاعته وطوّع نفسك ومهّد نفسك لتكون مستجيباً لله تعالى. لذلك العبادة قائمة على التوحيد والإخلاص لذلك النبي r قال: " كلكم تدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أتباع سيدنا محمد r، اللهم أبلغه منا السلام وخُصّه منا بالتحية والسلام وأوردنا حوضه وارزقنا شفاعته واسقنا من يده شربة ماء واجمع بيننا وبينه كما آمنا به ولم نره اللهم شفعه فينا يوم الزحام واجمعنا معه في خير مقام وارزقنا زيارته على الدوام ورؤيته في المنام وأكثر عليه الصلاة والسلام.

الحلقة 10:

 (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) الأحزاب)

كل إنسان يحب أن يقلّد من يراه قدوة له كالأب والشيخ وغيرهم فما بالك إذا كان الذي يدعوك أن تفعل فعله هو الله سبحانه وتعالى؟ الله سبحانه وتعالى يفعل فعلاً وملائكته تفعل هذا الفعل ويطلب منك أن تفعله أنت أيضاً. فإذا كان الحق تبارك وتعالى يدعوك أن تفعل هذا الفعل الذي نسبه إليه سبحانه ضع (إن الله وملائكته يصلون على النبي) في إطار – وهذه جملة خبرية يخبرنا فيها بأمر – وضع في الإطار الثاني جملة تشريعية (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً). فالآية في سورة الأحزاب جمعت بين الإخبار والتشريع لذلك لو نظرنا إلى الآية نجد فيها صلاة من الله تعالى وصلاة من الملائكة وقد عبر عنها القرآن بصيغة الفعل المضارع (إن الله وملائكته يصلّون على النبي) وهي تفيد الإستمرار أما المؤمنين فالأمر مرد مباشراً (يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه). ان الصلاة على النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم هي من ذكر الله تعالى والصلاة عليه من الله هي رحمة ومغفرة وعفو (اذكروا الله يذكركم)، ومن الملائكة استغفار ومن عباد الله دعاء. وقد أحصى العلماء الفوائد المترتبة على هذه الآية والأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي:

1.                  تكون في معية الله وتشترك معه ومع الملائكة البررة في الصلاة على أشرف الخلق فمن منا لا يرغب بالقرب من الله تعالى والاشتراك معه في امر ينفعه في الدنيا والاخرة؟

2.                  تحل عليك شفاعة النبي الكريم فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فانه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وارجو ان اكون انا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة. رواه مسلم

3.                  تكتب من الشاكرين فالصلاة على النبي الكريم فيها من الاجر العظيم والفوائد الكثيرة وكما قال ابن القيم رحمه الله: ان الصلاة عليه أداء لأقل القليل من حقه وشكر له على ما أنعم الله تعالى به علينا مع ان الذي يستحقه من ذلك لا يحصى علماً ولا قدرة ولا ارادة ولكن الله سبحانه لكرمه يرضى من عباده باليسير مع شكره واداء حقه.

4.                  تكون مع الذاكرين لان الصلاة على النبي المصطفى بأبي هو وامي من الذكر لله تعالى.

5.                  تصنّف عند الله تعالى من المؤمنين ( فالخطاب في سورة الاحزاب للمؤمنين بقوله يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) فاذا لبيت نداء الله تعالى تكون من المؤمنين الذين وجّه الله تعالى لهم الخطاب من المؤمنين.

6.                  ضمنت الجنة. ففي حديث شريف : من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ومن صلى الله عليه أدخله الجنة. وصلاة الله على العبد رحمته وتضعيف أجره كما قال الامام النووي.

7.                  يحيي الله تعالى رسوله فيرد عليك السلام وكأنه حيٌ يخاطبك وتخاطبه.فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من احد يسلمّ علي الا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام.

8.                  تحل لك شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة بدليل الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولى الناس بي يوم القيامة اكثرهم علي صلاة.

9.                  صلاتك على الحبيب المصطفى تستدعي بها ملكاً موكلاً من الله عز وجل بأن يوصل صلاتك وسلامك لخير البرية في قبره.

10.              يزول همك وتكفى غمك، وهذه هدية من هدايا الصلاة عليه r.

11.              لا تكون من البخلاء فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي

12.              تضمن استجابة الله لدعائك. فاذا دعوت الله تعالى ثم صليت على النبي الكريم وبما ان هذا الصلاة مستجابة ومتقبلة من الله تعالى فانه سبحانه حيي كريم لا يرد دعوة السائل فيستجيب له محبة برسوله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه جميعا.وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ان الدعاء موقوف بين السماء والارض لا يصعد منه شيئ حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم.

