في رحاب آية

الشيخ خالد الجندي

رمضان 1427 هـ


الحلقة 17:

(عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10))

الذي لا يعرف قدر نبيه خليق به أن يُرمى في مهب الريح. مكانة النبي r وضعها الله تبارك وتعالى له وليست تفضلاً أو مِنّة من أحد. هذه المكانة هي التي يُرفع لها من رفعة الله تعالى, نتكلم عن نبي أضيف إلى ربه ورسول أضيف إلى مولاه. (رسول الله) وعبدٌ نُسِب إلى ربه (محمد رسول الله). الإضافة إلى الله تعالى كثيرة في القرآن: مساجد الله، حرمات الله، شعائر الله، أيام الله، حدود الله. كل ما نُسِب إلى الله تعالى له توقير الله تعالى لأن توقير المضاف يكون بتوقير المضاف إليه.

الحسن البصري كان يصف ملابس الرسول r عمامته وعصاته حتى قال عن نعله: وله نعل نعلو بذكره، فقالوا: كيف نعلو بذكر نعله؟ قال: إنه نعل ما أُمِر أن يخلعه فوق السموات العلا بينما أُمِر موسى بخلعه في الأرض (إخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى).

محمد سيد الثقلين رسول الله قال فيه ربه تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ما من شيء إلا والله ربه وما من شيء إلا وهو مرحوم برحمة رسول الله r. الله تعالى زكّى كل شيء في رسوله r: يُتمه وفقره وتحنّثه في غار حراء (ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى)، كان موسى u يكلب من الله تعالى أن يشرح له صدره (رب اشرح لي صدري) أما النبي r فيُطلب (ألم نشرح لك صدرك)، كل أفعال النبي r تنسب إلى الله تعالى: في العلم (وعلمك ما لم تكن تعلم)، في الهداية (إنك لتهدي)، الرمي (وما رميت إذا رميت)، الرحمة واللين (فبما رحمة من الله لنت لهم).

حادثة عبد الله ابن أم مكتوم: النبي r لم يخطئ (عبس وتولى) يقولون أن النبي أخطأ وعبس في وجه الأعمى لكن هذا خطأ. والآية لا تدل على خطأ النبي r. الذي كان يجلس أمام النبي r هو عبد الله ابن أم مكتوم وكان مع الرسول صناديد قريش وشعر r أنه حدث منهم لين أما عبد الله فهو رجل مسلم وجاء يتعلم من الرسول r فأي إنسان سيؤثر أن يحدّث المجموعة الكبيرة المراد إسلامها على محادثة الفرد الواحد. فعبس وجه النبي r. القرآن الكريم أصرّ على كلمة الأعمى ولكن الله عز وجل أراد أن يبريء ساحة النبي r لأنه لو عبس في وجه مبصر لأحزنه لكن الذي أمامه أعمى فهو لم ير ملامح وجه الرسول r. تكلم القرآن عن ملامح وجه النبي r. الذنب لا يقع إلا بعلم والآية تنفي علم النبي r (وما يدريك لعلّه يزّكى) فالله تعالى لم يُشر إلى إهانة عبد الله ابن أم مكتوم.

الكفار رأوا هذه الواقعة وعبد الله ابن أم مكتوم كان أعمى والرسول r فهم أنه هو المقصود في الآية عندما نزلت ومن التلطف به r جاء بالفعل والفاعل مستتر (عبس وتولى) أي هو ولم يقل تعبس وتتولى بضمير المخاطب. الرسول r يعرف أنه المقصود من الآية فأطرق رأسه في الأرض. (عبس وتولى) ثم حصل إلتفات مفاجئ (وما يدريك ) كأن القرآن يتلطف بالعبارة مع الرسول r بما يتناسب مع مشاعره r. ودليل على أن الرسول r لم يكن يتحكم بملامح وجهه وهو كله ملك لله تعالى. ثم أخبره تعالى بأنه لم يخطئ بدليل (كلا إنها تذكرة) هي تذكرة فقط.

آية أخرى يقف عليها الناس وهي: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) أقسم الرسول r أن لا يأكل عسلاً فلما أقسم على طعام لم يحرّمه على الأمة فما قالت الآية لم تحرم ما أحل الله للناس وإنما قال (لك) ايس للناس فهذا أمر خاص بالنبي r لكن الله تعالى نهاه عن ذلك باعتبار ما يسميه العلماء خلاف الأولى. الذي عمل عمرة قبل أن يؤدي فريضة الحج نقول له لو حججت أفضل لكن ليس عاصياً أو آثماً لأنه عمل عمرة لكنه خلاف الأولى. أو أن يتصدق أحدهم على فقير في الشارع وعنده في عائلته من هو بحاجة هذا خلاف الأولى. الدليل على أنه ليست معصية أن نبيّنا حرّم على نفسه بعض الطعام وما خطّأه الله تعالى (كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) سيدنا يعقوب اسمه إسرائيل. هذا ليس حراماً حرّم هنا بمعنى منع يقال حرّم الطبيب على المريض أكل الدهون هذا التحريم ليس تحرم الشرع وإنما تحريم المنع. وتحلّة الأيمان فُرِضت بسبب هذه الواقعة (تحريم الرسول r العسل على نفسه) ولو لم تحصل هذه الواقعة ما كانت شرعت تحلة الأيمان.

حادثة زينب: التبني كان موجوداً قبل الإسلام وعند العرب إذا قالها يكون المتبنّى كالولد وكان يسمى الدعيّ عند العرب أي الولد الذي اد!عيت أنه ولدي وهو ليس بولدي. خديجة رضي الله عنها أهدت زيد بن حارثة للرسول r وكان عبداً ورفض زيد أن يذهب مع والده عندما جاء ليسترده وفضّل أن يبقى مع الرسول r فأخذ الرسول r بيد زيد وقال: زيد هذا ابني يرثني وأرثه فاشتهر بيم الناس بزيد بن محمد وزوّجه الرسول r بزينب بنت جحش وهب إبنة خالة النبي r ولها عنده مكانة ومنزلة. وكانت زينب تعيّر زيداً فكان زيد يتضايق ويشكو للرسول r فجاء القرآن وأبطل التبني (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) ثم قال (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) فعومل زيد معاملة الإنسان العادي ونُزِع منه شرف النسب لرسول الله r فعوّضه القرن بذكر اسمه بعدما نوع اسمه من اسم النبي r عوضه القرآن بأن ذكر اسمه في القرآن (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا). الرسول r كان يُصلِح بين زيد وزينب فجاءه جبريل u بوحي من الله تعالى بأن زيداً سيطلق زينب وسيأمره تعالى بالزواج من زينب. (وإذ تقول) القرآن أراد أن يفهم الناس أن امرأة الدعيّ تحِلّ وبدأ بالرسول r (وتخفي في نفسك) لأن جبريل أعلمه أن زيداً سيطلقها. (تخشى الناس) أي تخاف على الناس والخشية هي الخوف على الآخرين يعني لا تخف على أحد من الناس لأن الله تعالى أراد ذلك وهو سبحانه يحمي الناس من عقولهم.

(زوجناكها) المتكلم هو رب العالمين وهذا يدل على أن الله تعالى زوّج النبي r بزينب لكي لا يكون على المؤمنين حرج. زينب كان تتفاخر أمام النساء فتقول: زوجنيه الله من فوق سبع سموات.

حادثة أسرى بدر: عندما أراد النبي r أن يأخذ الفداء من الأسرى (وما كان لنبي أن يكون له أسرى) جرّب النبي إما أن يؤمنوا به أو لا فالنبي لم يقاتل لأجل المال ولذا كانت الحروب فاصلة

الحلقة 18:

إعادة للحلقة  13

الحلقة 19:

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2))

اليتيم يُعيّن عليه وصي ويسمى في اللغة العربية (القيّم) وظيفته أنه يجب أن يستأذنه الصبي الصغير في كل شيء. قال تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) لا ينفع أن تعطي الطفل الصغير ماله. (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (6) النساء) عندما لا يستطيع الطفل أن يتصرف في أموره المالية فلا بد أن يكون هناك من يعرف وهذا الذي يعرف إسمه الوصي أو القيّم. لا تقبل تصرفات الصبي إلا بعد الرجوع إلى القيّم وهذا منهج القرآن والشرع والمجتمع. قال تعالى (وابتلوا اليتامى) أي إختبروهم (حتى إذا بلغوا النكاح) أي وصلوا لمرحلة البلوغ ولم يكتف القرآن بالوصول لمرحلة البلوغ فقط وإنما قال (فإن آنستم منهم رشدا) أي تصرفاته رشيدة عاقلة وليس سفيهاً أو جاهلاً. التصرفات الرشيدة هي وضع الأمر في نصابه الصحيح لأن القرآن إهتم جداً بقضية الوصي والقيّم. فالقيّم هو كل شيء والقيّم جاءت من قام بالشيء أي عمل على حفظه وصيانته لذا قال تعالى (الرجال قوامون على النساء) أي ساهرون محافظون على خدمة النساء. فالعلاقة بين القيّم واليتيم هي علاقة هامة إذ لا ينبغي أن يفعل اليتيم شيئاً إلا بعد إذن القيّم ولا يتصرف في أمر من أموره إلا بعد موافقة القيّم ولا بد أن تكون علاقة اليتيم بالقيّم علاقة إسترشادية.

ننظر في الآية الأولى في سورة الكهف: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا) علاقتنا بالقرآن علاقة القوامة فالقرآن هو القيم الذي يقوم على شؤوننا وكأننا نحن الأيتام والقرآن هو القيّم والحافظ والمرشد والحارس والدستور والموجّه والمهيمن على تصرفاتنا وهو الذي يجب الرجوع إليه في كل تصرفاتنا ونستأذنه في كل إرادتنا. هذه العلاقة علاقة أبدية لأننا لن نبلغ سن الرشد أبداً لأن القرآن من لدن حكيم خبير كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكيف يستطيع أحد أن يتخلص منه؟ لا يمكن. علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يروي حديثاً : سمعت رسول الله يقول ألا إنها ستكون فتن قال علي: قلت وما المخرج منها يا رسول الله؟ فقال r: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبارقصمة الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين. وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم هو التى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنه، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه، هو الذى لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم. ذكر r عشرين حسنة في القرآن الكريم. كل شيء موجود في كتاب الله تبارك وتعالى: الخبر والآية وعلم النفس والإعجاز البلاغي وكل أنواع الإعجاز إعجاز صوتي، الحروف مركبة مع معاني القرآن، وإعجاز بلاغي إطناب وتقديم وتأخير، إعجاز لغوي حركة اللغة في القرآن تعجز أرباب النحو، إعجاز تاريخي في المراحل التي مرت بها مصر مثلاً ففي زمن يوسف u كان الحاكم يسمى ملكاً وهذا ذكره القرآن وفي زمن موسى u كان يسمى فرعون.

القرآن وظيفته أن يكون موجّهاً قيماً لكم المسلمون للأسف لم يتخذوه قيماً. هؤلاء يسمون هجر القيّم وصار آبقاً (يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) هجروه وتركوه وبعدوا عنه ونأوا عنه في هذه الحالة يقف القرآن معنا وقفة:

لنحلل مقدمة سورة الكهف: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3))

العلماء لاحظوا أن كلمة الحمد معناها الثناء على الله لكن لم يقل الشكر لله. الفارق بين الشكر والحمد أن الشكر تعني أنك تريد المزيد لكن عندما تقول الحمد لله معناها اكتفيت. الحمد لله تقال بعد تمام النعمة واكتفائك لا يتصور بعد الحمد نعمة أخرى لذا أهل الجنة يقولون (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده). لذلك ذكر الله تعالى الحمد في نعمة القرآن (الحمد لله أنزل على عبده الكتاب) حتى يعلّمنا أنه ليس بعد كتاب الله نعمة ولهذا الحمد موجود في أول سورة الفاتحة (الحمد لله) فليس بعد نعمة القرآن نعمة وليس بعد فضل القرآن فضل.

نزّل وأنزل: نزّل الآيات أي ما زالت تنزل، وأنزل الآيات أي نزلت وانتهى الأمر. لما تمت نعمة الله تعالى على نبيه أعلم الله تعالى رسوله r (أنزل على عبده الكتاب) لذا (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) أي دين عير دين المصطفى وأي كتاب غير القرآن هو غير كامل وغير تام وغير مرضي عنه من الناحية الشرعية ليُطبّق بين الناس.

