السابقون
الدكتور أحمد الكبيسي
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) الواقعة)
قناة سما دبي الساعة 5 عصراً بتوقيت مكة المكرمة
الحلقة الأولى:
(إن الله يحب هذا العبد فأحبوه) وإذا أحب الله عبداً نادى جبريل يا جبريل إن أحب فلاناً فأحبه فينادي جبريل في الملائكة إن الله أحب فلاناً فأحبوه فتحبه الملائكة ثم يوضع له القبول في الأرض. هذا الصنف من عباد الله عز وجل هم السابقون الذين جاء ذكرهم في كتاب الله عز وجل (والسابقون السابقون) هؤلاء السابقون هم الذين يحبهم حباً خاصاً لأن الله عز وجل يحب كل عباده المؤمنين به حباً عاماً ولكن هذا الحب العام لا يمنع أن يعاقب الله بعض عباده الذين يحبهم وربما أذنب هؤلاء العباد ذنباً فالله يؤاخذه به وقد يكره الله فعل عبد يحبه كما في الحديث: كره الله كم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال. وإنما نتحدث عن حب خاص يدخل المحبوب في رحمة الله عز وجل حتى يقول له في النهاية افعل ما شئت قد غفرت لك. هذا القسم الخاص من عباد الله وهم السابقون نتحدث عنهم باعتبارهم ممن يحبهم الله عز وجل زإذا أحب الله عبداً نظر إليه وإذا نظر إليه فلا يعذبه أبداً. وهؤلاء السابقون نوعان: قسم ذكرهم الله بأسمائهم الأنبياء وآلهم والصديقون والشهداء وأهل بدر والرضوانيون الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، هؤلاء مضوا ونحن لسنا من هؤلاء السابقين ولكن وصف السابقين باق إلى يوم القيامة وهم الذين يذكرهم الله بأفعالهم. قسم من السابقين ذكرهم الله بأسمائهم (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) والقسم الثاني ذكرهم بأفعالهم فكن من المحسنين الذين يحبهم الله عز وجل (إن الله يحب المحسنين) (إن الله يحب المتوكلين) (الذين يقاتلون في سبيله) وحيثما وجدت في الكتاب والسنة أن الله يحب فعلاً من الأفعال فحاول أن تكون من أصحاب هذا الفعل لتكون ممن يحبهم الله عز وجل وإذا أحبك الله عز وجل حباً خاصاً فأنت من السابقين ونعني بالحب الخاص هو الذي يصير إلى الود والود هو حب المحبوب لذاته بغض النظر عن أفعاله والله تعالى عندما أحب أهل بدر انقلب هذا الحب وداً فقال افعلوا ما شئتم قد غفرت لكم. صار المحبوب لذاته ولم يكن لفعله ورب العالمين إذا أحبك حباً خاصاً فقد جعل لك وداً (سيجعل لهم الرحمن وداً) والود حب العباد لذاته بغض النظر عن فعله لذا قال تعالى لأهل بدر افعلوا ما شئتم قد غفرت لكم. في هذه الحلقات كل يوم سوف نعدد أصنافاً ممن يحبهم الله عز وجل لأنهم سابقون بفعل أحسنوه إحسانً عظيماً وهذا النوع من عباد اللله قليل جداً لأن الله تعالى يقول (وقليل من عبادي الشكور) هذا النوع من الإتقان التام لفعل من الأفعال العبادية لإرضاء الله عز وجل يقتضي عزماً عظيماً وبني آدم بمدملهم ينقصهم العزم الأكيد على سنة أبيهم آدم. فمن قوانين آدم أنه لم يكن له عزم وهذه من مشئية الله عز وجل (ولم نجد له عزما) حتى الرسل أولو العزم خمسة من مجموع الرسل المذكورين في كتاب الله عز وجل. إذا رأى العبد نفسه أنه أدى عبادة من العبادات في غاية التمام وغاية الإتقان مما يعجز عنه غالبية المسلمين وإنما وفقه الله تعالى له فإنه من أولي العوم وإذن دخل في محبة الله عز وجل. إن الله تعالى يحب كل من يقاتل الشر ويدفع العدوان ويحافظ على الأمة ويدافع عن أعراضها وهذه سنة بشرية في كل الأديان ما من أحد يفرط في عقيدة الأمة ولا في أرضها ولا في عرضها ولكن الله يحب جماعة مخصوصة من هؤلاء المقاتلين لأنهم أدوا هذا العمل أداء ممتازاً فقال (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) وهذا صعب ولهذا لم يحدث في هذه الأمة إلا مرة واحدة وهم أهل بدر رضي الله عنهم ولا يحاسب أحد منهم على خطيئة أما في أحد قال (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ (152) آل عمران) فرق هائل بين الذين قاتلوا في بدر بزعامة رسول الله r والذين قاتلوا في أحد بزعامة رسول الله r أيضاً، هذا الأداء المتميز العظيم جعل الذين قاتلوا في بدر دخلوا في محبة الله وكانوا من السابقين فقال لهم افعلوا ما شئتم قد غفرت لكم، لم يقل لأهل أحد غفرت لكم (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ (155) آل عمران) لم يذكر لهم مجداً ولا تاريخاً ولا جعلهم قدوة ولا عنواناً لهذه الأمة كما فعل مع أهل بدر وهكذا هي كل عبادة من العبادات قد يؤديه الناس إسقاط فرض فقط وقليل من عباد الله من يؤدي العبادة أداء متكاملاً وبهذا الأداء يدخل في السابقين و يستمطر محبة الله له وإذا أحبه نظر إليه وإذا نظر إليه لا يعذبه أبداً نسأله أن يدخلنا في السابقين.