 دلائل محبة الرسول r

لا يكفي أن يقول المسلم أنه يحب الرسول r وإنما يجب أن يكون حبه مبني على أسس متين ودلائل إثبات محبته r تتلخص فيما يلي:

الاقتداء: وهو الاتّباع في كل ما فعله r مصداقاً لقوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله ورسوله فاتّبعوني يحببكم الله) وقوله تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) واستعمال (قد) في الآية يفيد التحقيق.

الشوق إلى اللقاء: أن تشتاق أنفسنا للقاء الرسول r فهو r كان يشتاق إلينا فكيف لا نشتاق نحن إليه. أولا نحب أن نكون رفقاءه في الجنة؟ قال r لأحد أصحابه ألا تحب أن تكون رفيقي في الجنة ؟ قال بلى قال r كُن أحسن الناس خُلُقاً فقال فإن كنت أحسن الناس خُلُقاُ قال r إذن أحملك على راحتيّ وأدخل بك الجنة.

وقد ذُكر التوقير في القرآن الكريم مرتين مرة لله عز وجل (ما لكم لا ترجون لله وقارا) ومرة مع الرسول r (وتعزروه وتوقروه) وقد جاء الخطاب القرآني موقراً للرسول r فناداه بـ (يا أيها النبي) و لم يناده باسمه كباقي الأنبياء.

كل القلوب الى الحبيب تميل              ومعي بهذا شاهد ودليل

أما الدليل إذا ذكرت محمداً              صارت دموع العارفين تسيل

كثرة ذكره: لا وسيلة لاثبات محبة النبي r إلا إذا كان اللسان يلهج بذكره. وقد عرض الله تعالى على المؤمنين أن يصلّوا على الرسول r وبدأ بنفسه (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وكفى بالصلاة على النبي r شرفاً أن نفعل ما يفعله الله تعالى. والصلاة على النبي r تغفر الذنوب وتصنّف صاحبها مع المؤمنين (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه) وتشارك الله تعالى في فعله ولا تدخل النار أبداً وتدخل الجنة استجابة لأمر الله تعالى بالصلاة على النبي r وتذهب غمك وتزيل همك ويجيب الله تعالى بها الدعاء فإذا أردت أن تضمن الإجابة من الله تعالى فصل على النبي r في أول الدعاء وفي آخره فإن الله تعالى لا يرد دعوة النبي r ويستحي أن يرد دعوتك والصلاة على النبي r تُحييه في قبره فيرد عليك السلام ويكل الله تعالى بها ملكاً يدعو لك ويصلي الله تعالى عليك ومن صلى الله تعالى عليه دخل الجنة.

محبة ما يُحب r: قال r: "أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطّؤن أكنافاً (أي المتواضعون) الذي يؤلفون ويألفون (التبسم في وجه المسلم صدقة). والرسول r كان يحب الإلفة والوئام واللطف واللين والرحمة واليسر والبشاشة والكرم والسخاء والمروءة والسماحة. وقد وصفه الله تعالى في القرآن الكريم (وإنك لعلى خلق عظيم) واستعمال (على) تفيد أن كل خلق حسن عظيم فالرسول r أعلى منه هو فوق كل خلق عظيم.

كراهية ما يكرهه r.: حتى تكون صادقاً في محبتك لرسول الله r لا بد من أن تكره ما يكره وكان r يكره كثرة السؤال وإضاعة المال والقيل والقال والفظ الغليظ والعناد والرذائل والرائحة الخبيثة وعدم البشاشة وزرع الضغينة بين الناس والأناني والبخيل والقاسي ويكره من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ومن يبغض الناس ويبغضونه.

اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كنا صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد.

الحلقة 11:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) الذاريات)