الله تعالى تكلم عن الرسول r بلفظ (عبده) بمعنى أنه تعالى شرّفه بأعلى رتبة العبودية . القرآن ذكر رتبة العبودية ذكره (عبداً إذا صلى) وبالإضافة للفظ الجلالة (وأنه لما قام عبد الله) وبصفة الغائب (عبده) وبصفة المتكلم (عبدنا) كل صيغ العبودية وردت للنبي r وأصر القرآن على ذكر العبودية ليفهمنا أن لهذا العبد سيّد وأن ذلك السيّد هو الذي أنزل القرآن.

العِوَج: يأتي من عدم إستقامة المنهج وعدم إستقامة الأسلوب والبيان والفائدة والهدف وطريقة الدعوة. ليس في القرآن عوج من أي نوع ولا في أي حال من الأحوال أو زاوية من الزوايا.

عندما كانوا يستشهدون أن في القرآن ألفاظاً غير عربية جاءوا برجل واستفزّوه فقال: أتسخر مني يا ابن قسورة العرب وأنا شيخ الكُبّار إن هذا لشيء عجاب، قال: أتسمعون ما قال؟ حوى كلامه على ما جاء في القرآن: (سخر الله منهم، فرّت من قسورة، ومكروا مكراً كبّارا، إن هذا لشيء عجاب). ما استطاعوا أن يقارنوا القرآن ويجدوا له مثيلا.

كيف تعامل هؤلاء مع القرآن؟: الحجاج بن يوسف الثقفي اشتهر أنه سفّاح فعل الأعاجيب في عهده وكانت هناك منافسة في المجتمع الإسلامي في العناية بالقرآن ومتابعة القرآن لم يشهدها المجتمع من قبل. كل لفظ في القرآن له دلالة وله معنى لذلك الحجاج كان معلّماً للقرآن في حياته وإنما عانى الأمرّين من فصاحة الناس وتمسكهم بالقرآن. قال مرة لغلام: يا غلام كم تحفظ من القرآن؟ قال الغلام: ما أجهلك بالقرآن! قال: لم تقول ذلك؟ قال: ألم تسمع قوله تعالى (وإنا له لحافظون)؟ من أنا حتى أحفظ القرآن؟! قال: فماذا أقول؟ قال: قل كم تعي من القرآن؟ قال: لمَ؟ قال: ألم تسمع قوله تعالى (وتعيها أذن واعية)؟ قال: إذن كم تعي من القرآن؟ قال: جميعه، قال: إقرأ علي ما تيسر منه، قال: إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا، انتفض الحجاج وقال: يخرجون أو يدخلون؟ قال الغلام: كانوا يدخلون في عهد رسول الله ويخرجون في عهدك. هذا الغلام كان عنده استحضار لمعاني القرآن.

قيماً: يجب على المسلم أن يجعل القرآن دستوراً له في مجتمعه وحياته لكن لا يهجر القرآن لأن الذي يهجر القرآن يهجره القرآن. وقد وصف الرسول r القرآن وصفاً عجيباً. لو تخيلت أن السقف إنشق ونزل منه حبل وقيل لك هذا الحبل طرفه بيده الله فهل تفلت الحبل؟ لا يمكن، يقول r: " إن هذا القرآن حبل الله طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا من بعده أبداً". ولو انزلقت يدي عن الحبل جعل الله تعالى له عروة فقال (فاستمسك بالعروة الوثقى). هذا الحبل إذا مُدّ إليك تمسّك به وتشبث به ففيه النجاة وفي غيره الهلكة.

(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب   ) القرآن نزل لأمرين: النذارة والبشارة. والإنذار أتى في هذه الآية قبل البشارة. لما يتحدث القرآن عن الرسول r يقدّم البشارة على الإنذار فهذا منطق الرحمة التي وضعت في قلب النبي r فقال تعالى (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا) أما في صدر سورة الكهف قدّم الإنذار على البشارة لأنها تتفق مع شخصية القيّم وهذا من دقة اللفظ في القرآن. لفظ الرحمة قبل الإنذار تتفق مع شخصية الرسول r ولما نتكلم عن القرآن نتكلم عن القيّم.

البأس: هو العذاب والأخذ الشديد لمن يتطاول على الله تعالى.

(قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) لم يكتف بالإيمان وإنما أضاف عملوا الصالحات.

المكث: (مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) في الإنذار لم يتكلم عن المكث أبداً مما يدل على أن العذاب له مخرج وإنما البشارة لا نخرج منها فالذي يدخل النار والعياذ بالله سيخرج منها يوماً إن كان من أهل التوحيد أما الذي يدخل الجنة فلن يخرج منها أبداً بأي حال من الأحوال. هذه دقة القرآن في صياغة الألفاظ.

كلمة قيّم: تفيد بأن المسلم له مرجع يردع إليه ولذلك القرآن كأنه كتالوج جهاز وهذا الجهاز صنعه رب العالمين سبحانه وتعالى عمل لنا منهجاً لكل شيء لأنه أعلم بي وبك فالقرآن هو المنهج نسأل الله تعالى أن يكون القرآن قيماً على حياتنا في الدنيا والآخرة وأن يرزقنا العمل به ما حيينا وأن ينفعنا به إن متنا ويجعله نوراً لنا في حياتنا وفي مماتنا وفي قبورنا وأن يحشرنا على الوجه الذي يرضيه عنا وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الحلقة 20:

(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22))

كلمات هذه الآية كبيرة: سيقولون، ويقولون، قل، ثم القرآن يستغرق في سرد كلمات ستقال أو أمر ستُفعل ولا يقطع فيها القرآن قطعاً وأظن هذا مقصود. القرآن يعمل لنا تربية نحتاجها جميعاً والكلام مقصود. ما هي التربية التي نحتاجها؟ القرآن يعلّم المسلم أن لا يكون تافهاً ولا سطحياً وأن يهتم المسلم بعظائم الأمور لا بسفاسفها ولا بتفاهاتها. فبعدما سرد القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف أورد القرآن الآية (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22))  ويقول تعالى للنبي r: لا توافق على هذا الكلام (قل ربي أعلم بعدتهم) (فلا تمار فيهم أحدا) أي لا تجادل إلا في الأمور الظاهرة التي أُوضِحت إليك. كان ممكناً للقرآن أن يختصر الآية ويحدد عدد الفتية في الكهف لكن القرآن تعمّد إغفال العدد الحقيقي لأصحاب الكهف لأن القَصص القرآني ليس فيه تفاهة وإنما يقص القصة بدون حواشي ويحذف الأمور التي لا طائل من ورائها ولا يهتم القرآن بتفاصيل لا تفيد بشيء.

لما تكلم القرآن مثلاً عن قصة ذي القرنين (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا) لم يدخل في تفاصيل من أين أتى وغيره، ولما تكلم عن قصة موسى u مع العبد الصالح الذي ظهر فجأة واختفى فجأة ولم يعلمنا القرآن من أين جاء ولا إلى أين ذهب؟ وكيف أكما حياته؟ ولم يذكر لنا القرآن حتى اسمه وإنما المهم أن موسى u تعلم منه ثلاثة أمور في خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ثم اختفى العبد الصالح، ويقول r: " رحِم الله أخي موسى لو صبر أكثر من هذا لتعلّمنا" الرسول يتواضع بلغة المتعلمين. كل هذا معناه أن القرآن لا يهتم إلا بالفائدة والأمر المهم والذي فيه مصلحة وما يتكلم به الناس هذا هو القرآن الكريم. إنما هناك أناس يتركون قصة سليمان u بكاملها وما فيها من عبر ودروس ويسألون عن نوع النملة التي تكلمت مع سليمان، وآخرون ينسون قصة يونس u وينشغلون بنوع الحوت الذي التقمه، وآخرون يتركون قصة أصحاب الكهف ويسألون عن عددهم أو نوع الكلب الذي كان معهم. فالقرآن الكريم يربي الناس على إحترام الهدف وتعلم الشيء المفيد فقال للرسول r (سيقولون) لن يخبرهم القرآن ولن يدع الرسول r يخبرهم (قل ربي أعلم بعدتهم) فالمطلوب معرفة هدف القصة ولا داعي لمعرفة ما لا طائل من ورائه.

(فلا تمار فيهم) أي لا تجادل فيهم إلا في الذي علمته. لذا لا يجوز للإنسان أن يجادل فيما لا يعلم فالذين جاءوا يسألون الرسول r عن أهل الكهف لا يعرفون من هم أهل الكهف.

استعمال السين في القرآن يفيد الإستقبال (سيقولون) أي أنهم لم يقولوا بعد وإنما سيقولون وهذا تحدي كبير من القرآن لهؤلاء فلو شاءوا لما قالوا. لما تغيّرت القبلة من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام ذكر تعالى للرسول r (سيقول السفهاء من الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) القرآن ذكر أن هؤلاء السفهاء سيقولوا هذا الكلام وهم لم يقولوه بعد وهذا من إعجاز القرآن لأن هؤلاء السفهاء لم يفكروا لحظة أن يمتنعوا عن القول تكذيباً للقرآن لكن الله تعالى أعلم بهم وبما في خواطرهم. لذا قال تعالى (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  (142) البقرة) إذن استخدام السين أفاد الإستقبال وكان بإمكان هؤلاء أن لا يسألوا عن عدد أهل الكهف. هم سألوا الرسول عن أمور في الماضي (سألوه عن ذي القرنين وأصحاب الكهف والروح) سألوا عن أشياء غيبية ماضية ثم بعد أن ذكرها لهم تحدّاهم بأمر مستقبلي لن يقدروا على مخالفته (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم).

العلماء لاحظوا أن هناك (واو) تأتي بين العدد سبعة وثمانية وتسمى واو الثمانية. لماذا هذه الواو؟ يقول تعالى (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما) (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) مع الرقم 3 و4 و5 و6 لم يذكر الواو (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) وقال بعدها (رجماً بالغيب) أما مع السبعة والثمانية لم يقل رجماً بالغيب وإنما سكت. وبعض العلماء إستدل من هذا أنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. لكن القرآن سكت عن هذا حتى لا ينشغل الإنسان بالتفاهات من الأمور التي لا طائل من ورائها (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (36) الإسراء) حتى يعلم الإنسان الجدّية في السؤال وهذا ما تعلمه صحابة الرسول r تعلموا الإحترام وعدم الفوضى وعدم الإستهتار بجدية الأمور. لما جاء الرجل إلى رسول الله r وسأله: متى الساعة؟ قال r: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة أو صيام إلا حبّ الله ورسوله، فقال r: أبشِر فالمرء مع من أحبّ. اللهم إنا نسألك أن تحشرنا مع حبيبنا المصطفى وأن تجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه وأن تنفعنا بما علّمتنا.

الحلقة 21:

(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62) النمل)

عندما يطرح في القرآن سؤال لا يقصد منه الإستفهام وإنما المقصود الإنكار أو التهكم أو الإقرار أو السخرية من أفكار المشركين وعقول الكافرين فيُسمى سؤالاً تقريرياً أو إخبارياً أما السؤال الاستفهامي فيُطرح من المؤمنين على الرسول r والسؤال الطلبي يُطرح من العباد بالابتهال والرجاء إلى الله عز وجل.

إذا نظرنا إلى المعنى في سورة النمل نجد أن الله تعالى يجب دعوة المضطر لأن الإضطرار يفتح أبواب الإجابة ومعناه أن العبد استنفذ كل أساليب النجاة وفتح أبواب الإستغاثة بالله تعالى. الإضطرار عبد أعيته الحيلة وفشل في كل الحيل. الله تعالى يضيّقها على العبد حتى يظن العبد أنه لا منجا ولا ملجأ من الله إلا إليه وأن الأرض ضاقت عليه بما رحبت وأنه لا يوجد حل من أهل الأرض أجمعين لكن الفضل من الله تعالى وحده سبحانه. الإضطرار إفشال لأهل الأرض وإثبات لقوة الله تعالى الذي لا يغفل ولا ينام. فمن هو الذي يستطيع أن يفرّج عنك كربتك؟ أو يكشف عنك البلاء الذي حلّ بك؟ ومن يأخذ بيدك إلا الله تعالى ومن ينتشلك سواه ومن يحميك غيره ومن يستطيع أن يكلأك بعين رعايته ويحيطك برحمته إلا الله تعالى؟ .أهل الولاية يعرفون أن الأمور إذا ادلهمّت قُرِجت واشتداد ظلمة الليل دليل على قرب بزوغ الفجر.