الحلقة الثانية: الصابرون
الحب أجمل ما في هذه الدنيا. أجمل أنواع الحب في الدنيا أن يحبك ملك من الملوك العظام فتأمل نتائج حبه لك من وجاهة واحترام وتقدير فأي حُب هذا إذا أحبك ملك الملوك نفسه العظيم الكريم الجبار المتكبر؟!. التاريخ مليء بمن أحبهم الملوك فرفعوهم إلى أعلى الدرجات فماذا يفعل حب ملك الملوك لك؟ فبادر ما دمت على قيد الحياة حتى لو بقي بينك وبين الموت يوم واحد إلى أن تكون من محبوبي الله عز وجل الذين ذكر أنه يحبهم. من الذين يحبهم الله تعالى الصابرون (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) فحاول أن تكون من الصابرين فالله تعالى من سعة رحمته وكرمه أنه يقبل منك ما لم تغرغر. الصبر احتمال ما تكرهه النفس من المصائب (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) وهذا الصبر له أسماء كثيرة فالصبر إن كان في الحرب فهو شجاعة وإن كان عند الغضب فهو حلم وإن كان عند الشهوة فهو عفّة وهكذا كل الشمائل الأخلاقية هي صبر وكل واحد فينا له صبر نسبي والله تعالى يقبل منا على قدر صبرنا كما هو الحال في كل عباداتنا وعباداتنا تتراوح في جدوتها والله تعالى من كرمه يقبل. لكن نتحدث عن السابقين الذن أعمالهم مرتفعة ولهذا صبر السابقين صبر عظيم وهذا الصبر العظيم هو الذي يجعلك محبوباً لله عز وجل كما فعل الله تعالى مع عروة بن الورد الذي صب الله تعالى عله البلاء صبّاً حتى قال لو قطعتني إرباً ما شكوت منك وسمي عروة الصابر ابتلاه الله بماله فذهب وبأمواله وهو يقول الحمد لله وذهبت رجله وعينه وهو يقول الحمد لله وهو صابر. هذا الصبر التام يشمل ثلاثة أنواع من الصبر: أولاً الصبر على المصائب (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) كم منا يموت ولده أو يخسر تجارته أ, يهدم بيته أ, يهجر من أرضه أو يجد ابنه فقئت عيناه من قومه أو قطعت أوصاله من قومه أو حرق عليه مسجده كما يحدث الآن في هذه الأمة البائسة كم واحد يقول عندما حدث له مثل هذا قال إنا لله وإنا إليه راجعون وربما قالها واحد أو اثنان (وقليل من عبادنا الشكور) والله تعالى امتدح أيوب قائلاً (نعم العبد إنه أواب). هذا الصبر على البلاء اختص الله تعالى هذه العبارة (إنا لله وإنا إلي راجعون) وهي من خصائص هذه الأمة يعقوب ما قال هذه الكلمة وإنما (واأسفى على يوسف) هنيئاً لمن أصابته مصيبة فقال (إنا لله وإنا إليه راجعون) بهذه الجملة يدخل في زمرة المحبوبين لله عز وجل ولا يعذبه أبداً ويقول تعالى ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد. وهذا اصبر على الطاعات كلنا يصلي ويصوم لكن قد تكون العبادة صعبة وبعض الناس تتثاقل عن الصلاة في المسجد في الحر أو في البرد فيصلون في البيت وقد يأتي يوم حار فلا تصوم، هذا الذي نتحدث عنه الصابر على البلاء صابر على الطاعات أيضاً (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) يصلي في الحر ويصوم يوماً حاراً جداً، يكابد الليل. وهناك صبر على النعم والشهوات وهذا أخطرها جميعاً كما قال عمر ابتلينا بالبلاء فصبرنا وابتلينا بالنعمة والسراء فلم نصبر. رجل دعته امرأة ذات مال وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين. أقصى أنواع الصبر فإذا صبرت على مثل هذا فأنت من أحباب الله عز وجل. ملك أو حاكم أو أمير بيده سلطة ولا يُسأل عما يفعل أغضبه أحد رعيته ظلمه بوشاية ويمكن للملك أن يعاقب هذا الرجل وكم ملك سجنوا أو قطعوا أوصال من قال نكتة عليه فإذا وجدت حاكماً برغم قوته وسلطته يعفو عن مثل هؤلاء فهو من أحباب الله (وقليل من عبادي الشكور) فالصبر من أعظم أنواع العبادة ولهذا جاء ذكره في كتاب الله أكثر من أي عبادة أكثر من الصلاة والصوم، فكم فيك من الصبر؟ (وبشر الصابرين) (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) فاعلم أنه بينك وبين أن تكون واحداً من أحباب الله وأن تكون من هذا النوع من الصابرين وإنه لعسير إلا من يسره الله لك حتى تكون من الصابرين.