هذه الآيات تكلمت عن العِلّة التي خلق الله تعالى الناس لأجلها وهي العبادة، العبودية. أولاً ما معنى عبودية؟ عبودية من الفعل عبّد. يقال عُبّدت الطريق وتعبيدها أي تمهيدها وإعدادها لقطع المسافات عليها وهذ مسألة شاقة تحتاج إلى كسّارات وآلت نقل الأحجار وآلأ لتسوية الأرض وغيرها فالمسألة ليست يسيرة وتحتاج إلى مشقة. عُبِّدت الطريق أي أنها كانت غير ممهدة، وعرة، متعرجة لا تصلح للسير ثم مُهِّدت. إذن تعبيد الطريق مسألة في منتهى الصعوبة وتحتاج لمجهود ومشقة. من أجل ذلك كل أنواع الطاعات التي أمر الله تعالى بها إسمعها العبادات. سميت عبادة لأنه تمهد النفس لطاعة الله تبارك وتعالى. فكما أن هناك أرض معوجة هناك نفس معوجة. وحتى تسمى عبادة تحتاج لمشقة وقسوة في التعامل ومغالبة لأن طبيعة النفس ليست معتدلة ومستوية لكنها متعرجة وتحتاج إلى تدريب لذا لو نظرنا إلى أي نوع من العبادات نجد إسمها طاعات وسميت طاعات لأنه تطوع النفس. هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن. المؤمن يعرف ما سبب وجوده في الدنيا أما غير المؤمن فلا يعرف فيقول مثلاً: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت وغير هذا الكلام. المؤمن يعلم من أين جاء وإلى أين هو ذاهب من قوله تعالى (إنا لله وإنا إليه راجعون) كلمة راجعون تدل على أنه عاد إلى مكانه الأصلي بعد أن كان في مكان آخر. فمكاننا الأصلي عند الله تعالى وسنرجع إليه وهذه حقيقة يجب أن يعرفها كل الناس،ويجب أن تقال لكل مريض ليصبر على مرضه ولكل طائع ليصبر على طاعاته وعبادته لأن الطاعات تحتاج إلى تدريب. والمخلوق منتظر أوامر الله تعالى الذي أوجده للطاعة والعبادة لذا قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). أنت لك نقطة إبتداء ونقطة إنتهاء وسترجع إلى الله تبارك وتعالى وهذا معنى الآية (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) الإنشقاق) كادح أي ذاهب ومقبل على ربك إقبالاً وساعٍ إليه سعياً فملاقيه.

الناس لا تدري إلى أي الأمور هي مقبلة والدنيا فاتنة ولا قيمة لها. أنت مخلوق للعبادة. والبعض يقول العمل عبادة وهذا ليس حديثاً، صحيح العمل عبادة لكن في غير أوقات العبادة لكن إذا تعارض العمل مع العبادة فلا بد أن تقدّم العبادة على العمل لأنه تعالى (إلا ليعبدون) ولم يقل إلا ليعملون أو ليتنزهون أو يتاجرون أو غيرها. خلقنا الله تعالى للعبادة والعمل هو وسيلة للعبادة لذا جاء بعد قوله (إلا ليعبدون) قوله (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) لأن الله تعالى علم سبحانه بم سيحتج الناس ليتركوا العبادة، سيحتجون بالعمل ويتركون العبادة فقال تعالى لا تتوقع أنك ترزق بالعمل وإنما ترزق بطاعتك لله وبمشيئة الله (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) الإسراء). ويقول الشافعي:

تموت الذئب في الغابات جوعاً          ولحم الضأن يرمى للكلاب

ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، فهو سبحانه يرزق المؤمن والكافر.

أنت مخلوق للعبادة والله تعالى يرزقك لأنها إرادته فلا تحمل همّ رزقك لأنه تعالى قال (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون). فلما يقول تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) إعرف لماذا خلقك الله تعالى وأي إنسان لا يؤدي العبودية لم يعرف الشبب والعِلّة التي خلقه الله تعالى لأجلها وهذا بلاء ونراه في ممارسات البعض كل يوم فالذي يدخل المسجد ويتحدث في هاتفه ليبحث في صفقة هذا ما فهم معنى العبادة والذي في يوم عرفة يسعى لإتمام صفقة ما فهذا لم يعرف معنى العبادة والذي يتحدث في هاتفه خلال الطواف يصف لأهله ما يفعله هذا ما فهم معنى العبادة!

يقول تعالى في الحديث القدسي: يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملاً صدرك غنى (ليس مالاً وإنما إستغناءً) وأسد فقرك وإن لم تفعل سلّطت عليك الدنيا فأنت تركض فيها ركض الوحوش في البريّة ولا ينالك منها إلا ما قسمت لك. وهذا لا يعني أن تستقيل من وظيفتك لكن معناه فرّغ قلبك لعبادة الله تعالى من شوائب الدنيا واقطع علاقتك بالدنيا.

ولقد إستدل العلماء من الآية (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أن الجن مخلوقون قبل الإنس لأنه قدّمهم في الآية على الإنس.