يا صاحب الهمّ إن الهمّ منفرجٌ           أبشِر بخيرٍ فإن الفارج الله

(أمن يجيب المضطر إذا دعاه) ألجأه الإضطرار إلى الإستعانة.

كان الحسن البصري يجتهد بالدعاء فيسأله أصحابه لم تجتهد بالدعاء إذا أصابك شيء؟ فيقول: لم لا وهو رب المضطرين؟.

الإجابة هي الإنقاذ والعناية والمتابعة.  الأنبياء لم يكونوا في حالة يأس أبداً ولا الأولياء ولا الصحابة. الأنبياء المرسلين في القرآن 25 نبي مذكورين في القرآن، كل نبي منهم قصته مختلفة عن الآخر وكل منهم مرّ في حالة نفسية مختلفة عن الآخر. الله عز وجل يؤهلك بهذه الأمثلة لاستقبال الأقدار بالتفويض لذا لا يوجد دعاء واحد جمع كل الأنبياء في وقت واحد وإنما كل نبي كانت له دعوة والتجاء إلى الله تعالى بحسب اضطراره.

الله تعالى يعلمنا أن الاضطرار مختلف (ولنبلونكم بشيء من الخوف) كلٌ يُبتلى بشيء مختلف عن الآخر ولكل واحد حالة يحتاج فيها إلى نصرة مختلفة عما يحتاجه غيره.

(ويكشف السوء): السوء هنا ليس ضد الحسنات وإنما هو الأمر الذي يسوء النفس وتستاء النفس من وقوعه كالفاقة والمرض والدَيْن والهم والغم والكرب. يكشف السوء كأن السوء قد غُطى الأمر. الله تعالى لا يتدخل بقوته إلا حين يظن (وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون) كانوا في كرب يقتضي الإغاثة.

التوسل إلى الله تعالى والتمسك بحبل الله وقوته يلازم الأولياء لآخر لحظة في حياتهم بغير يأس. يونس u عجوز مسن ويُلقى به في موج متلاطم وظلام دامس ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وريح شديد وهذا درس لكل مكروب ثم يلتقمه الحوت وفي وسط هذا كله يلجأ إلى الله تعالى بعزيمة وصدق لا مثيل لهم ولم يقنط من رحمة الله ولم ييأس من رحمة الله ولم ينقطع أمله من رحمة الله. معرفة الإنسان بالله تعالى تزيده قوة ومنعة وإيماناً وعزيمة. (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) هذه الدعوة أعجبت النبي r فقال عنها: عجبت لدعوة أخي يونس خيرٌ كلها أولها توحيد وأوسطها تسبيح وآخرها إقرار بالذنب. الله تعالى يفرّج عنه ويٌخرجه مما هو فيه. هذه دعوة من المضطر.

دعوة آدم وزوجه: آدم وصل لقمة العلم وكان الله تعالى يكلمه كالملائكة وبعد التحذير وقع في المعصية ونلاحظ أنه في خلال الأزمة لم ينقطع آدم عن الأمل بمغفرة الله لأنه كان يعلم من هو المعبود؟ رأى آدم النعيم حوله قد تغيّر بعد المعصية فقال (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، آدم قال (الخاسرين) ويونس قال (الظالمين). هذا فيه إشارة إلى أن التوبة تفتح أبواب النجاة والاستغفار يفتح أبواب الفرج والإلتجاء إلى الله يفتح أبواب رحمته وأن الإقرار بالذنب تساعد العبد في التخلص من معصية هو فيها أو ذنب وقع فيه.

المشهد الثالث في قصة موسى u حينما كان مطارداً مستهدفاً بلا أهل ولا عشيرة ولا مال ولا طعام لجأ إلى الله تعالى (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) أنا فقير إليك، محتاج إليك، إقرار بنعمة الله تعالى عليه وإثبات لافتقاره إلى نعمة الله تعالى. المسألة يجب أن يكون فيها نوع من الإخلاص بينك وبين الله تعالى، التولي إلى الظل والاستتار وطلب النجاة من الله تعالى سبب في تفريج الله تعالى على موسى u.

نوح u إلتجأ إلى الله تعالى وطلب منه النصرة (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) فانقلبت معايير الوجود له وعطّل نواميس الكون ففجّر الله تعالى له الأرض عيوناً وملأ السماء سحباً وأغرق العصاة والمذنبين (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً). إنقلبت المسألة كلها ولا يمكن لأحد أن يفعل شيئاً، نوح مغلوب وطلب النصرة من الله تعالى ، مكروب ويريد تفريج الكرب فجاءه فرجٌ ما بعده فرج. ما هذا الكرم الإلهي العظيم في تفريج هم نوح ويونس وموسى وآدم ويوسف ويعقوب وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام.

الرسول r عندما عاد من الطائف لم ينشغل بالدعاء على قومه وإنما إلتجأ إلى الله تعالى فقال: اللهم إهد قومي فإنهم لا يعلمون..

إذا صدقت النبية مع الله ينصرك والإضطرار باب من أبواب الرحمة والمغفرة لا ينتبه إليه كثير من الناس. قال تعالى  (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك وزرك فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) الله تعالى جعل بين يسرين عسرٌ واحد، طالما أن مع العسر يسراً فلماذا العسر أصلاً؟ ليعلّم الله تعالى الناس فضل الميسّر فيلتجئوا إليه ليخرجهم من الضيق إلى الفرج. الإضطرار يقربك إلى الله تعالى وتلتجئ إليه وتصحح عقيدتك وتنظر إلى ذنوبك وتعيد التفكير بها لأن الذنوب قد تكون سبباً في البلاء كما في الحديث: إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يفعله. (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) يقول إبن القيّم : إن الله لا يغير ما بقوم من نعمة حتى يغيّر الناس ما بقلبهم من الإيمان، فإن تغير الإيمان في القلوب تبدلت النِعم على وجه الأرض وميزان وجود النعمة هو الإيمان والاضطرار إلى الله تعالى فرجٌ يكمن في تخلصك من الذنب والتجائك إلى الله تعالى صادق العهد مجدد النيّة مخلص العقيدة لرب العالمين. نسأل الله تعالى أن يغفر لي ولكم ويفرّج عنا كل هم وحزن.

 الحلقة 22:

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) الكهف)

قد يتساءل أحدهم كيف يقول تعالى (فسجدوا إلا إبليس) مع أن الخطاب كان للملائكة وإبليس يقول الله تعالى عنه أنه كان من الجن؟ هذا يسمى في اللغة إستثناء الفعل واستثناء الجنس. إبليس لم يكن يوماً من الملائكة (فسجدوا إلا إبليس) إستثناء فعل.

إبليس كلمة من أبلس أي قنط ويئس. وكلمة فسق معناها خرج جاءت من لفظ العربي يستعمله إذا خرجت النواة من التمرة يقال (فسقت النواة). القرآن الكريم تكلم عن هذه القضية بتشبيه أن العاصي يخرج عما خُلِق له ووُضِع فيه فلما يقول (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) معناه أن كل إنسان مخلوق للعبادة فأي عاصي أو إنسان يذنب هو بالفعل يخرج من الغاية التي خُلِق لأجلها ويخرج عن طبيعة خلقه ومألوف النظام الذي أعدّه الله تعالى.

أوضح القرآن في هذه الآية عدة قضايا:

أولاً: التكريم لآدم u

ثانياً: نوعية إبليس أنه كان من الجن وهذا دليل أن الملائكة لا تستطيع المعصية ونزعت منهم شهوة المعصية وهي مخلوقات جُبِلت على الطاعة (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) ليس لديهم قدرة على الإختيار. ولا يقال أن إبليس من الملائكة لأن هذا خطأ. الله تعالى سمّى الخروج عن الأمر فسقاً هو في حد ذاته محاولة العبد التمرد على سيده وهذا نوع من أنواع الإستكبار في الذات ولذلك يقال: فلان إستكبر يعني ظنّ نفسه أكبر من الأمر الذي وُجّه إليه أو أكبر من النهي الذي نُهيَ عنه أو أكبر من الإرشاد الذي أُرشد فيه.

معنى كلمة الجنّ: طبيعة خلقٍ المولى تعالى سترهم عن عيون غيرهم من الإنس ولذلك كل ما لا يُرى معناه جنّ (فلما جنّ عليه الليل) أي ستره بظلامه. جنّ أي استتر مستور غير مرئي. كل ما يُستر عنك فهو جُنّة كما قال r: "الصوم جُنّة". أي حركة في اللفظ تغير المعنى: جَنّة بفتح الجيم تقال للحديقة الغنّاء التي أشجارها ملتفة تحجب ما وراءها، الجُنّة بضم الجيم هو الساتر أو الواقي أو الحاجز بين الشيء والشيء الآخر أو وقاية وحماية من المعاصي "الصوم جُنّة"، الجِنّة بكسر الجيم هي عالم الجِنّ (من الجِنّة والناس).

بما أن هذه المخلوقات سترهم الله تعالى عن أعين الإنس سمّاهم جِنّ (إلا إبليس كان من الجِنّ ففسق عن أمر ربه) ومقف عند كلمة فسق: فسق أي خرج عن طاعته. أي محاولة للمعصية هي في حد ذاتها إعادة لسلف ما فعل إبليس في خروجه عن أمر الله تعالى.

وهناك فرق بين الفسوق والمعصية: القرآن يفرق بين الفسق والمعصية في قوله تعالى (وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان). فالفسق هو فعل ما نهى عنه والمعصية هي ترك ما أمر الله تعالى به.

(ففسق عن أمر ربه): الله تعالى نسب إلى إبليس الفعلين: المعصية بإقدامه على ما نهى الله تعالى عنه ووأثبت له المعصية والفسق

(أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا): كيف يتخذ الإنسان الشيطان ولياً؟

الظالم ظلم نفسه، (بدلاً) أي بدل من أن يكون من حزب الله دخل في حزب الشيطان.

الولاية: يقال تولى الشيء أي رعاه وحفظه واتجه إليه فإذا كان في الكبير للصغير يسمى رعاية (الله ولي الذين آمنوا) ومن الصغير للكبير طاعة (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض).

القرآن يقول عن إتباع الشيطان (أفتتخذونه) الإنسان يتولى الشيطان باتّباعه وطاعته وسماع كلامه وباجتناب ما أمر الله وترك ما شرّع الله ومعاداة أولياء الله والتنكّر للصلاة. كل هذه من أساليب الولاية للشيطان. العالم ينقسم إلى أولياء الله وأولياء الشيطان ولا بد أن نحدد مع من نكون؟ مجرد إلتزامك بأوامر الله تكون قد قررت أن يكون لك عدو وهو الشيطان. العداوة بين الشيطان وبني آدم وجدت منذ زمان (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) الشيطان عدو والقرآن سمّى طاعته عبودية والإنجراف وراء الشهوات وملذات الدنيا وترك العبادة والطاعة هي من صور الفساد والعبودية للنفس والشهوات (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه). أي واحد يُطاع وأنت تعلم أنه يعصي الله سبحانه وتعالى فأنت عبد له. إذا أنفذت أمر من تهوى سوى الله تصنّف أنك تعبد إلهاً غير الله (إتخذوا أحبارهم أرباباً دون الله) حديث عديّ بن حاتم الطائي "فتلك عبادتكم إياهم".

(أفتتخذونه): إتخذ أي داوم عليه. فرق بين من يتعاطى الشارب ومن يتخذ الشراب أي كرّره واعتاد عليه. القرآن إستخدم الكلمة التي تقيّد مداومة وملازمة مصاحبة الشيطان (أفتتخذونه وذريته أولياء من دون الله). الظالم يظلم نفسه بدلاً من معيّته مع الله صار من أصحاب الشيطان ودخل في بلاء متعدد الجوانب (إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير). القرآن يوضح الدعوة الإبليسية: كل مشكلة إبليس أنه يريد أن يثبت لله تعالى أن هذا المخلوق من طين لا يستحق أن يكون عبداً لله تعالى ولهذا فهو سعى جاهداً ليوقع الإنسان في المعصية. إبليس أبى واستكبر وهذا ما منعه من الإستجابة لأمر الله تبارك وتعالى بالسجود. إبليس نظر إلى الأمر ونسي الآمِر، نظر إلى الصنعة ونسي الصانع، نظر إلى النكليف ونسي المكلِّف (قال أنا خير منه) لو تأمل إبليس أوامر الله تعالى ما وقع فيما وقع فيه ولكن بغروره وكِبره رفض. (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) إبليس له ذرية وذريته على شاكلته ومن يعمل مثله.