الحلقة الثالثة: أهل الليل
إن لكل ملك من الملوك مجلساً عامراً يشهده عِلية القوم وهؤلاء الذين يجالسون الملك ويدخلون إلى مجلسه من غير استئذان منهم منيسميهم الأشراف أو الطبقة الراقية أو الوجهاء والقرآن سماهم الملأ وهم جلاس الملوك ويوجه الخطاب لهم ويستشيرهم ويسألأ عن أحوال البلد عزيز مصر قال (أفتوني في رؤياي) ملكة سبأ قالت (يا أيها الملأ أفتوني في أمري) الملأ هم جُلاس الملوك وهم أشراف البلاد وهم طبقة راقية. هذه الأمة لها أشراف وهم الملأ وهم الطبقة الراقية وهم جلاس الملك. من هي الطبقة التي قال عنها r أشراف أمتي؟ هؤلاء هم أهل الليل الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع خوفاً وطمعاً معنى ذلك أن أهل الليل يوم القيامة هم الذين سوف يكونون حول الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر. جاء في الحديث ينادي مناد يوم القيامة أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون يومئذ وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ويساق الباقون إلى ساحة الحساب. الذي يستيقظ من الليل عبد يحبه الله عز وجل إن الله عز وجل يحب رجل يحبه الله حباً عظيماً (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)) فإذا أردت أن تكون حبيب الله يوم القيامة ومن الأشراف الذين يدخلون إلى حضرة الجبار المليك المقتدر فكن من أهل الليل لذلك علمنا r الدعاء: اللهم نسألك جوارك في الجنة فإذا أردت أن تكون في جوار الله في الجنة فأنت من جلاسه وأنت من الملأ الذين يخاطبهم الله مباشرة فكن من أهل الليل. من هم أهل الليل هؤلاء الذين سوف يفوزون بالمقعد القريب من ربهم؟ وصفهم القرآن بأنهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما قال يستيقظون ونحن ننام يوماً ونستيقظ يوماً ونقوم متثاقلين، هذا عبدٌ من عباد الله جنبه يتجافى النوم لا يطيق النوم في الساعة المحدودة عندما تحين ساعة لكي يناجي ربه في الثلث الأخر من الليل وهم يعلم أن الله ينتظره وهو يعلم أن الله ينتظره "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل" وهؤلاء (السابقون السابقون) الذين هم أشراف الأمة، هؤلاء لا يكفي أن يكون مستيقظاً هؤلاء بلغ الحد معهم أن تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأنه يعلم أنه على موعد مع الإله الكريم؟ قلة قليلة بلغ بها حب هذا اللقاء اليومي أن جنوبهم تتجافى عن المضاجع لا يمكن أن يطيق النوم ولا يمكن أن يقهره الموت وهو على موعد مع الملك العظيم، مع الرب الرحيم، مع الإله الكريم في هذه الساعة المعهودة. ماذا لو كنت عاشقاً عشقاً ملأ عليك حياتك وأعطتك حبيبتك موعداً معيناً لا يمكن أن تغفل عن هذا الموعد. تأمل هذه الطبقة الراقية الذين ملأت قلوبهم محبة الله عز وجل فهم ينتظرون ساعة اللقاء هذه بفارغ الصبر حينئذ تتجافى جنوبهم عن المضاجع لا يطيق أن يضع جنبه على الأرض من شدة شوقه فإذا حانت ساعة القاء قام يناجي ربه هؤلاء الذين وصفهم تعالى (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) وقت السحر الساعة التي هؤلاء هم أشراف هذه الأمة فإذا عرفت واحداً من هؤلاء فأحبه لأن الله يريد ذلك فهو محبوب الله عز وجل فإذا أحببته يمكن أن تكون في درجته يوم القيامة كما في الحديث: "والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليحب القوم لا يلحقهم بعمل فيدخل الجنة معهم في درجتهم بحبه لهم" لذا من كمال هذه الصورة أن تصلي ركعتين أو أربع ركعات أو ما شاء لك كما في الحديث صلوا من الليل ولو ركعة، صلّوا من الليل ولو بقدر فواق ناقة. المهم أن تحشر مع زمرة أهل الليل الذين يناديهم أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ ومن صلى الصبح في جماعة كان في ذمة الله ومن تكملة ذلك أن تبقى في مصلاك لا تقول إلا خيراً إما أن تُسَبِّح أو تُعلِّم علماً حتى تطلع الشمس وترتفع ثم تصلي ركعتين فأنت كأنك حججت واعتمرت حجة وعمرة تامتين. فإذا أردت أن يحبك الله عز وجل فينادي جبريل أن يحبك وينادي جبريل في الملائكة أن تحبك ثم يوضع لك القبول في الأرض فما عليك إلا أن تعود نفسك أن تستيقظ في ساعة معينة وتعود نفسك عليه فإذا فعلت ذلك لا يعود يهنأ لك النوم في تلك الساعة حتى يتجافى جنبك عن المضاجع نسأله تعالى أن يجعلنا منهم.