نحن خلقنا لعبادة الله وعبادة الله تعالى هي حبل النجاة الوحيد الذي يوصلنا إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى وعندما يقول تعالى (إلا ليعبدون) الملائكة جُبِلت على عبادة الله أما أنت فأنت مختار أن تعبد الله وأن تتجه إليه.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العابدين وأن يجعلنا من أصحاب الرزق المقيم وأن يرزق قلوبنا الخشية له وحده وأن يعيننا على طاعته برحمته إنه هو السميع العليم وصلّ اللهم وسلم وبارك على خير المتعبدين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحلقة 12:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) الذاريات)

الله تعالى أمرنا بالعبادة ولم يترك الناس سدى وإنما وعد بالرزق. فلا تظن أن الله تعالى سبحانه يورّطك في أمر لا يمكنك أن تفعله فهو سبحانه كلّفك بالعبادة فالعبادة مطلوبة منك والرزق مطلوب منه سبحانه وتعالى جل وعلا. كُلِّف الإنسان بعبادة الله ووعده بأن يرزقه ومسألة الرزق هي من الأمور القدرية التي لا خيار للإنسان فيها. العبادة أنت مخيّر فيها وأنت المكلّف بها إنما الرزق فأنت مسيّر فيه لأن الإنسان ليس له دخل فيه فالله تعالى تكفّل بالرزق (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) نفهم من هذه الآية أن الله تعالى لا يستفيد من عبادتك له والطاعة ليست لها علاقة بالرزق فالله تعالى لن يستفيد من عبادة الخلق (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها) (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) ويقول تعالى في الحديث القدسي: " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم إنسكم وجنّكم قاموا على صعيد واحد فعبدوني على قلب أتقى رجل منهم ما أشرك أحد شيئاً معي ما زاد ذلك من ملكي شيئاً يا عبادي عبادي لو أن أولكم وآخركم إنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فدعوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً" فلو كان كل من على الأرض عبد الله تعالى ما زاد ذلك من ملكه شيئاً ولو أنهم كلهم سألوه كل واحد مسألته فأعطى كل منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيئاً سبحانه.

في زمن عبودية الإنسان للإنسان كان العبد يعمل وسيّده يستفيد إذن في عبودية الإنسان للإنسان خير العبد يعود على سيّده أما عبودية الإنسان لله تعالى فهي العبودية الوحيدة التي يعود فيها خير السيّد على عبده. فمن صالح الإنسان أن يكون عبداً لله تعالى لأن الإنسان هو المستفيد من هذه العبودية. لماذا يحبوك تعالى بفضله إن لم تكن له عبداً؟

(ما أريد منهم من رزق): الله تعالى لا يريد رزقاً من عباده وعلينا أن نفصل بين العبادة والرزق فقد يعمل الإنسان طوال النهار ويعود برغيف خبز واحد وقد يجلس آخر في بيته ويأتيه رزقه الذي قسمه الله تعالى له من إرث يرثه أو غيره وقد يكون الإنسان عابداً لله تعالى طوال النهار والليل وضائعاً ولا يُرزق وقد يكون آخر عاصياً وغير طائع وغني لأن العبادة منك والرزق من الله تعالى سواء كنت طائعاً أو عاصياً (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا). قد يقول البعض طالما أن الرزق مضمون فلماذا أعمل؟ نقول كلا هناك أمران مختلفان أمر إسمه السعي وأمر إسمه الرزق فالسعي تكليف من الله تعالى عليك واجب عليك العمل والسعي وعدم السعي مع القدرة عليه معصية.  

يقول تعالى في سورة الملك (وهو الذي جعل الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها) الضمير في (مناكبها) يعود على الأرض أي مناكب الأرض، أما في الرزق فقال تعالى (وكلوا من رزقه) الهاء في رزقه تعود على الله تعالى فلماذا غيّر الضمير؟ حتى لا تخلط بين سعيك ورزقك فسعيك في الأرض أما رزقك فهو عند الله تعالى لا غيره سبحانه ولو كنت كلما تسعى تأكل من الأرض فلماذا تعبد الله طالما تحصل على الرزق من السعي؟ ستقول هذا تعبي وعملي! وخير مثال على ذلك قصى قارون: قال تعالى في قصة قارون (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) فقال قارون (إنما أوتيته على علم عندي) لم ينسب الفضل لصاحب الفضل سبحانه وتعالى وإنما نسبه لنفسه فكان جزاؤه (فخسفنا به وبداره الأرض).

الرزق قضية موكولة إلى الله تعالى فهو الذي يعطي الرزق ويُكرم ويمنح سبحانه وهذه عظمة النص القرآني.