الفاسق عن أمر الله ليس إبليس فقط وإنما هناك بشر فسق عن أمر ربه (من الجِنّة والناس) (شياطين الإنس والجن) وشيطان الإنس قد يكون أخطر من شياطين الجن.

الولاية في الطاعة والانقياد وعندما يتولى الإنسان معصية ويتخذ الحرام عادة يكون من أولياء الشيطان والقرآن يرينا هذا على ثلاث مراحل:

أولاً: إتباع الشيطان (لا تتبعوا خطوات الشيطان) فالشيطان لا يدعوك للمغصية مبشارة فلا أحد يقول لامرأة تعالى نزني ولكنها خطوات كالتساهل في النظر ثم التبسم ثم اللقاء ثم الخلوة ثم الزنا فالشيطان يمشي مع العبد خطوة خطوة إلى أن يقع في المعصية.

ثانياً: الولاية: إتخاذ الشيطان ولياً (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني)

ثالثاً: عبادة الشيطان: (أن لا تعبدوا الشيطان) لم يقل لا تطيعوا. ويأتي اليوم الذي يتبرأ إبليس من الناس كما في ورد في خطبته (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) إبراهيم) الذين أطاعوا إبليس كأنهم عبدوه.

الشيطان لا ييأس لأن الفرق بين الشيطان وبين آدم لأنه لا يموت ويراك وأنت تموت ولا تراه وأنت تتعب وهو لا يتعب وكل أساليبه مستمدة من قوة غيبية حتى يتمكن من المهمة التي يريد أن يبثها بين العباد فيأتي العباد بقوة غيبية ليقاوموا قوة إبليس ومن هنا جاء معنى الإستعاذة ليضربوا غيب الباطل بغيب الحقّ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا).

اللهم اجعلنا من الأتقياء المبصرين ونجّنا من كيد الشيطان اللعين واجعلنا من عبادك المخلصين وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحلقة 23

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) الأحزاب)

العلاقة برسول الله r من الأمور التي يُلفت القرآن نظر الناس دائماً إليها. ما هي علاقتك بالنبي r؟

هل كانت مهمته r تنحصر في تبليغنا بالقرآن وانتهت رسالته بعد ذلك؟ هذا سؤال نحن بحاجة لطرحه اليوم خاصة  بعد أن علت أصوات مشبوهة تنادي بعزل السُنّة عن القرآن وتنادي بعدم إعتماد السُنّة في التشريع الإسلامي. هل انتهت مهمة النبي بنزول القرآن وما عاد له قيمة في حياتنا حاشاه؟

لو كان النبي r عنده هوى نفسي أو لو لم يكن موحى إليه إلا القرآن فقط فنحن سنشكك في عدد ركعات المغرب لأنه ليس في القرآن إشارة لعدد ركعاتها فلما يقول لنا النبي r أن المغرب ثلاث ركعات نأخذه كما أخبرنا ولما يشكك أحد في السُنّة ونرضى نحن بهذا الكلام فقد يأتي يوم يقول أحدهم أن المغرب 10 ركعات أو أقل أو أكثر أو نلغي صلاة الجمعة. هناك جماعة تسمي نفسها القرآنيون وهم نسوا شيئاً من القرآن يقول (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (92) المائدة) هؤلاء لا هم قرآنيين ولا هم شيء، هؤلاء يعتقدون أن السُنّة دخيلة على الاسلام، هؤلاء ضاقت عقولهم عن فهم الشرع الحنيف وكانت المهزلة التي وصلت إليها جماعة القرآنيين الذين رفضوا السُنّة. لا تتفاعل مع النبي r كما لو كان ساعي بريد أوصل القرآن لنا ثم مشى. كلا (محمد رسول الله) هو مُرسل من رب العالمين إلى يوم الدين وهذه رسالة خاتمة لا تموت، الرسالة المحمدية المباركة هي رسالة وُجدت لتبقى إلى يوم القيامة ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي وعد الله كما في حديث "الحلال بيّن والحرام بيّن"، وحديث " من يرد الله به خيراً يفقهه بالدين"، يجب أن نفهم أن وظيفة النبي r خالدة باقية (يعلّمهم الكتاب والحكمة). القرآن عندما يقول (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) النساء) بماذا تطع الرسول؟ لا بد أن هناك وحي خاص بالرسول r إسمه السُنّة، وظيفته إظهار الكتاب القرآني وتعليمه للناس. يجب فهم معنى (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) فهذه منزلة أخذها الرسول r بأمر إلهي بفعل ما أمر الله تعالى به والنهي عما نهى عنه وفي النهاية يطمئنك (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).

آيات سورة الأحزاب (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)) أي قدوة حسنة، لمن؟ لمن كان: أولاً يرجو الله، ثانياً واليوم الآخر، وثالثاً وذكر الله كثيراً. لا يكن عند أحد من الناس رجاء في الله تعالى وهو لا يتّبع الأسوة فالذي لا يتبع الأسوة لا بد أن ينقطع رجاؤه وستظهر خيبته وستُعلن خسارته يوم القيامة. الأسوة هي المحاكاة والتقليد والإتّباع وسمّاها القرآن أسوة وسماها حسنة. لما يقول تعالى لمن كان يرجو الله معناه أن عدم إتّباع السُنة هو عدم رجاء لله سبحانه وتعالى، واليوم الآخر أي أن اتّباع السُنّة له تأثير يوم القيامة يتمثل في استحقاق الجنة وفي البعد عن النار وفي العفو عن المعاصي  وشفاعة الرسول r تضمنها باتّباعك للرسول والاقتداء به وبأفعاله وما أقر عيله. أما هؤلاء الناس فقد حُرموا من لذة التوحيد ولذة العبادة وحرموا فرحة إتّباع المصطفى وحرموا لذة الشفاعة بل بعضهم أنكر الشفاعة نفسها.

(لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) معناه أن يوم القيامة هو اليوم الذي تتحدد فيه مصائر الأعمال. فتصور أن اتباعك للنبي r سبب نجاتك يوم القيامة بين يدي الله عز وجل. الآية أوضحت أنه مجرد إتّباع النبي نوع من أنواع الذكر لله عز وجل والتسبيح لله تعالى والإتجاه إلى الله عز وجل. (وذكر الله كثيراً) ولم يقل ذكر الله فقط وإنما قال كثيراً. لو نظرنا لكلمة (ذكر الله) أي أن إتّباعك لسُنة الحبيب هو استحضار لمن بعثه واستحضار لمن كلّفه واستحضار للوحي الذي أُيّد به فجاء المعنى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)). ما الذي يدفعك إلى إتّباع السُنّة؟ هو أنك من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. وما الذي يدفعك إلى إتّباع الحبيب في قوله وفعله؟ هو علمك أنه مرسلٌ من رب العالمين فلولا أنك ذكرت الله وتخافه ما اتبعت نبيه. ولولا أن لك علاقة بالله تعالى ما فعلت مثلما فعل r. الصحابة كانت مشاعرهم جياشة فياضة بهذا الحب وتلك المودة. عبد الله ابن عمر كان في الحج يمشي ثم يقف تحت شجرة ثم يُكمل مسيره فلما سألوه لماذا تفعل هذا؟ كان يقول والله لا أدري لما وقفت ولكني تذكرت النبي r وقد وقف هنا ثم مشى وسار وأنا لا أدري لماذا وقف ولماذا سار بيد أني أردت أن أقتدي به وأفعل سنته r. كان الصحابة يقلدونه r دون أن يفهموا ما هي الحكمة من فعل النبي r. هل كان هؤلاء أولياء؟ أم مثقفين مثل مثقفي هذه الأيام الذين يتطاولون على الرسول r؟! فموضوع التطاول والتهكم عن السُنّة والرسول r موضوع خطير ويعني أن هؤلاء حرموا من الذكر ومن الله ومن طاعة الله عز وجل بدليل الآية (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) الأحزاب).

(وذكر الله كثيراً) تأتي دائمة للبرهان على العبودية الحقيقية لا العبودية المزيفة. العبودية الحقيقية هي التي تدعو للطاعة وإلتزام الطاعة لله هذا معنى عظيم. قال تعالى: أسوة حسنة فالله تعالى لن يأمرنا بسوء أبداً لكنه أراد سبحانه أن نستحضر المنافع التي ستعود علينا بإتباعنا لسنة الرسول r وكلها حسنة فأراد تعالى أن يطمئنا بحسن سنة رسول الله r ولهذا قال تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ (144) آل عمران) ختمت الآية (وسيجزي الله الشاكرين) شاكرين على ماذا؟ الآية تخبرنا أن النبي r سيموت ويُطلب منا الشكر؟! القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الله تعالى أرسل النبي r ويخبرنا أنه سيموت لأن كل من عليها فان، فإذا مات وجب علينا واجب الشكر لله تعالى أن الرسول r أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يحيد عنها إلا ضالّ. فانشغِل بشكر الله تعالى على النعمة والمنحة التي أخذناها على مدى 63 عاماً من حياة النبي عندما كان حيّاً وستمكث إلى قيام الساعة. فنحن نحيي الرسول r ونحن نقوم بعمله. يقولون أنت تُحيي والدك بتصرفاتك فتمشي مثله وتجلس مثله وتتكلم مثله. هذا معنى قرآني عظيم فالنبي r حيٌّ حياة برزخية لا يعلمها إلا الله ونحن نحييه حياة من نوع جديد وهي حياة السلوك فإذا رأيت النبي r في سلوكك وعملك فأنت واحد من أحباب الرسول r ومن المشتاقين إليه لكن بعض الناس لا يفهم هذا فيأتي القرآن يقول لهؤلاء (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله). من هو؟ جاءت مبهمة في الآية حتى كل واحد يتمنى أن يكون هو الذي قال عنه القرآن هذه الآية. الصحابي كان يذهب للرسول r في غزوة بدر فيقول: أهو منزل أنزلك الله فيه أم هي الحرب والمكيدة؟ كانوا يعلمون أنه إذا كان الأمر من الله تعالى والرسول فلا يملكون إلا السمع والطاعة (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) المائدة) التفويض الحقيقي لا يكون إلا باتّباع الرسول r (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) الأنفال).

استهتار الناس بالسُنّة وادّعاء أن السُنة لا قيمة لها يخالف الدين ويخالف الإيمان بالله وذكر الله. نحن نعلم أن الذكر هو التسبيح والاستغفار والتوبة والإنابة والرجوع إلى الله تعالى وسميت الصلاة ذكر وسميت مناسك الحج ذكر وسميت صلاة الجمعة ذكر وسمي القرآن ذكر ولأول مرة نعلم أن سُنة الرسول r ذكر (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). اللهم أبلغ نبيّك منا السلام وخصه منا بالتحية والإكرام وأوردنا حوضه وامنحنا بركته واجمع بيننا وبينه كما آمنا به ولم نره واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مرئية لا نظمأ بعدها أبداً واجعلنا من الذاكرين الله والذاكرات باتّباعنا لسُنّة الحبيب، صل اللهم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.

الحلقة 24:

(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف)

الصبر قضية من القضايا الخطيرة التي أوردها القرآن الكريم وله مدلولات لفظية عظيمة. فلما يأمر القرآن الكريم بالصلاة يأمر معها بالصبر (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) البقرة) لماذا؟ لأنه حتى الصلاة والوقوف أمام الله سبحانه وتعالى لا يمكنك أن تقف بخشوع في الصلاة إلا بالصبر. كلمة الحق (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) العصر) التواصي بالحق يحتاج لصبر لأنه مُرّ.

الصبر ليس نوعاً واحداً وإنما هو أنواع متعددة:

أولاً: الصبر على الطاعات: لا يمكن أن تنفذ أي طاعة بدون صبر ولو لم تصبر لن تنفّذ شيئاً فأنت تصبر على الصلاة والحج والعمرة والصيام والخشوع. يُرغِم الإنسان نفسه ولو كانت نفسه متمردة "حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات" فكل ما تشتهيه النفس هو الباب الملكي لدخول النار وكل ما تكرهه النفس هو الباب الملكي لدخول الجنة. (اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ (128) الأعراف) فالصبر دائماً وأبداً. القرآن جاء بكلمة البشارة في الأشياء التي تحبها النفس وجاء بكلمة الصبر الذي يكون عادة في الأشياء التي تكرهها النفس وفي آية جمع بينهما ووضع البشارة مكان الصبر والصبر مكان البشارة (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) البقرة) كيف أبشّر الصابرين؟ لأن الصابر لو يعلم ما أعدّه الله تعالى له من الأجر لهنّأه الناس عليه.