الحلقة الرابعة: الذاكرون
ما من عظيم من عظماء هذه الدنيا سواء كان ملكاً أو أميراً أو قائداً أو فيلسوفاً أو شاعراً إلا وكان له مُحِبٌ كتب عنه كتاباً يعدد فيه مناقبه وخصاله الحميدة وما تميز به من مزايا وسجايا ويطريه إطراء يعبر فيه عن مدى حبه لهذا الرجل وعادة يكون بين هذا الكاتب ومن كتب عنه صلة عظيمة ومودة قائمة وأخوة لا تنفصا وإكرام متبادل وربما يحبه أكثر مما يحب بنيه. إن لله تعالى عباداً سخّرهم لمثل هذه المهمة، عباداً سخرهم ووفقهم لأن يذكروه فهم الذاكرون في كل حال قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم يذكرونه على كل خطوة من خطواتهم وهم الذاكرون. والذاكرون هم الذين يذهبون بكل خير يوم القيامة. تأمل كيف أن الله عز وجل عبّر عن حبه لهذه الفئة فقال (أنا جليس من ذكرني) ملك الملوك يقول أن جليسهم في المكان الذين هم فيه ولم يقل هم جلسائي في مقام عظمتي وكبريائي وعزي وعفوي، ولكن رب العالمين ذهب إليهم وجلس معهم وقال أيضاً (أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه) تأمل أي فئة عظيمة وأي عبد هذا الذي يذكر الله عز وجل فكم نال هذا العبد من محبة الله تبارك وتعالى؟!. جاء رجل إلى رسول الله r فقال يا رسول الله ذهب الأغنياء بالدنيا وذهبوا بالآخرة نصلي ويصلون كما نصلي نصوم ويصومون كما نصوم وهم يتصدقون وليس عندنا ما نتصدق به، فقال r ألا أدلك على أمر إن أنت فعلته فإنك تلحق بمن سبقك ولا يدركك من خلفك؟ قال ماذا أفعل يا رسول؟ قال أن تسبح الله دبر كل صلاة 33 تسبيحة وتحمد الله 33 تحميدة و34 تكبيرة، بهذه تلحق بمن سبقك ولم يدركك من خلفك، تأمل كم أن هذا الذكر ينقل العبد هذه النقلة العظيمة. وقال r من قال في اليوم والليلة مائتي مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير فإنه يلحق من سبقه ولم يدركه من بعده. إذن أنت من السابقين السابقين الذين هم المقربون القلة في هذه الأمم بهذا الذكر فما عليك إلا أن تكون ذكاراً قياماً وقعوداً وعلى جنبك ليلاً ونهاراً سراً وجهراً، أن يكون الذكر شاغلك، تذكر الله على كل حال وفي كل حركة وعلى كل مفصل ولكل حركة من حركات المسلم ذكر مأثور عن رسول الله r وفي حديث الضامنين الذين يضمنون الجنة من ضمنهم رجل إذا دخل على أهله سلّم عليهم. فالسلام من ذكر الله.
إذا تتبعت آثار الذكر وما أعده الله تعالى للذاكرين لندمت على أنك لم تكن من أهل الذكر وأنك مقصر في أن تكون من الذاكرين. تتبع الآيات في كتاب الله العزيز (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت) ذكر الله أكبر من الصلاة ومن تلاوة القرآن لأنها كتابة عن الملك، لأنها إطراء للملك، ثم تأمل في بقية هذا الباب وهذا الباب متيسر ما إن تفتح كتاباً من أي كتب الحديث أو الكنب المحدثة في هذا الباب إلا وترى عجباً فإذا قرأت ذلك قلت لا يدخل النار إلا شقي فكيف ندخل النار والذكر بين أيدينا ميسر لألسنتنا وهذا من فضل الله عز وجل. من لزم الإستغفار جعل الله من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب، من قال سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم مائة مرة غفر له ذنبه ولو كانت مثل زبد البحر، ولو كانت مثل رمل عالج ما اجتنبت الكبائر.