نلاحظ هذا الكلام في قصة مريم عليها السلام وهي صغيرة (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا) كفّلها زكريا ورزقها كان يأتيها من الله تعالى (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا) أنّى لك هذا؟ أي كيف لك هذا الرزق؟ من أين؟ ردت عليه مريم أنك أنت نبي لا يجوز أن يسأل عن الكيفية وليس مع الله أنّى فقالت (قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) فليس مع الله أنّى فهو سبحانه لا يعجزه شيء وهو تعالى وحده يفعل الشيء بغير سبب وبغير أداة إثباتاً لألوهيته جعل في الحياة كل شيء بسبب فالذي يأكل يشبع والذي يشرب يرتوي وهكذا. أنت لو لم تأخذ بالأسباب لن تصل إلى ما تريد أما الله تعالى فهو وحده سبحانه الذي يفعل الشيء بغير أسباب ولا يحتاج إلى الأسباب التي نحتاجها نحن. مريم قالت (إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) بغير اعتماد على الأسباب التي تؤدي إلى النتائج. ولاحقاً لما كبرت وأتاها الملك يبشرها بعيسى قالت (أنى يكون لي غلام) فقال تعالى (وهزي إليك بجذع النخلة) لن يستطيع أحد أن يهز النخلة فالله تعالى هو الذي سيرزقها لكنه يريدها أن تأخذ بالأسباب. الله تعالى سيرزقها ولكنه يريدها أن تأخذ بالأسباب بعد أن كان يرزقها بغير سبب لأنها كانت مؤمنة مسلّمة بأن الله يرزق من يشاء بغير حساب وهي صغيرة

السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة وفي الحديث الشريف قال r: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" لا بد للإنسان أن يمتحن ويختبر من قبل الله تعالى وإلا قلا قيمة لك عند الله (فلا يغررك تقلبهم في البلاد) لا تغتر أن الكفار أغنياء. فلما يقول تعالى (ما أريد منهم ) لا تخاف على رزقك لأنه مضمون عند الله تعالى

(إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) لا تخاف على رزقك لأن رزقك مضمون عند الله تعالى . يقول الشافعي:

دعِ الأيام تفعل ما تشاء                   وطِب نفساً إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي                  فما لحوادث الدنيا بقاء

وكن رجلاً على الأهواء جلداً            وشيمتك التكرم والسخاء

ولا ترجو السماحة من بخيل            فما في النار للظمآن ماء

فرزقك ليس يمنعه التأني             وليس يفيد في الرزق العناء

إذا ما كنت ذو قلب قنوع              فأنت ومالك الدنيا وسواء

فمن نزلت بساحته المنايا             فلا أرض تقيه ولا سماء

كلنا عباد الله تعالى ولما تسمع قوله تعالى (ما أريد منهم من رزق) تأكد أن الله تعالى جعل لكل مخلوق رزقه إنما يجب أن يأخذ بالأساب. ذو القرنين (لإنا مكناه في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سببا) فأتبع سبباً أي لم ينتظر الرزق وإنما كان يعمل ويأخذ بالأسباب وعندما وصل إلى بين السدين قال له القوم الضعفاء (فهل نجعل لك خرجاً) فقال (ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة) يجب الأخذ بالأسباب وإلا سيخسر الإنسان. رزقك لن يتأخر بالطاعة ورزقك مقسوم ولن ينتقل إلى غيرك (ما أريد منهم من رزق  وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) لن يخذلك أبداً. الله تعالى يرزق الطيور فهي تخرج من أعشاشها وأفراخها تنتظرها لكنها تخرج متوكلة على الله تعالى وتأخذ بالأسباب وفي الحديث يقول r " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطانا".

هذا هو الرزق وهو لا يطلب إلا من الله تعالى ورزق السماء من السماء (وفي السماء رزقكم وما توعدون)

قصة سيدنا إبراهيم كان مشهوراً بالكرم فجاءه رجل فذبح له شاة وقال سم بسم الله فقال الرجل: من الله هذا؟ أنا أعبد النار فقال ابراهيم تعبد النار؟ لا طعام لك عندي فطرده فقال له تعالى: أتدري كم عمر الرجل الذي طردته؟ تسعون عاماً، تسعون عاماً يا إبراهيم وهو يعبد النار وأنا أرزقه وأنت لا تقدر على رزق ساعة واحدة؟!

سبحان الرزاق الذي يرزق من يشاء بغير حساب نسأل الله أن نكون من عباده الذين يعتمدون عليه وحده لا شريك له وأن يرزقنا رزق الأغنياء الفقراء إليه إنه السميع الكريم المجيب الدعاء وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الحلقة 13

دلائل براءة يوسف u من قضية الهمّ:

(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) يوسف)

آية في كتاب الله مثّلت عند الناس مشكلة بسبب عدم معرفة الناس بآداب العقائد الإسلامية وما يجب على الأنبياء وما يستحق في حقهم. سيدنا يوسف u هو من أكثر الأنبياء الذين ظُلموا في تاريخ البشرية بسبب جهالة بعض الناس. والآية التي يدّعون ما يدّعون في يوسف u إنما فيها دلائل براءته u مما ينسبونه إليه.