ثانياً: الصبر عن المعصية: يصبر الإنسان عن الشهوات المؤدية إلى النار وعن الشهوات المؤدية إلى الذنوب ويصبر عن الذنوب التي ستودي به في نار جهنم. لكن هل كل إنسان يستطيع الصبر عن شهوة النظر للمحرمات؟ أو غيرها من المعاضي؟ كلا، ليس كل إنسان يمكنه ذلك ولذا نحتاج إلى مجاهدة وقوة لاجتناب ما حرّمه الله و أن تمتثل لأوامر الله.

ثالثاً: الصبر على العطاء: هذا النوع يجب أن ينتبه له الإنسان جيداً لأن الإنسان عندما يأتيه خير يظن نفسه ملك الأرض بمن عليها فإذا أعطاه الله صحة يفتري بها على خلق الله وآخر عنده مال كقارون (فخرج على قومه في زينته) وآخر عنده منصب كهامان (يا هامان ابن لي صرحاً) وآخر عنده مُلك كفرعون (أليس لي ملك مصر) فإن كان منصباً أو مُلكاً أو مالاً أو صحة أو خلافه فلا بد أن يصبر الإنسان عن استغلالها وعلى السيطرة عليها.

رابعاً: الصبر على المنع: ليس كل إنسان عنده هذا النوع من الصبر. ليس كل الناس أغنياء لديهم مال أو لديهم خير لكن ليس كل الناس صابرة فهناك بعض الناس صابرين وبعضهم معترضين لا يتحملون وهذا النوع من الصبر لو كان بعد عطاء تكون مشكلة لأن الإنسان يتألم منه. لو وُلِد الإنسان فقيراً وعاش فقيراً فالأمر سهل لكن لو كان غنياً ثم فجأة ذهب كل شيء منه فهذا هو الذل. وفي الحديث: أُحِب ثلاثاً وحبي لثلاث أشد وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاث أشد ، وذكر منهم: وأحب الطائعين وحبي للغنيّ الطائع أشد وأحب التائبين وحبي للشاب التائب أشد. لما يُحرم العبد يكون في أزمة لذلك من دعاء الصالحين: اللهم إني أعوذ بك من العجز بعد القدرة ومن الفقر بعد الغنى ومن المعصية بعد الطاعة ومن الذل بعد العز.

خامساً: الصبر على الأعداء: هذا ضرورة لأن الأتقياء والمؤمنين والصالحين يجب أن يكون لهم أعداء والرجل بلا أعداء رجلٌ تافه لا قيمة له.

سادساً: الصبر على الدعاء: كل الناس تقول أدعو ليل ونهار ولا يستجاب لي. أنت تدعو لأن الدعاء عبادة مستقلة والدعاء يُقبل من الله تعالى والدعاء هو وسيلة الإتصال بالله سبحانه وتعالى ولكنه محتاج إلى صبر. ولا يستهين العبد بالدعاء وعليه أن يصبر على الدعاء وعليه أن يواجه المصائب بالدعاء كما قال تعالى (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) فهو سبحانه وعدنا بالإستجابة.

سابعاً: الصبر على البلاء: وهذا أبسط وأيسر نوع من أنواع الصبر لأن الذي ابتُليَ ليس له حل آخر. إذا مات لك ميت فماذا تفعل؟ لن يعود الميت مهما فعلت. وعندما تصاب بمصيبة البلاء أبسط شيء لأنها عندما تصيبك مصيبة ليس لك حل إلا أن تستسلم لمراد الله تعالى لأنه لا حل لك معها. وقال تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).

الآية وضحت أنك يجب أن تصاحب شلّة مؤمنة وقد تتضيق منهم لأن المؤمن مرآة أخيه ينصحه ويعظه ويذكره إذا غفل ويشمّته إذا عطس ويعين أخاه هذه كلها يذكرك بها الصاحب المؤمن فسيمثل لك نقطة تعب وتفكير فأوصى القرآن (واصبر نفسك) لا يمكن أن يتطاولوا عليك أو يغتابوك أو يغدروا بك أو يطمعوا في مالك وعرضك لأنهم فهوا المقصود من الآية.

(واتّبع هواه) جعل الهوى كأنه قدوة وشيء يُتّبع. الهوى هو حظ النفس من إرادة الدنيا وهو الذي نُزِع من قلب النبي r وغُسِل قلبه في الطست كما ورد في الحديث الصحيح. ويقول تعالى عنه r (وما ينطق عن الهوى) فلم يكن r مهتماً بأن ينفذ هوى نفسه في أي حال من الأحوال. النفس لا تكتفي بأنك تفعل ما تريده منك ولكنها تسحبك ةتستدرجك.

أي صديق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أغفل الله قلبه عن الذكر ثم ينتقل إلى (واتبع هواه) ثم (وكان أمره فرطا) أي مفرطاً في كل ناحية من نواحي الحياة. وهذه أهمية اختيار الصديق لذا قال r: "لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقيّ" هذا الحديث فيه إشارة أن الذي سيعصمك من بلاء في الدنيا هو صبرك مع فئة معينة حددها الله تعالى لك في الآية (مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) يدعون ربهم ليل نهار لأنهم يريدون وجه الله تعالى، يهيّئك الله تعالى لأن تكون من أهل الله بصحبة هؤلاء.

(ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) لذلك الرسول r طوّر علاقات الصداقة بين المهاجرين والأنصار إلى علاقة أخوّة وأخوة الإسلام هي الأبقى. الناس الذين يدعون ربهم لن يدعوك تعصي وسيذكّرونك وسيقفون لك بالمرصاد وعندهم إخلاص يريدون وجه الله.

(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) أي لا تطع من توفرت فيه شروط ثلاث: قلبه غافل عن ذكر الله (لاحظ أن القرآن قال أغفلنا ولم يقل غفل) واتّبع هواه وكان أمره فرطاً أي مفرّطاً في كل شيء.

يقول r: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

اللهم إنا نسألك أن تحشرنا مع حبيبك المصطفى ونسألك أن تجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن تنفعنا بالقرآن العظيم وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

الحلقة 25:

لا يعرف الكثيرون من الناس أن هناك أربعة عوالم: عالم الذرّ وعالم الدنيا وعالم البرزخ وعالم الآخرة. كل عالم من هذه العوالم الأربعة ينتقل الإنسان فيه من مرحلة إلى مرحلة كما قال ربنا جل وعلا (لتركبن طبقاً عن طبق). وهذه المناطق المرحلية التي ينتقل فيها الإنسان إنما هي لحكمة إلهية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

أما عالم الذر وهو العالم الأول فقد قال تعالى فيه (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف) معنى الآية أنها في عالم الذر وهو العالم الذي خلق فيه رب العالمين الأرواح قبل أن خلق الأجساد. وحصل بين هذه الأرواح بعضها البعض تعارف وتآلف كما وصفها الرسول r: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها إئتلف وما تنافر منها اختلف".

المرحلة الثانية: مرحلة الأشباح أو الأجساد أو الدنيا، إسمه عالم الدنيا وكلمة الدنيا مأخوذة من الشيء الدنيء الهابط ولو كانت هناك لفظة أدنى منها لقيلت لكن الدنيا أي أقل منزلة وما عداها أعلى منها ولذا قال تعالى واصفاً هذه الحياة (بل تؤثرون الحياة الدنيا). الأرواح تركبت فيها من عالم الأشباح (ليس العفاريت) أي الصور والشكل، يقول تعالى (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك) حصلت التسوية ثم عدلك وما بقي شيء، خُلِقت وتكونت وتعدّلت وعملت كل الخلقة الكاملة ويبقى أن يركبك في صورة، قالب أي الجسد الذي نراه في أي إنسان (في أي صورة ما شاء ركبك). لما يحدث موت لا يحدث للإنسان وإنما يحدث لهذه الصورة فهي التي تموت. هذه الصورة الذي هو الجسد مع الروح مع بعض يساوي النفس.

إذن هناك أربعة أنواع من الحياة يعيشها الإنسان: عالم الذر ثم عالم الدنيا ثم عالم البرزخ أي بعدما تموت صورة الإنسان ينتقل إلى عالم البرزخ. والبرزخ هو الحاجز الفاصل بين الشيء والشيء كما يقول تعالى في سورة الرحمن (بينهما برزخ لا يبغيان) أي حائل أو حاجز. والمرحلة الرابعة هي عالم الآخرة وهي المرحلة النهائية.

أربع مراحل ينتقل الإنسان بينهم: بين عالم الذر وبين عالم الدنيا ووبين عالم البرزخ وبين عالم الآخرة. ويلاحظ في المرحلة الدنيوية أنها مناط التكاليف الشرعية، لو نظرنا إلى جميع المراحل نجد أن المرحلة الوحيدة المختلطة بالطينية هي المرحلة الدنيا والروح ليست مكلفة في أي مرحلة من المراحل الثلاثة الذر والبرزخ والآخرة إلا في مرحلة الدنيا لأن الإنسان في هذه المرحلة يكون أقرب إلى الحيوانية أوالشهوانية أو البهيمية فيكون الإختبار الحقيقي يتمثل في الصراع بين الطبيعية البهيمية في الإنسان وبين النزعات الروحانية التي يحث عليها الدين. والنبي r يقول: "يكفي ابن آدم لقيمات يقمن صلبه" المصطفى r كانت له وسادة من أدم (أي من جلد) محشوة ليفاً وهذه الوسادة كان r يثنيها مرة واحدة وينام عليها. وذات ليلة أشفقت السيدة عائشة رضي الله عنها عليه فثنتها ثنية أخرى فأصبحت ألين من الأول فاستغرق النبي r في نومه استغراقاً شديداً وقال ما فعلت يا عائشة فقال لا تفعلي ذلك أثقلت رأسي عن الصلاة (أي صلاة الليل) .

الراحة والدعة والخمول يتسبب في إرضاء البدن لا في إرضاء الروح والنشاط والهمة يتسبب في إرتخاء الروح أي أن هناك تناسباً طردياً لذا لو لاحظنا أن النبي r كان دائماً يحرص على صوم الإثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر والصلاة يقول لبلال أرحنا بها يا بلال وقال: " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" وكل شيء تكرهه هو الوسيلة الرئيسية للعبور إلى الجنة وكل شيء تحبه هو الوسيلة الرئيسية للدخول إلى النار. فرغبات النفس عكسية كل ما تدعوك إليه نفسك لا تفعله لأن فيه الهلكة وكل ما تمنعه عنك نفسك إفعله لأن فيه الخيرـ تناسب عكسي. لأن النفس دائماً تريد إرواء ظمئها وإرضاء شهواتها على حساب أي شيء إنما الغريب في هذه النفس الطينية أنها في حالة نهم دائم لا ينقطع وقد وصفها الإمام البوصيري قائلاً:

والنفس كالطفل إنه تهمله شبّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

النفس مثل الطفل كلما تعطيها شهوات لا ينطفئ غليان النفس ولا تهدأ نارها وإنما تحتاج دائماً للمزيد. لا أحد يجمع مالاً ويشبع ولا أحد يلعب الميسر ويشبع أو يملّ. وإذا لم تكن الهداية تصيبه ويأخذ قراراً ليوقف نفسه عن ذلك فلن يتوقف. كل شهوة تعلقت بها النفس فأصبحت مثل البزازة للطفل الصغير لا يتركها أبداً وإنما تعلّق بها والنفس تفضح صاحبها تماماً كالطفل الرضيع الذي يبكي ويصرخ إذا حان وقت رضاعته حتى ترضعه أمه، فالمدخن مستعد أن يفعل أي شيء للحصول على سيجارة إذا اشتهتها نفسه فتحولت العادة عنده عبادة يصبح أسير نفسه بعد أن كان حراً كريماً. وهذا ما يحصل في الخمر والميسر والنساء والمخدرات والربا والقمار والغيبة والنميمة. فالذي يتكلم عن الناس ويغتابهم لا يستطيع أن يتوقف فهو إن لم يجد أحداً يغتابه يغتاب كل من يراه على شاشة التلفزيون أو يذكر الأموات. هذا تحول إلى وعاء فساد وإلى آكل لحوم البشر كما قال القرآن الكريم (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً). تحتاج لعزيمة جبارة فالذي يدمن النظر إلى النساء لا يعرف أن يتوقف.