الذين يحبهم الله عز وجل ويجعلهم الله تعالى من السابقين هم الذاكرون. في الحديث: ألا أدلكم خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقباهم ويضربوا رقابكم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال r ذكر الله والأحاديث في هذا عجيبة وسِعة الله تعالى تبهر المؤمن وتفرحه وتبهج قلبه فأين نحن من ذكر الله؟ عندما تقرأ كتب الحديث التي تتناول هذا الباب تجد نفسك في حديقة عظيمة من أنواع الذكر فاختر لك واحدة مثلاً مائة مرة صلي على النبي r، أولاكم بي يوم القيامة أكثركم علي صلاة، من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرة ومن صلى علي عشراً صلى الله عليه بها مائة ومن صلى علي مائة صلى الله عليه بها ألفاً ومن صلى علي ألفاً زاحم كتفه كتفي على باب الجنة. فما عليك إلا أن تقولها بحب وشوق وصدق وعقل متيقظ هكذا هو هذا الدين العظيم وهكذا رب العالمين عز وجل فتح الباب على مصراعيه حتى يستطيع كل عبد من عباده أن يكون من أحبابه. إن الله تعالى لم يجعل أحبابه مقتصرين على جماعة أو طبقة أو فئة أو عدد ولو أن كل عباده اتبعوا هذا الذي نقوله لدخلوا في دائرة أحبابه وأن الله عز وجل لا ينفذ عطاؤه فعليكم بهذا الباب المتيسر اختاروا لكم أوراداً يومية من الأوراد المأثورة لا تتركونها يوماً حتى تتعود عليها ألسنتكم وتصبح ديدنكم في كل صغيرة وكبيرة قال رجل يا رسول الله علمني عملاً يدخلني الجنة قال r لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ونسأله تعالى أن يجعلنا من الذاكرين.
الحلقة الخامسة: أهل القرآن
تحدثنا في الحلقة السابقة عن الملأ الأعلى وهم حاشية الملك ومستشاروه وجلاسه في مجلسه واليوم نتحدث عن أهل الملك وإن لكل ملك عائلة ملكية هم أبناؤوه واخوانه. "إن لله أهلين من الناس" ملك الملوك عز وجل له أهلون قالوا من هم يا رسول الله؟ قال أهل القرآن أولئك أهل الله وخاصته. وليس هو قارئ القرآن أو من يتعلم القرآن أو من يعلم القرآن وهؤلاء كلهم لهم قدح معلّى "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وإنما أهل القرآن. هناك فرق بين أن نقول فلان يبيع ويشتري وأن نقول أهل البيع والشراء أي التجاؤ الكبار فأهل القرآن ليس كل من قرأ القرآن وإنما من اتخذ القرآن شغلاً شاغلاً ليل نهار في قراءته أولاً ثم في تلاوته ثانياً ثم في تعلمه ثالثاً ثم في تعليمه رابعاً ثم في استظهاره خامساً ثم في حل حلاله وحرمة حرامه سادساً ثم في تعلق قلبه به سابعاً ثم كيف يقرأه آناء الليل وأطراف النهار. لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقرأه آناء الليل وأطراف النهار. وهناك فرق بين القرآءة والتلاوة "اقرأوا ما تيسر من القرآن" هذا لكل عبد من عباد الله كلنا نقرأ في الصلاة، أما التلاوة المتدرجة يكون لها منهج عظيم من حيث الكم والكيف اختصاص (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) فاطر) إذن ليس كل من يقرأ القرآن ينال هذه الدرجة الرفيعة بحيث يكون زاحداً من أهل الله ما لم يوغل في هذه القراءة إلى أن يصبح متخصصاً مصاحباً ملازماً عقله يعمل بها ليل نهار من هؤلاء الذين ملأوا الدنيا علماً بهذا الكتاب (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) وفي قراءة وما كنتم تدرّسون. أهل القرآن هم الذين ملأوا الدنيا به علماً من فسره وأعربه وشرحه وخطّه وبيّن مفرادته وهو الشغل الشاغل للمتخصصين في هذا الباب يلازمونه ليل نهار حتى أصبح شغلهم وديدينهم وفتح الله لهم من عجائبه التي قال عنها رسول الله r لا تنقضي. هذا القرآن لا تنقضي عدائبه ما من عصر إلا ويكتشف الناس في هذا الكتاب العزيز أعجوبة من عجائبه تكون معجزة للعصر الذي هو فيه ويبقى القرآن على هذا النسق إلى يوم القيامة وما من جيل إلا ويكتشف في هذا القرآن معجزة جديدة وحتى يأتي تأويله يوم القيامة حينئذ سنكتشف أن معظم معجزات القرآن لم ترد على ذهن بشر في الدنيا كلها. هؤلاء أهل القرآن الذين ملأوا الدنيا بمصنفاتهم العظيمة في كل جيل وكل عصر وهم مجموعة عظيمة يشكلون أهل الله عز وجل. فمن استظهر القرآن فقد يستدرج النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى له. هذا يحشر مع النبيين لأنه استدرج النبوة لكن لا يوحى إليه. فمن أجل هذا على كل من له ولد يتوسم فيه الذكاء والفطنة إذا كان له أكثر من ولد فليهبه للقرآن الكريم فإذا صار من أهل القرآن يأتي يوم القيامة والداه وقد ألبسهما الله تعالى تاجاً يتحدث عنه كل أهل الجنة. هكذا هم أهل الله وخاصته وهم أهل القرآن، هذا القرآن يأتي شافعاً لأصحابه، القرآن والصيام يأتيان شافعين لأصحابهما. كتاب الله عز وجل من تخصص به قراءة وتلاوة وحفظاً وتفسيراً وعملاً ينتظم في سلك أهل الله عز وجل فهم من السابقين ومن خاصة السابقين وخاصة الله عز وجل والله تعالى يحبهم حباً عظيماً وإذا أحب الله عاداً نظر إليه وإذا نظر إليه لا يعذبه أبداً. والسابقون هم أحباب الله الذين إذا أحبهم وضع لهم القبول في الأرض. ومن فضل الله عز وجل في هذا الزمان أن جمعيات تحفيظ القرآن كثرت وينبغي أن لا نقف عند تحفيظ القرآن فقط وإنما يجب أن نختار بعضاً من هؤلاء الطلاب النجباء ممن يتوسم فيهم الفطنة والاستيعاب والمحبة بعد أن يستظهروا القرآن لأن هذه الاستظهار خطوة عظيمة تفتح عقل الطالب وتستمطر فتح الله له. واحد أو اثنان أو ثلاثة في كل مركز يوجهون للتخصص في هذا باب فيما فتح الله عليهم من الإنشغال بالقرآن الكريم كما قال تعالى (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) هذه سبيل عظيمة لمن أراد أن يكون واحداً من أحباب الله عز وجل. الباب مفتوح أمامك لأن تكون من السابقين وإذا كنت من السابقين فإن الله يحبك وإذا أحبك لم يعذبك أبداً وحينئذ أنت مع الله عز وجل في مقعد صدق عند مليك مقتدر. علينا جميعاً بكتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه هذا الذي جعل الله تعالى ثواب قراءته عشر حسنات لكل حرف لا أقول ألم حرف وإنما ألف حرف ولام حرف وميم حرف. أي مكاسب في هذا الكتاب العزيز (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا) إن الله يصطفي من عباده بعضاً منهم لكي يشرفهم بهذا العمل العظيم فيكونوا من أهل القرآن ومن أهل الله عز وجل ومن الصفوة السابقين حتى يكونوا على رأس الذين يحبهم الله تعالى
الحلقة السادسة: التوابون
تخيل أن قاتلاً مجرماً معتدياً عتلاً قتل مائة رجل من أهلك ما هو شعورك تجاه هذا المجرم؟ في غاية العداء وفي عاة الحقد ومعك حق وأنت تتربص به لتنتقم منه شر الانتقام. ماذا لو جاءك هذا القاتل وأنت في بيتك وقال لك سامحني أنا مخطيء أنت بشر وأنت عبد من عباد الله واحد قتل مائة رجل من أهلك وكل الذي فعله أن يقول لك سامحني كأنما قتل دجاجة! ماذا يمكن أن يكون شعورك؟ ربما يكون شعورك مزيداً من الغيظ وأنه يتلاعب بأعصابك فكيف ينقلب هذا العتل القاتل العدو الأعظم لك كيف ينقلب حبيباً بثانية واحدة؟! هذا فوق طاقة البشر لكن هذا إذا كان فوق طاقة البشر فهو ليس بعيداً ولا ثقيلاً على الله عز وجل ففي قدرة الله عز وجل ورحمته الواسعة التي تسع كل شيء. إن ألدّ أعداء الله مهما بلغ عداؤه لربه الغاية القصوى من العداء فصار العدو الألدّ لله يمكن أن ينقلب بثانية من أعظم أحباب الله وهذا لأن الله تعالى هو الواسع (إن الله يحب التوابين) وإذا أحب الله عبداً عفا عنه. هكذا هي التوبة الباب المفتوح العظيم الذي لا يدخل النار معه إلا شقي. إن رجلاً قتل مائة رجل ثم أراد فنصحه أحد الناس فقال اذهب إلى القرية الفلانية فهم قوم صالحون فأنت من قرية طالحة إذهب إلى هناك لعلهم يعلمونك التوبة فذهب الرجل متوجهاً إلى تلك القرية يريد أن يتوب فمات في الطريق فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ملائكة الرحمة قالت إنه كان متوجهاً إلى القرية ليتوب فهو من أهل النجاة وملائكة العذاب قالت لم يصل بعد فهو في النار فقال لهم الله تعالى اذهبوا وقيسوا هل هو أقرب للقرية الصالحة أو القرية الطالحة فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الطالحة ففرح ملائكة العذاب فرب العالمين أمر القرية الطالحة أن تبتعد وأمر القرية الصالحة أن تقترب ثم قال للملائكة اذهبوا فقيسوا مرة ثانية فقاسوا فوجدوه أقرب للقرية الصالحة فقال تعالى إذن لقد تاب وغفرت له ذنبه وصار من أحباب الله بثانية. مهما كنت عدواً لله ومهما كنت محارباً لله ورسوله ومهما كان جُرمك قاتل، قاطع طريق مشرك مهما كان ذنبك ومهما طال عهد ذنوبك حتى لو أذنبت مائة عام في لحظة صدق في لحظة رجاء قلت يا رب إني تبت إليك من كل قلبك صادقاً مخلصاً بهذه الثانية سيقول لك الله تعالى لبيك يا عبدي غفرت لك ما كان منك، بثانية. هذا لا يكون إلا مع الله الله عز وجل لأن الله تعالى هو الغفور وهو الغفار وهو الواسع. إذن من الذي يدخل النار بعد ذلك؟ (إن الله يحب التوابين) " إن الله يحب العبد المفتّن التواب" وإذا تاب العبد أنسى الله الملائكة ذنوبه وأنسى الأرض وكل معالمه الذنوب. هكذا هو رب العالمين مع التائبين لأنه يحبهم فهو يبسط يديه بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل. إن الله يحب هؤلاء المجرمين إذا تابوا والتوبة لا تكلفهم إلا ساعة يقظة في ضمائرهم ويرفع يديه ويقول يا رب (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) الفرقان) لا يكتفي الله عز وجل بأن يغفر ذنوبهم وسيئاتهم وإنما يجعل سيئاتهم حسنات، الله أكبر! يا لكرم الله! (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) النساء) لذا قال تعالى (غافر الذنب وقابل التوب) يغفر الذنوب قبل أن تتوب لأنه يعلم أنك متوجه إليه لكي تتوب فهو قد غفر الذنب قبل أن تشرع بالتوبة وهو يعلم صدقك فيها. (إن الله يحب التوابين) وإذا أحب الله عبداً نظر إليه وإذا نظر إليه فلا يعذبه أبداً. من أجل هذا كان r في الجلسة الواحدة يستغفر الله سبعين مرة والصالحون من هذه الأمة يتوبون إلى الله ويستغفرونه مع أنهم لم يذنبوا لأن الله يحب التوابين (نعم العبد إنه أواب) (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) التوبة عند الصالحن ليست لأنهم أذنبوا ولكن لأن الله يحب التائبين ويجب المستغفرين لذا علينا أن نتوب إلى الله ف كل ساعة حباً وتملقاً وإشفاقاً لأن هذه التوبة إذا كان لك ذنوباً غفرتها وإذا كنت تتوب إلى الله حباً به وتزلفاً إله رفع درجات لهذا كان r يستغفر الله في الجلسة سبعين مرة لأن الاستغفار والتوبة وكثرة التوبة وتعددها في كل مكان في كل ساعة وفي كل حالة ترفع درجات العبد لأن الله يحب التوابين. السابقون السابقون أنواع كثيرة وكل عبد من عباد الله يكمون له فرصة أو مجال أو مناسبة يكون بها واحداً من هؤلاء السابقين فمن الأساليب التي تجعلك من السابقين بل من أشدها وأعظمها وفي نفس الوقت أيسرها أن تكثر من التوبة وأن تلزم الاستغفار وأن تكون توبتك إلى الله صادقة نصوحاً لا تعود إلى ذنب بعدها أبداً فتبعث يوم القيامة لا ذنب عليك لأنه عند الله تعالى التائب من الذنب كمن لا ذنب وأسأل الله تعالى أن يتوب علينا وأن لا نجد في صحائفنا ذنباً واحداً.
الحلقة السابعة: الأسخياء
من أسباب الحب بين اثنين أن يتشابها إما بمهنة أو صفة أو سجيّة أو هواية أو ما شاكل ذلك فالفنانون مع بعضهم التجار مع بعضهم والعلماء مع بعضهم والحكام مع بعضهم والرياضيون مع بعضهم هذه أصناف تتآلف بما بينها من قاسم مشترك وهكذا شأن الصفات: الحقود مع الحقود، الحزين مع الحزين (وحزينٌ يتأسى بحزين) والكريم مع الكريم. لا يعرف فضل الكريم إلا الكريم والكريم لا يأنس إلا بكريم مثله. من أجل هذا إن الله تعالى يحب الأسخياء لأنه سخي والسخاء خُلُق الله الأعظم من أجل هذا فإن الله عز وجل جعل من السابقين الذين يحبهم الأسخياء. قال r تجاوزوا عن ذنب السخيّ فإن الله يستره له في الدنيا ويغفره له في الآخرة. رجل كريم يساعد الفقراء يكرم الأصدقاء، يتبرع ،يبني، خيره على الناس، ما قصده أحد وردّه، يتفقد الفقراء والمحتاجين إن عبداً كهذا يقول فيه r تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله يستره له في الدنيا ويغفره له في الآخرة. هذا لأن الله يحب هذا السخي فإذا أذنب ذنوباً مع الله سترها له في الدنيا ولم يفضحها في الآخرة بل غفرها له وأدخله الجنة. السامريّ أخذ لبني إسرائيل عجلاً جسداً له خوار، هذا السامري بعد أن رجع موسى ووجد السامري ارتد عن الدين وكان عليه أن يقتل لأن عقوبة المرتد القتل لكن الله تعالى قال يا موسى لا تقتل السامري لأنه سخي فرب العالمين تجاوز عن السخي هذا السامري