قال تعالى في سورة يوسف: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) من دلائل البراءة أنه تعالى قال (وراودته) أي هي التي راودته ولم يقل وراودها، وقال تعالى (عن نفسه) ولم يقل عن نفسها، وأنه قال (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي). إمرأة العزيز حاولت أن تراود وأن تضغط على يوسف u فقالت (هيت لك) أي هيّأت نفسي لك. ثم إن القرآن وصف لنا أن إمرأة العزيز غلّقت الأبواب ولم يقل أغلقت ولم يقل باباً وإنما هي أبواب كثيرة وغُلّقت وهذه تفيد الإحكام أي أن المسألأة فيها إعداد فكان رد يوسف u (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي).

(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ): جهلنا باللغة العربية هو المشكلة في تفسير هذه الآية على عكس معناها وهو المشكلة التي تواجهنا في فهمنا للقرآن الكريم. علينا أولاً أن نعرف معنى الهمّ: الهمّ هو التحفز لفعل شيء وليس معناه أن الشيء فُعِل. في الحديث القدسي: "إذا همّ عبدي بالحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة وإذا هم عبدي بالحسنة فعملها فاكتبوها له حسنة مضاعفة وإذا همّ عبدي بالسيئة فلم يعملها فلا تكتبوها عليه شيئاً وإذا هم عبدي بالسيئة فعملها فاكتبوها بمثلها فإذا تركها لأجلي فاكتبوها له حسنة". هذا الحديث القدسي وضّح معنى الهمّ. والعلماء يقولون أنه إذا ذُكِر الهمّ مجرداً من الفعل يجب أن يُنسب الهمّ لصاحبه مثلاً إذا قلت لقد همّ الشيخ الشعراوي ولم أكمل الجملة، يتبادر إلى الذهن: همّ بماذا؟ همّ أن يقرأ؟ أن يفسّر؟ أن يصلي؟ أن يسبح؟ تنسب له نوعية الهم. بخلاف لو قلت همّت الراقصة ولم أُكمِل الجملة يتبادر إلى الذهن ما قد يُنسب للراقصة وشخصها فالهمّ إذن يتناسب مع شخصه.

الآية في سورة يوسف تحدثنا عن همّ إمرأة العزيز التي هيّأت نفسها وغلّقت الأبواب وراودته عن نفسها وبين همّ نبي لذا يجب أن نضع لكل منهما الهمّ الذي يتناسب مع شخصية كل منهما.

(لولا أن رأى برهان ربه) الناس تتصور أن يوسف كان على وشك أن يفعل الفاحشة فرأى صورة أبيه يعقوب أو صورة جبريل فخاف وهذا من الإسرائيليات ولا يدل على أن ليوسف فضل في ترك الفاحشة لأن أي إنسان عادي إذا رأى ملاكاً يخاف ولن يقدر على الزنى. لكن الله تعالى أراد أن يوضح لنا أنه كان ليوسف فضل في عدم فعل الفاحشة.

(ربّه) ليس المقصود بها هنا الله تعالى وإنما رب البيت، العزيز، زوج المرأة والبرهان أي الدليل وهو داخل القصر عادة إذا دخل الملك أو شخصية هامة قصره تضرب له الطبول إعلاناً عن وصوله للقصر. وقد ذكرت كلمة (رب) في سورة يوسف بهذا المعنى أكثر من مرة: (أما أحدكم فيسقي ربه خمراً) ربه أي سيده أو ملكه، (اذكرني عند ربك) أي عند سيدك أو عند الملك، (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي أن الشيطان أنسى الساقي ذكر يوسف عند الملك.

(إنه ربي أحسن مثواي): أي أن زوجها هو الذي ربّاه والدليل (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) فلو قارنا الآيات : أحسن مثواي، أكرمي مثواه يظهر أن ربي في الآية جاءت بمعنى الملك أو سيد البيت زوج المرأة.

يتضح من الآية (ولقد همت به وهم بها) أنه يوجد صراع حصل، هي همّت به تجذبه إليها وهو همّ بها يدفعها عنه، فعل الهّم واحد لكن المعنى يختلف باختلاف الشخص، يوسف u كان على وشك أن يقتلها لولا أنه شعر أن زوجها دخل القصر ويوسف نبي قوي شاب وجرى نحو الباب لذا يقول تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء). الفحشاء إسم للزنى والسوء إسم للذنب بشكل عام. إذن هناك أمران صُرِفا عن يوسف u وهذا دليل آخر على براءته فلم يقل تعالى لنصرف يوسف عن السوء والفحشاء وإنما قال لنصرف عنه السوء والفحشاء فالمصروف كان السوء وليس يوسف u. إذا رضي الله تعالى عن عبد صرفه عن الحرام وإذا أحبّه صرف الحرام عنه وهناك فرق بين الإثنين، يوسف u من المحبوبين لأنه تعالى صرف عنه السوء والفحشاء (إنه من عبادنا المخلَصين). فالفحشاء صُرِفت، (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة) فالزنى هو الفاحشة والفاحشة هي الزنى. السوء (القتل) والفحشاء (الزنى) صُرِفا عن يوسف u.