النفس باختصار تهزّيء صاحبها لأنه إستجاب لها أما لو قاومتها وقاومت رغباتها ستنجح وستنقاد النفس إليك. تقمع النفس إذا قُمعت

والنفس طامعة إذا طمعتها   وإذا ترد إلى قليل تقنع

الصحابي كان يدخل المعركة فيقول لنفسه: يا نفس مالك تكرهين الجنة ما أنت إلا إصبع في شنّه، يرغم نفسه على شيء لذا تأكد أنك لو استطعت السيطرة على نفسك فإنك بهذا استطعت الوصول إلى ربك. لأن الطاعةسُميت طاعة لأنها تطوع النفس وسميت العبادة لأنها تعبّد النفس فإذا إستطعت الإنتصار في معركة النفس تكون فعلت كما قال البوصيري:

وخالف النفس والشيطان واعصهما    وإن هما محضاك النصح فاتّهِمِ

إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. نسأل الله تعالى أن يشغلنا بطاعته وأن لا يلزمنا إلا بمحبته وأن لا يلجئنا إلا إليه وأن لا يوقفنا إلا بأعتابه إنه سميع قريب مجيب الدعاء وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الحلقة 26:

من أعجب ما ذكره إبن القيم تلك المتعلقات الخمسة التي قارن بينها وبين الروح والجسد حيث كانت روح ولا جسد وجسد ولا روح. والجسد والروح بينهما متعلقات. علاقة الروح بالجسد لها خمس صور:

الصورة الأولى في عالم الذر (الروح وحدها) والثانية في عالم الأجنّة (الإنسان جنين في بطن أمه) إلتقاء الروح بالجنين هذه علاقة حياة وليست علاقة إدراك. فالإنسان ينقسم إلى قسمين: إلى حياة يتحرك، يأكل ويشرب، وإلى إدراك أي فهم واستيعاب. الجنين فيه حياة يتحرك ولكن ليس فيه إدراك (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً) روح ولا جسد، وجنين حيث حياة بغير إدراك. الصورة الثالثة هي النفس السوية الكاملة أي الإنسان العادي روح + جسد مع بعضهما إسمها نفس. فالنفس عبارة عن جماع الروح والجسد ولو فصلناهما عن بعضهما أي إذا خرجت الروح من الجسد يتحول هذا الجسد إلى جثّة ولا يعود جسداً أما الروح فتذهب إلى عالم البرزخ حيث تعيش، هذا التعلق الرابع. والتعلق الخامس هو الآخرة حيث تعود الروح للجسد مرة ثانية.

الموت حالة إنفصال الروح عن الجسد، الجسد يموت والروح لا تموت إنما هي ستنطلق بقواها غير المعقولة القوية جداً إلى حيث يأذن الله سبحانه وتعالى. يقول القرآن عن الروح التي غادرت الجسد (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ق) لو تأملت الآية تكتشف أننا في الدنيا كأننا نحبس الروح. تأمل هذا المشهد لأنه من المشاهد العظيمة التي يجب أن يتأملها الإنسان لأن فلسفتها عظيمة. الروح مثل العصفور المحبوس داخل قفص ما إن تفتح له الباب حتى ينطلق والروح كذلك تنطلق من هذا الجسد فتكون سعيدة لأنها حُرِّرت من هذا الجسد بطينيته، بشهوانيته فقد كان ينزل بها الأرض. لذلك الإنسان الذي يحرر روحه وهو على قيد الحياة بأن يحلّق بروحه في عالم العبادة وعالم الخلوة بالله تعالى ومقاومة الشهوات والإنسجام والإنغماس في الطاعات وذكر الله وفي القرآن والصلاة والزكاة والحج والصيام وغيرها من هذه الأمور ترتقي بالروح إلى مكان لا نعلمه. هذا ما نسميه الإنسان الروحاني يصبح عنده نوع من الشفافية فيرى ما لا يراه غيره، كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. وكما فعل عمر بن الخطاب حيث كان من على المنبر يرى سارية الجبل في أرض المعركة في شمال أفريقيا ونادى عليه وسمعه.

الروح عندما تخرج من الجسد تذهب إلى عالمها البرزخي الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى والروح تأخذ فسحة أثناء النوم تتحرك من خلالها وتذهب يميناً وشمالاً وهذا من إعجاز الله سبحانه وتعالى أن الروح بقوتها وإمكاناتها يقول عنها تعالى (فبصرك اليوم حديد) أي صار حاداً قوياً لا نهاية له، يسمع ما لا يُسمع ويرى ما لا يُرى. أما كيف تنتهي المرحلة الدنيوية؟. العبد كما ورد في الحديث ما معناه: العبد إن كان في إدبار من الدنيا وإستقبال للآخرة (أي دنا أجله) واقتربت منيّته تنزل إليه ملائكة الرحمة على مقربة منه (وهنا ملاحظة أن ما يقال أن الميت يشعر قبل موته بأيام هذا كلام لا أصل له لأن الأجل يأتي بغتة كما قال تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (34) الأعراف) وربما تحدث كرامات نادرة لبعض الناس لكن لا يقاس عليها كقاعدة) لما تأتي الساعة يرى الميت ملائكة الرحمة على مقربة منه وينزل إليه ملك الموت (وليس اسمه عزرائيل كما يقول البعض لأنه لا يوجد ملك إسمه عزرائيل، الملائكة المعروفون هم جبريل، إسرافيل، ميكائيل، رضوان، مالك، رقيبـ، عتيد، هاروت وماروت، حملة العرش، الطوافون وكل ملك من هؤلاء له عمله المكلف به ولا يوجد عزرائيل وإنما إسمه ملك الموت كما ذكره القرآن) ملك الموت أكثر من واحد، كل واحد له ملك موت خاص به بدليل الآية القرآنية (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) السجدة) الذي وُكِّل بكم تفيد المعنى أن واحداً موكل بك يقوم بمهمته ورسالته على أتم وجه لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. طالما أنك أنت رجل مصلي مؤمن يبشر ملك الموت الروح بكلام طيب (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) الفجر) كلام تفرح له الروح وتستقر وتعلم أنها ذاهبة إلى حيث تأمن وتسعد وترتاح فلا تدعها ملائكة الرحمة معه طرفة عين، هؤلاء سماهم القرآن الكريم (الناشطات) الملائكة التي تنشط بنزع الروح الطيبة أما الروح الخبيثة وأرواح الكفار فتنزعها ملائكة العذاب تسمى النازعات. الرسول r يصف الروح كأنها قطرة تخرج من فم السقاء. الروح تكون معقودة مع الجسد عقدة حتى لا تتركه لأنه رجل طيب صالح مؤمن والروح سعيدة معه فتفك العقدة بسهولة ولين ويسر وتصعد بها ملائكة الرحمة ويضعونها في كفن من الجنة وحنوط من الجنة ويصعدون بها إلى السموات وكلما مرت على ملأ من الملائكة ينادونها بأحب الألقاب التي كانت تنادى بها في الدنيا ثم تصل إلى السماء السابعة فتفتح لها أبواب السماء فيقول تعالى: خذوا عبدي وطيبوه ونعّموه وافتحوا له باباً في الجنة إنه كان يؤمن بالله العزيز الحميد. ويكون في هذا الوقت الجسد الطائع قد جُهز ليحمله أهله إلى القبر فيصيح صيحة يسمعها كل من في الأرض إلا الإنسان فلو سمعها لصُعِق يقول قدّموني قدموني. تصطف الملائكة وتنصرف الشياطين وكان معه في الرحلة ثلاث أهله وماله وعمله يرجع اثنان أهله وماله ولا يبقى معه إلا عمله ولا يعلم العبد قيمة عمله إلا حين يموت (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30) آل عمران). وكل واحد أدرى بنفسه وكل عمل تعمله ستلقاه عند الله عز وجل في الآخرة: "إذا مات ابن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" الولد يدعو له فصلاح الأبناء هو الذي يستفاد منه الأب، صلاح الأبناء يحصده الآباء كما يرث الأبناء تركة آبائهم وكأنه بروتوكول تبادل مشترك بين الأب وابنه. هذا القبر أول ما يدخله العبد (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الأنعام) كان معه في الرحلة أهله وماله وعمله يعود أهله وماله ويبقى عمله وهو الذي سنفعه أما المال فقد أصبح تركة ولم يعد ملك العبد وانتفت صفة الملكية عن كل ماله. ويدخل الإنسان في القبر فيسمع خشاش نعال أهله فيأتيه الملكان يسألانه من ربك؟ فيقول ربي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب ثم يسألونه ما كتابك؟ فيقول القرآن آمنت به وبمن أنزله، ويسألونه وما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول هو النبي r آمنت به وبمن أرسل فيقولون صدقت وبررت أبشر بنعيم من الله فيأخذناه ويسعدانه، هذا الفضل والكرم الإلهي وينزل ملك من السماء فيقول للملائكة خذا عبدي فلاناً فطيبوه ونعموه وافتحوا له باباً من أبواب الجنة إنه كان يؤمن بالله العزيز الحميد فينعم بنعيمها إلى يوم القيامة وينشق القبر على رجل أجمل ما يكون فيستبشر به المتوفى فيقول لم أر أجمل منك قط فيقول: أنا عملك الصالح جئت أؤنسك إلى يوم القيامة. أما القبر فيقول والله دعوت الله أن أضمك بين جنبي وسترى ما أعددت لك فينفسح له مد بصره ويخاطبك ربك فيقول: يا ابن آدم أين أهلك وذووك؟ أين أحباؤك وأقرباؤك ومريدوك؟ كلهم ذهبوا وتركوك ولو كانوا معك ما نفعوك ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.

هذه الرحلة الأخروية أنت بحاجة لتجهز نفسك لها (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)) من يرقيه من يشفيه من يدفع عنه ما هو فيه؟ (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) القيامة).

(نص الحديث): إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة؛ نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت – عليه السلام – ؛ حتى يجلس عند رأسه، فيقول : أيتها النفس الطيبة وفي رواية : المطمئنة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال : فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال : فيصعدون بها، فلا يمرون – يعني – بها على ملإ من الملائكة؛ – إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب؟! فيقولون : فلان بن فلان – بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا -، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى المساء السابعة، فيقول الله – عز وجل : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال : فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له : من ربك؟! فيقول : ربي الله، فيقولان له : ما دينك؟! فيقول : ديني الإسلام، فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟! فيقول : هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقولان له : وما علمك؟! فيقول : قرأت كتاب الله؛ فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء : أن قد صدق عبدي؛ فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال : فيأتيه من روحها وطيبها، فيفسح له في قبره مد بصره، قال : ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول : أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له : من أنت؟! فوجهك الوجه يجيء بالخير! فيقول : أنا عملك الصالح، فيقول : رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة؛ حتى أرجع إلى أهلي ومالي.

الحلقة 27:

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) العنكبوت)

نقف عند مشهد جديد من مشاهد كتاب الله تبارك وتعالى لنتأمل هذه اللوحة القرآنية الفريدة التي وردت في سورة العنكبوت وهي تتعجب من حالة الإنسان الذي يظن أن الله تبارك وتعالى لن يعرضه لفتنة ولا لإبتلاء. هذه الآية هي عزاء لكل إنسان، لأنه من منا لم يُبتلى؟ ومن منا لم يفقد حبيباً أو يخسر مالاً أو يؤذى في ماله أو نفسه أو عرضه؟ من منا سلِمت له الأيام وطُوّعت له لحظاته؟ كل يوم يفجأنا الزمان بمرارة ويخطبنا الدهر بوِدٍ غادر كما قال أبو العتاهية:

المرء يجمع والزمان يُفرّق              ويظل يرقع والدهور تمزّق

نعلم أن المقدِّر هو الله تعالى والنافع هو الله تبارك وتعالى والضار هو الله تعالى. والقرآن الكريم أوضح المسألة بغير مواربة (ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) هل يظن الناس أن يعيشوا في الحياة من غير أن يفتنوا أو يمتحنوا أو يدربوا على مواجهة الصبر والمِحن والشدائد؟ هذا لايُعقل أن يحدث. المرء يحسب أن الإيمان يعصم من الفتن؟ هذا غير صحيح الإيمان لا يعصم من الفتن وإنما الإيمان يقوي الإنسان لمواجهة الفتن. الله تبارك وتعالى جعل الإيمان وسيلة لامتصاص ضراوة الفتنة والإيمان وظيفته تحويل المحنة إلى منحة. كيف تحول المحنة إلى منحة هذا الفن لا يجيده إلا المؤمنون بالله سبحانه وتعالى أما غير المؤمنين فيصيبهم هلع وجزع وعدم قدرة على التكيف مع المصائب. فهل المؤمن مدرّب على مواجهة الأزمات أم أنه غير قادر على مواجهة الأزمات؟

هناك حقائق ثابتة لا مجال فيها للهروب ولا للفكاك وفي اعتقادي أن ثلاث كلمات قالها جبريل u للرسول r تعتبر علاجاً وتجعل المؤمن له قدرة على مواجهة الأزمات والمصائب والكوارث وهي مفتاح اليقين لمواجهة المصائب. قال r: " جاءني جبريل وقال لي يا محمد عِش ما شئت فإنك ميّت وأحبِِب من شئت فإنك مُفارقه واعمل ما شئت فكما تَدين تُدان". هذه كلمات توزن بالذهب والماس وتوزن بملء الأرض، وهذا الحديث يمثل اليقين بهذه الكلمات الثلاث.