الآية أوجدت نوعين من الهمّ كما ذكرنا ونوعين من الذنوب السوء الفحشاء فأعطِ كلاً من يوسف u وامرأة العزيز ما يناسبه: السوء ليوسف والفاحشة لامرأة العزيز. إذن في الآية نوعان من الهمّ نوعان من الفعل يؤكد هذا المعنى قوله تعالى (لنصرف عنه السوء والفحشاء).

(إنه من عبادنا المخلَصين): هناك مخلَص ومخلِص إسم فاعل وإسم مفعول، المخلَص هو الذي خُلِّص بقوة أقوى منه ومخلِص من نفسه. أخبر الله تعالى في الآية عن يوسف أنه مخلَص وهذا دليل على براءته لأن الشيطان قال (إلا عبادك منهم المخلَصين).

وللتأكد على أن يوسف u لم يفعل الفاحشة أن أول ما قابل السيّد لدى الباب قالت إمرأته (ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً) لم تقل من أراد بأهلك فاحشة وإنما قالت سوءاً أي أنها اتهمته بالسوء ولم تتهمه بالفحشاء ولم تجرؤ هي على اتهامه بالفحشاء فهل يجرؤ أحد أن يتهم نبي الله يوسف u بالفحشاء؟!

هذه الآية هي أكبر دليل على براءة يوسف u  والرسول r كان يصف يوسف u بأنه الكريم إبن الكريم إبن الكريم إبن الكريم (يوسف ابن يعقوب ابن اسحق ابن ابراهيم).

نسأل الله تعالى أن يعفّنا كما عفّ أنبياءه الصالحين ويباعد بيننا وبين الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأن يثبت أقدامنا ويجعلنا من عباده المخلَصين.

الحلقة 14:

(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ)

تتكلم الآية عن العظمة والملك الذي أعطاه الله تبارك وتعالى لسليمان u. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل والتماثيل كانت جائزة في عهد سليمان وجفان (جفان جمع جفنة وهي الطبق الكبير) وقدور راسيات: القدور الكبيرة كأنها مركب كبير.

(اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) يستوقفنا معنى الآية: لأول مرة نلاحظ أن الله تبارك وتعالى لم يقل قولوا آل داوود شكراً وإنما قال اعملوا. فما علاقة العمل بالشكر وهل العمل شكر؟

الشكر ليس كلمة وإنما هو عمل ولذلك الدليل أن الله تعالى قال في سورة لقمان (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)) جاءت بعد ذكر الحكمة أي وضع الأمر في نصابه. هناك نِعَم لا تُشكر إلا بالعمل ونِعَم تشكرها باللسان. كلمة الحكمة وضع الأمر في المكان الصحيح لذا نقول على الغطاء محكم.

عندما يقول تعالى (اعملوا آل داوود شكراً) لا يريد تعالى أن يكتفي الإنسان بشكر الله بلسانه ولكنه يريده أن يترجم شكره من القول إلى الفعل والأداء. فهناك شكر باللسان وشكر بالجوارح فلا يكتفي العبد بشكر اللسان وإنما يترجم ذلك إلى شكر الجوارح ويكون عمله دليل على شكره لله تبارك وتعالى.

في الخطاب للقمان (أن اشكر لله) الشكر اختياري لكنه مطلوب لدوام وبقاء النعمة. في قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ (144) آل عمران) هذه الآية تتحدث عن موقف فيه أخذٌ لحياة النبي r فكيف يأتي موقف الشكر في وفاة الرسول r؟ الشكر له دلالة وهي أن تقتدوا برسول الله r بعد موته وتتّبعوه ولا تتحولوا عن دينه. فالله تبارك وتعالى يريد من الصحابة الذين عاشوا بعد الرسول r أن يسيروا على هديه ونهجه وهذا هو الشكر الوحيد لبعثة الرسول r. ترك السُنّة ومحبة الرسول r واتّباعه هو إنقلاب على الأعقاب وترك للوصية والعهد الذي بينهم وبين الرسول r فالذي يتبع النبي r هم الذين شكروا النعمة وهم شاكرين على حياة النبي r وليس على وفاته. والله تبارك وتعالى ما أرسل رسوله ليُخلّد بين الناس وإنما أرسله لفترة محددة حتى يعلّم الناس فيها ما يسيرون عليه إلى يوم القيامة. وعيلنا أن نشكر الله تبارك وتعالى على نعمة بعثة رسول الله r بإتّباعه.