عِش ما شئت فإنك ميّت: من منا لن يموت؟ من منا يُخلّد في الأرض؟ من منا سيبقى أبد الدهر في هذه الحياة؟ لا أحد والكل سيموت ولو عرفت أنك ميت وغيرك ميت فلن تحمل ضغينة لأحد ولن يكون لديك وقت لكي تخاصم أحداً أو تقاطع أحداً أو تظلم أحداً ولن تشعر بالحاجة لأحد. وللأسف المشاكل التي نسمعها بين الناس من أكل ميراث أو أخذ حقوق الناس كل ذلك بسبب أن الناس لا تفكر أنها ستموت يوماً. إبن المبارك كان يحفر قبره وينام فيه ويقول: قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً. الحسن البصري كان معه رجل في جنازة فبكى الرجل على الميت كثيراً فسأله البصري بعد دفن الرجل ومواراته الثرى: يرحمك الله هل حزنت على الذي مات؟ قال: نعم، قال: لو قُدِّر لصاحبك هذا أن يخرج من قبره وقيل له عد إلى الحياة مرة ثانية ترى ماذا كان فاعلاً؟ فقال الرجل: والله يا إمام لو قُدِّر له أن يرجع مرة ثانية سيكون أتقى الناس وأوضع الناس وأخشع الناس فقال البصري: حسناً فإن لم يكن هو فكُن أنت. (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الأنعام) الدنيا تافهة ولا تساوي عند الله جناح بعوضة.

وقف علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أمام المقابر مع أصحابه وقال: السلام عليكم يا أهل المقابر سأقصّ عليكم نبأ ما عندنا وتقصون علينا نبأ ما عندكم، أما نبأ ما عندنا فإن النساء قد نُكِحت وإن الأموال قد قُسِمت وإن الديار قد سُكِنت هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم بكى. فسأله الأصحاب: أتكلم الموتى؟ فقال: والله إنهم يسمعونني كما سمعتموني ولو أُذِن لهم أن يتكلموا لقالوا: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها         أن السعادة ترك ما فيها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها           ودورنا لخراب الدهر نبنيها

فإن بناها لخير طاب مسكنها            وإن بناها لشرّ خاب بانيها

وأحبِب من شئت فإنك مُفارقه: كل من حولك من الأحباب ستفارقهم إما بموتك أنت أو بموتهم هم (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) الأنبياء) (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) آل عمران) الناس تصاب بالهلع عندما يموت لها أحد الأحباب، كل الناس ذاهبون. أبو بكر الصديق لما مات رسول الله r وقف يقول للناس: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت.

لكل إجتماع للخليلين فُرقة                وكل الذي دون الممات قليل

وإن افتقادي واحداً بعد واحد                        دليل على أن لا يدوم خليل

واعمل ما شئت فكما تدين تُدان: لو علم أي إنسان أن معاملته مع الناس دينٌ كان يُحسِن معاملته معهم. من ستر مسلماً ستره الله، من أعان أخاه أعانه الله، الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. تتّبع عورات الناس يتتبع الناس عوراتك، تفضح الناس تُفضح. قال الشافعي:

عِفّوا تعف نساؤكم في المحرم           وتجنبوا ما لا يليق بمسلم

فمن يزني في بيتٍ بألفي درهم           يُزنى في بيته بغير الدرهم

(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (9) النساء).

هذه هي الوصايا الثلاث ولكن لا تتعجب إن حصل للمؤمن أي فِتن أو ابتلاءات.

الفتنة: فتن أي عرض على النار وكان الصائغ يسمى الفتّان لأنه كان يعرض الذهب على النار ليفصل بين الذهب والشوائب. فالفتنة هي العرض على النار والعرب استعملت كلمة فتن للتعبير عن العرض على أية شدة. في سورة البروج قال تعالى واصفاً الذين أحرقوا المؤمنين أحياء بأن عرضوهم على النار فقال (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) البروج) بمعنى عرضوهم على شِدّة شديدة وامتحان عظيم وهي النار فعبر بالعرض عن النار بكلمة الفتنة. هذا أصل الكلام لذا يقول تعالى عن الكفار (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) الذاريات) أي يعرضون. يقال إمرأة فاتنة وهذه ليست كلمة مدح كما يظن البعض وإنما تعني تعرّض الناس لفتنة وشدة وعذاب ولهذا تعذّب في جهنم لعرضها مفاتنها على الشباب الذين لديهم شهوة. فالفتنة إذن هي العرض على الشدة أو التعذيب وهي أشد من القتل نفسه لو عرضت أحدهم على النار ثم أخرجته ثم عرضته وأخرجته هذا أشد من لو أنك قتلته كما قال تعالى (والفتنة أشد من القتل) الفتنة هنا بمعنى الكفر.

(وهم لا يفتنون): يعتقد المؤمنون أنهم لن يتعرضوا للفتنة كلا فهم سيتعرضون للإختبارات وعليهم أن يحوّلوا المحنة إلى منحة ويستفيدوا من هذه الإبتلاءات ويصبروا عليها بيقين ويعلموا أن الإيمان لن يمنع الفتنة وإنما يساعد في إستقبال هذه الفتنة. والإيمان هو أن تصبر على هذه الفتنة والابتلاءات صبراً بجلد وبإيمان وبيقين.

(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) العنكبوت) الصدق هنا تعني الثبات (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) الأحزاب) صدقوا أي ثبتوا على ما عاهدوا الله عليه.

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ (4)) يعتقد الذين عملوا السيئات أن علمه سبق علم الله تعالى وأنه لن يحاسبه (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)) لا تتعجب أن الرسول r ذكر في الحديث: "يُبتلى المرء على قدر دينه فأشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الذين دونهم ثم الذين دونهم". كلما علا الإيمان كلما كان عرضة للبلاء ولكن يمكنك أن تدعو وتقول اللهم لا تجعلنا محلاً لابتلائك. فيجب على المؤمن أن يثبت ويصبر عند مواجهة المصائب والمحن ويكون عنده إيمان وجلد وتواجه المصائب بنفس راضية وهذا معنى (راضية مرضية) راضية عن الله مرضية من الله تبارك وتعالى هذا هو التسليم بالانقياد لله عندئذ تكون الفتنة باباً من أبواب دخولك إلى الجنة وتكون الفتنة عنواناً على إيمانك والتزامك وهي الباب الذي يوصلك إلى مرضاة العزيز الغفار. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن اللهم خذ بأيدينا إليك أخذ الكرام عليك. اللهم لا تعرضنا لفتن يذهب بها ديننا ويضعف بها يقيننا اللهم لا تجعلنا محلاً لابتلائك ولا تجعلنا فتنة لأعدائك ولا فتنة للذين كفروا يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك إيماناً دائماً ويقيناً خالصاً وشفاء من كل داء، اللهم متعنا بأبصارنا وأسماعنا وقوتنا ما أحييتنا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا يا رب العالمين وصل اللهم على خير الصابرين سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه وسلم.

الحلقة 28:

عندما تسمع إماماً عظيماً كالإمام الشافعي يتحدث عن سورة من سور القرآن ويخبرنا أن هذه السورة كانت من أسباب منع الفتن عنه خاصة وأنها حوت من الفضل والكرم ما لا يستغنى عنه في هذه الأمة في أي وقت من الأوقات سينتابك فضول لمعرفة هذه السورة الكريمة. هي سورة العصر التي يقول عنها " عرضت علي دواعي العصر فوجدت أمامي سورة العصر". هي السورة التي إختصرت قصة الخلق وقوام المجتمع وعوامل نهضة الأمم وأسباب إندثار الحضارات وقضية الزمن الذي يمر على المرء لا يتعظ فيه ولا ينشغل بأخذ العبرة والدروس. سورة العصر حذّرت ونبّهت وبشّرت في آن واحد. (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3))

من الظواهر العظيمة التي جاءت في القرآن أن كل عامٍّ مخصص (إن الإنسان لفي خسر) ثم استثنى (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) كأنه تعالى يرشد الإنسان أن لفظ التعميم لا يجوز. البعض منا يقول كل الناس فاسدة، كل الناس ليس عندهم إيمان، ليس عندهم أخلاق، هذا كلام لا يجوز لأن أسلوب التعميم لا يليق بالمؤمن. في القرآن يقول تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا (142) البقرة) ما قال سيقول الناس، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) البقرة)، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) البقرة) (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ (165) البقرة) (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) البينة)، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج) (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ (10) العنكبوت) (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (6) لقمان) كثيراً ما نجد في القرآن آيات تتكلم عن البعض وليس عن الكل. الكل هم الذين يعملون الأزمات والباقي أهل فضل فالتعميم مرفوض ومن العيوب الخطابية أن يعمم الخطيب فيقول مثلاً الناس كلهم فسق فهذا كلام يؤلم الحاضرين ولا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة بحال من الأحوال.

القرآن يفرق بين الذكورة والرجولة: الجنس البشري يقسم إلى ذكر وأنثى لكن لا نقول رجل وأنثى لأن الرجولة لها معنى في القرآن وهو الثبات على المبدأ وهذا معنى خطير يجب أن نتأمله في آية سورة الأحزاب (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)) البعض يسأل هل تعني رجال أم رجال ونساء؟ قال تعالى (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) فالرجولة في الإسلام هي الصدق مع الله عز وجل. الرجولة ليس بشارب أو لحية ولو قصد القرآن قضية الجنس لقال: من المؤمنين ذكور ولكنه قال رجال. القرآن له مفهوم في موضوع الرجولة وهو أن تثبت على الحق وتثبت على كلمة المعروف وقولة الحق وإقامة الصلاة وطاعة الله وترك المعاصي وإتّباع السُنّة ومقاومة الفساد والمجاهرة بالخير. هل هناك مؤمنات صدقن ما عاهدن الله عليه؟ نعم كثير إنما جاء القرآن بهذا التعبير (رجال) لنفرق بين مفهوم الذكورة والرجولة:

ملكن هذه الدنيا القرونا                  واخضعها جنود خالدينا

وسطّرن الصحائف من ضياء            فما نسي الزمان وما نسينا

فالرجولة لها معنى

هكذا أخرج الإسلام قومي                شباباً مخلصاً حرّاً أمينا

فما عرف الخلاعة في بنات              وما عرف التخنّث في بنين

ولم تشهدهم الأقداح يوماً                وقد ملأوا نواديهم مجونا

الجيل الحالي يحتاج لتنبيه على مفهوم الرجولة ويجب أن نربي عليه بناتنا قبل ذكورنا. الرجولة مطلوبة. قوله تعالى (صدقوا) لا تعني قالوا الصدق وإنما ثبتوا ولم يضطربوا ولم يخافوا. يقول الشاعر: (إنا لصدقٌ عند اللقاء أي ثابتني في المعركة) يثبت على ما عاهد الله عليه، عاهد الله بالتوبة فتاب، عاهد الله بترك المعاصي فتركها، عاهد الله ببر الوالدين فبرهما.

(رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) لم يقل القرآن ومنهم من لم يقضي نحبه وإنما قال ومنهم من ينتظر كأن إنتظار النحب أو الإستشهاد في سبيل الله هو أغلى أمنية يمكن أن يحلم بها الإنسان المتجه إلى الله والذي يريد أن يحسن آخرته مع الله.

(وما بدلوا تبديلا) المؤمن لا يغير في وصايا الرسول r ولا يبدل في النصيحة والوصية والأوامر التي جاءته، صجقوا ما عاهدوا الله عليه وما كانوا أهل بدع وإنحلال وفوضى ولم يتركوا الوصية ولم يتركوا أمر الرسول r فكأن الوصية أمانة ولا بد أن تسلّمها كما أخذتها. وكأن الأجيال مطالبة أن تسلم الراية سليمة لكن ماذا نقول للأجيال القادمة وقد فرّطنا في الإلتزام بالقرآن واحترام الرسول r وفي مقدساتنا ومعتقداتنا فماذا سنقول للجيل القادم؟ هذه كارثة بكل المقاييس، تذكر كيف جاءك الإسلام من الجيل الذي سبقك: علماء أجلاّء وأمة ملتزمة وأخلاق هي السائدة وتميز السابقون بالرصانة والكرم والرجولة والإحترام والمودة والمجتمع هادئ متوازن

ثم انقضت تلك السنون وأهلها           فكأنها وكأنهم أحلام

(والعصر إن الإنسان لفي خسر) كل الناس ضائعة إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. القرآن لا يحب الإيمان النظري الخالي من العمل، الإيمان الذي ليس له قيمة (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) آل عمران) (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (14) البقرة) مجرد قالوا وليس آمنوا. (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) نحن نريد عملوا وأيقنوا واعتقدوا لكن الكلام بلا طائل لا قيمة له ولا وزن له. فضل الله تعالى وكرمه أن الإيمان ليس كلاماً يقال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الذين عند البعض صار عبارة عن مجموعة أذكار يقرأها في الصباح والمساء وأذكار أخرى فقط أما العمل فبعيد عن مفهوم الإيمان. الدين هو عمل وليس شعارات جوفاء.

جدد العهد وجنبني الكلام     إنما الإسلام دين العاملينا

وقال تعالى (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ) لذلك يقول تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) فصلت): دعا، عمل، قال. لكن ما الفائدة لو دعا إلى الله ولم يعمل؟ قوله (إنني من المسلمين) جاءت في الترتيب آخراً لأن العمل سبق القول وتفيد أن العمل مقدم على القول والدعوة. (وعمل صالحاً) العمل أكبر برهان ودليل وكثير من المسلمين لا يعرفون أن سلوكياتهم في دول الغرب هي الترجمة الحقيقية للإسلام لكن لما يرى الغرب مسلمين مهملين متسيبين شهوانيين مسرفين فوضويين متكبرين متنافرين يقولون هل هذا الإسلام؟ نحن ظلمنا الإسلام وسنُسأل عنه يوم القيامة. لذا القرآن واضح (ومن أحسن قولاً) الدين واضح لا لبس فيه ولا غموض فيه.

(والعصر إن الإنسان لفي خسر) الصبر على الثبات على الحق والصبر على الطاعة وعلى مرضاة الله.

اللهم إنا نسألك أن تردنا إلى ديننا رداً جميلاً وثبتنا على الإسلام وثبتنا على الإحسان وثبتنا على الإيمان وإذا أردت أن تقبض أهل الأرض فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين ولا مضيّعين وأقول لكم ما قال مؤمن آل فرعون (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) غافر) وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الحلقة 29:

نستكشف هذه الأساليب القرآنية النادرة التي لا مثيل لها في كتاب آخر وهي تلك القدرة والبراعة التصويرية التي يحول بها القرآن الكريم المشهد المقروء إلى مشهد متحرك. هذا ببساطة لا يقدر عليه أحد من الناس والقرآن هو الوحيد الذي فيه هذه المزية ولا توجد في كتاب آخر. لما يأتي القرآن إلى مشهد نلاحظ أنه يبني المشهد ويسلط الضوء عليه ويتكلم عن أبطال القصة القرآنية أو الأسلوب المختصر لإيراد القصة. مثلاً قصة أهل الكهف جاءت مختصرة في البداية (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)) ثم فصّل. بدأت القصة مختصرة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)) إتّبع القرآن أساليب سردية متعددة للقصة والتنويع والتشويق.

في سورة القلم نجد مشهداً من المشاهد إتّبع فيه القرآن كل أساليب التشويق القصصي والإثارة الدرامية ونوّع ما بين الأسلوب وحرّك الأشخاص والخلفيات (ليل ونهار) وذكر الحالة النفسية لأبطال القصة.

(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)) إخترنا الذين كفروا برسالتك يا محمد كما اختبرنا أناساً سنذكر لك قصتهم. إنتبهنا أن هؤلاء كانوا ثلاثة ورثوا بستاناً عن أبيهم الذي يبدو أنه كان طيباً وكريماً وحريصاً أن يعطي الفقراء في كل موعد حصاد حيث كانوا يذهبون إليه في بستانه في الصباح الباكر ينتظرونه حتى يجمع الثمار فيعطيهم ثم يأخذ بقية الثمار. مات الرجل وترك البستان أو الحديقة إرثاً لأولاده لكنهم أفصحوا عن دواخلهم وقال أحدهم أنهم غير مسؤولين عن إعطاء الفقراء المساكين من الثمار وآخر قال هل هم شركاؤنا؟ أما الأوسط فقال: هذه مخالفة لوصية أبينا وأخاف أن يحصل لنا شيء إن نحن خالفنا الوصية فأقنعه إخوته فسكت. (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين) الجنة هي الحديقة أو المكان الملتف الأغصان والأشجار، إتفقوا فيما بينهم أن يحصدوا الثمار بالكامل باكراً قبل أن يأتي المساكين ولم يقولوا إن شاء الله حتى، (وَلَا يَسْتَثْنُونَ) القرآن حكى المشهد بإيجاز (إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين) أفادت أن هذا الإتفاق بين الإخوة كان ليلاً وبيّتوا النيّة (إذ أقسموا) تفيد العزم الأكيد. (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ) طاف على الجنة في جو الغموض ليلاً إستخدمت الآية لفظاً كله إبهام وغموض. فما هو الطائف الذي طاف بها ولم يترك شجرة إلا ومر بها ولا ثمرة إلا وهجم عليها. وجاءت كلمة طائف نكرة لتفيد العموم. فما هو الطائف؟ هل هو جراد، نمل، ديدان، رياح، سيول، صواعق لاندري وإنما قال طائف من ربك. مشهد عنيف وفي المقابل هم نائمون يفيد أن هذا الأمر حصل ليلاً. (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) نحول المشهد الآن من الليل إلى النهار، والصريم هو الأرض التي لا نبات فيها، ننتبه أن القرآن إستخدم نفس المصطلح الذي استخدمه الإخوة قبل أنا ناموا (ليصرمنها) إستخدم نفس الكلمة (الصريم) كأنه سبحانه وتعالى برّ يمينهم بحكمته وإرادته. هناك توازن لفظي بين الآيات وبين الكلمات.

(فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22)) واضح من السياق ومن سابق تبييت النيّة أن طريقة مناداتهم لبعضهم البعض مان بصوت خفيض يتجمعون حتى يذهبوا لتنفيذ خطتهم التي اتفقوا عليها ليتهربوا من إعطاء المساكين من ثمر بستانهم. (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)) تكتشف أن القرآن لما يقول (وغدوا على حرد قادرين) يصف لنا أنهم تهيّأوا وحمل كل واحد منهم فأسه. (يتخافتون) تشعر كأنك تسير وراءهم وأنت تكتم ضحتك وقد علمت أن البستان قد هلك، أبطال القصة يمشون وأنت القارئ تتبعهم وقد علمت ماذا سيحصل لهم. (صارمين) تعني عاقدين العزم. والحرث هو جمع الثمار، عندنا بذر وعندنا حرث. (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ) التخافت هو الصوت الخفيض، تخيل حالهم يتخافتون ويمشون على رؤوس الأصابع مشهد صامت هادئ ليس فيه إلا همس لكنهم لن يهربوا من الله تعالى. بيّت وخطط ما شئت لكن الله تعالى له مشيئته التي لن تهرب منها في حال من الأحوال.

(أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) الفاء في (فلما رأوها) تفيد التعقيب والمفاجأة كأن شيئاً مبهراً حدث فقالوا أكيد أننا ضللنا الطريق وهذه ليست حديقتنا (إنا لضالون) أي ضعنا، لكنهم (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) إكتشفوا الحقيقة أنهم لم يضيعوا (قال أوسطهم)، لن يستطيع رسام بريشته ولا شاعر بأساليبه الشعرية أن يصف هذه القصة كما وصفها القرآن الكريم.

(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ) إنكفأوا على بعض وبدأوا بالبكاء (عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) والمشهد (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ) حصل تلاوم وندم. ونكتفي في نهاية القصة كيف أن القرآن الكريم يغلق عليهم المشهد بطريقة فيها نوع من الأسى والعِبَر والحسرة على من فرّطوا في نعمة الله وأسرفوا في نعمة الله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا من الشُح والكذب وأن يجعلنا من عباده الذي يستعملهم لطاعته وإطعام خلقه وأن يرزقنا رزقاً واسعاً لا نفتقر بعده إلى أحد أبداً وصل اللهم سلم بارك على خير المنفقين الأتقياء وعلى آله وصحبه وسلم.

الحلقة 30:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) الإسراء)

القرآن الكريم في سورة الإسراء تكلم عن قضية قضاء قضاه الله عز وجل. وكلمة قضى أي حكم وأبرم ولا رادّ لحكمه ولا معقِّب على قضائه، أمر أمره الله عز وجل. حتى في القوانين الأرضية لا يسمح بمناقشة أمر القضاء ويقولون لا كلمة بعد كلمة القضاء فما بالك بقضاء الله تعالى؟

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) قَرَن تعالى قضية الإحسان إلى الوالدين بالتوحيد وكما نعلم فقضية التوحيد أغلى وأعظم وأعلى قضية في القرآن والآية تتكلم عن قيمة خلقية يجب أن ننتبه إليها فالمسألة ليست عبادة فقط وإنما عبادة وسلوك. العبادة لا تنفع العبد يوم القيامة إذا فسد السلوك. الآية في سورة الإسراء يرفع الله تعالى من قدر ما بعد التوحيد فإذا كان الأمر الذي ورد من الله هو أمر بالتوحيد فأي أمر مقترن بالتوحيد هو ذو همة وذو قيمة عظيمة كما قال تعالى (ما سلككم في سقر) وعدد أموراً كثيرة لكن أهمها ما ورد أولاً (قالوا لم نك من المصلين). فالترتيب في القرآن في وضع القيم الخلقية هو أمر مقصود لذاته.

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) يطالبنا القرآن بالإحسان إلى الوالدين وليس إلى والد واحد ولم يقل الأبوين حتى يتذكر الإنسان مرحلة الولادة ومرحلة أنه كان ولداً صغيراً يرعاه أبوه ويحيطه بعنايته ورعايته. نسأل ما القيمة الجمالية في قوله تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ)؟ حتى تذكر أنك كنت عندهم في يوم من الأيام عندما كنت ولداً صغيراً رضيعاً. أراد القرآن هنا أن يلفت النظر إلى الوفاء وهو مقابلة الإساءة بالإحسان ومقابلة الإحسان بمزيد الإحسان، وكلمة الإحسان في حد ذاتها هو كل عمل حسن ولا يقصد به المعاملة بالمثل لذلك قال تعالى (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) لو لم يقل إدفع بالتي أحسن لكان من حقك أن ترد الإساءة بالإساءة والإهانة بالإهانة لكن لما يقول القرآن (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) يعني أنه لا يسمح برد الإحسان بالإساءة. وقوله تعالى (وبالوالدين إحسانا) تثبت أموراً كثيرة منها: أنه يذكرك بعظيم التربية عندما كنت ولداً. ثم إن باء المصاحبة في قوله تعالى (وبالوالدين) أي لا بد أن يصاحب الإحسان الوالدين في كل مراحل حياتهم معك. وثالثاً كلمة إحساناً تفيد أي لا يجوز أن يعامل الإنسان أبويه بمعاملتهما له فأنت مدين طوال الوقت وهما الدائنان. والأمر الرابع أن الذي يصفه تعالى بالحسن فهو الحسن والذي يصفه بالسوء فهو السيء والله سبحانه وتعالى وصف المعاملة الطيبة مع الوالدين بالإحسان فهي حسنة.

(فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) كلمة أفّ ليست كلاماً وإنما حركة نفخ. يقول عبد الله بن مسعود: لو وجد القرآن على لسان العرب كلمة أقل من أفّ لذكرها في القرآن. فلا يجوز أبداً ما فوق هذه الكلمة وهذه النفخة في وجه الأب والأم لأنه منهيٌ عنها وبالتالي (ولا تنهرهما) أفّ فيها إساءة أدب أما ال