كيف يكون الشكر لله وما الفرق بين الشكر والحمد؟

الحمد هو نهاية النعمة أما الشكر فهو طلب المزيد من النعمة والعطاء.

(إعملوا آل داوود شكراً) أثبتت أن الشكر هو الذي يُبقي النعمة بين يديك ولا تسلب منك. إذا كنا سنموت كلنا لا محالة علينا أن نفهم أن نحافظ على النعمة حتى لا تُسلب منا أثناء حياتنا عن طريق شكرها. ومن هذه الآية نقف عند القواعد التي تضمن بقاء النعمة:

أولاً: نسبة النعمة إلى المُنعِم حتى لا يتسبب نسبتها إلى غير المنعم بغضب المنعِم كما حصل مع قارون الذي نسب ما وصل إليه إلى نفسه (إنما أوتيته على علم عندي) فكان غضب المنعِم عليه بأن خسف به وبداره الأرض. أو كما فعل صاحب الجنتين في سورة الكهف الذي كان يعتقد أنه يستحق النعمة. أما ذو القرنين في قصة سورة الكهف فنسب النعمة إلى الله تبارك وتعالى (هذا رحمة من ربي).

ثانياً: عدم الإنشغال بالنعمة عن المنعِم وطاعته لأنه سبحانه وتعالى إذا رآك قد انشغلت بالنعمة عنه سلبها منك لتعود إليه.: سليمان u إنشغل بالخيل عن صلاة العصر فذبح الخيول إعتذاراً لله تبارك وتعالى. وقد شكر القرآن أن الإنسان قد ينشغل بالنعمة عن المنعم كما في سورة التكاثر (ألهكم التكاثر حتى زرتم المقابر) الإنسان مشغول بدنياه، (وإنه لحب الخير لشديد).

ثالثاً: عدم التكبّر بالنعمة على خلق المنعِم (فخرج على قومه في زينته) لأن المُنعِم يبغض الكِبر. فقد تأتي النعمة للإنسان إختباراً له (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) فهناك إختبار بالمنع وإختبار بالمنح.

رابعاً: إعطاء الحق الذي أوجبه المنعِم (قصة أصحاب الجنة في سورة الحاقة) منع الزكاة والصدقة يوجب زوال النعمة (هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) محمد)

خامساً: الثناء على المنعم: ومن أمثلة الثناء على المنعم ما ورد في الكتاب والسنة: شكر الله تعالى على نعمة الهداية (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) شكر الله تعالى على الطعام والشراب (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا) شكر الله تعالى أن جعل المائ سائغاً للشرب ولم يجعله ملحاً أجاجاً (الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً) شكر الله تعالى على ثوب ستر به عوراتنا (الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من حول مني ولا قوة)

الحلقة 15:

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)) سورة الفرقان

الآية تصور الناس يُعرضون على جهنم ويدخل إلى المشهد أناس قد كُبّلوا بالحديد وصُفّدوا بالأصفاد وارتجفت قلوبهم من الخوف (ويوم يعض الظالم على يديه) فيقول (يل ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) سبيلاً أي طريقاً، هذا موقف مليء بالحسرة ومكتظ بالندامة فكل سبيل غير سبيل النبي r لا يوصل والأصل هو إتّباع الرسول r. (يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلاناً خليلا) استعمل القرآن لفظ (فلانا) ولم يحدد من هو فقد يكون رئيسك في العمل أو أبوك أو أخوك أو صديقك أو حبيبك أياً كان هذا الفلان فكأن القرآن تعمّد أن يهمل إسمه حتى يضع كل إنسان إسم هذا الفلان الذي إتخذه في الدنيا خليلاً (أمثال: المعوقين منكم، والذين يمنعون الماعون). فأضلّه عن سبيل الله تعالى وعن الذكر الإضلال عن الذكر توضح أن هذا الشخص قبل أن يضله كان له طريق مع الله تبارك وتعالى قبل أن يُضَلّ. والعضّ الذي ورد في الآية يوحي بشدة الندم والحسرة. وإتّباع الرسول r هو إتّباع طريق الله تبارك وتعالى والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الله تبارك وتعالى وفي الحديث القدسي: " وعزّتي وجلالي لو أتوني من كل طريق واستفتحوا من كل باب ما فتحت حتى يأتوني من خلفِك".

سؤال: ما الآية التي فيها ثلاثة أوامر وثلاثة نواهي؟ قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تتقون).

الحلقة 16:

إعادة لحلقة سابقة


Hit Counter