الذي جعل عجلاً له خوار ثم لما رجع موسى عاد إلى دينه وبقيت عليه عقوبة الردة وأسقطها الله تعالى عنه لأنه سخي. تجاوزوا عن ذنب السخيّ فإن الله يأخذ بيده كلما عثر. السخاء خٌلُق الله الأعظم والسخي يحب السخي والسخي يختلف عن المنفق كلنا منفق نعطي شيئاً من الصدقات والهابت أما السخي هو الذي يعطي عطاءات كبيرة تنقلك من كونك فقيراً إلى كونك غنياً هذا الفرق بن الصدقة من كريم والهبة من سخيّ السخي يعطيك عطاء ينقلك من حال إلى حال أفضل. وهذا السخي يعط وهو يتلذذ لا ينتظر منك مقابل (لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً) وقد يعطي كل ما عنده إذا اقتضى الحال لا يبخل بشيء (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) من كبار المحسنين هذا السخيّ، ما وجد مناسبة إلا تدخل ما وجد مشكلة عند صديق أو حاجة عند قريب لا يتخلّف وهؤلاء تجد في كل حي واحداً وفي كل قبيلة تجد واحداً وربما أكثر وهؤلاء من أجِلّة السابقين السابقين الذين هم قلة في الدنيا والآخرة. من أجل ذلك رب العالمين جعل الإنفاق ملازماً لكل العبادات ولا يُقبل السابق أن يكون سابقاً سواء كان من أهل الليل أو المستغفرين أو المجاهدين أو العلماء أو الحكام إلا وقال (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) الذاريات) (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) فالانفاق والسخاء والعطاء شرط من شروط كل صفة من صفات السابقين سواء سابق من أهل القرآن أو من الذاكرين أو من الحكام العادلين ولا يكون البخيل سابقاً أبداً كما قال تعالى للفردوس وقصبتها عدن" وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ولا قاطع رحم". وخير دليل على السخاء أن تعطي من يبغضونك على الرحم الكاشح ورب العالمين امتدح الأنصار لأنهم أعطوا عطاء عظيماً (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر) رب العالمين قال ذهب الأنصار بكل خير، وقال r لقد أدًى الأنصار ما عليهم، رضي الله عن المهاجرين والأنصار لعطائهم. من أجل هذا إذا كنت تريد أن تكون سابقاً بأي وسيلة من الوسائل لا بد أن تكون سخياً والسخاء ليس كمّاً ولكن كيفاً أن تعطي درهماً بطيب نفس ومحبة وتلذذ وبغير منة فإذا كنت سخياً فأنت من أحباب الله وإذا جعلك من أحباب الله فأنت من السابقين وإذا كنت من السابقين فأنت من الملأ الأعلى يوم القيامة وأنت من أحباب الله وجلاسه في الفردوس. هكذا هو العطاء في هذه الدنيا وهذه سماحة اليد ولهذا امتدح تعالى أبو بكر الصديق عندما أعطى كل ما عنده. والله تعالى يسخر هؤلاء الأسخياء لسد ثغرات في كل مجتمع من المجتمعات فتراهم محبوبين وجهاء حيثما ذهبت رأيت لهم آثاراً ما إن تحتاج إليهم إلا فتحوا لكم بيوتهم وقلوبهم وجيوبهم. هؤلاء هم الأسخياء وهم درة من درر السابقين وغرة من غرر الذين يحبهم الله عز وجل فعوّد نفسك على أن تكون سخياً فإن البخل ذميم وإن البخيل كريه عند الله عز وجل كما أن السخيّ حبيب وقال r إن الله اصطفى هذا الدين لنفسه ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما.
الحلقة الثامنة: أهل المساجد
من عادة المحبين أنهم يمرون بديار الحبيب يطوفون حول بيوته وحول مضاربه كما يقول الشاعر
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
فديار الحبيب محبوبة وهي التي تجتذب قلوب المحبين وما من محب إلا تحدث عن دار حبيبته وهكذا هو حب الله عز وجل وديار الله هو المسجد (الله نور السموات والأرض) أين هذه الصورة؟ قال (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) هذا بيت الله هو داره كما في الحديث القدسي "المساجد بيوتي وعُمّارها زواري وحق على المزور أن يُكرم زائره". هذه دار الله فمن عباد الله من يتعلق قلبه بالمسجد تعلقاً عجيباً لا يخرج منه إلا ليعود إليه، إذا مر في الشارع ورأى مسجداً كأنه رأى بيت حبيبته التي يعضقها ينفتح قلبه وتبتهج نفسه، إذا دخل المسجد فرح فرحاً عظيماً وإذا خرج من المسجد شعر بشيء من الوحشة، من ضمن الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل معلق قلبه بالمساجد كما قال r "إن للمساجد أوتاداً الملائكة خُلّتهم (أي أصدقاؤهم) فإذا غابوا تلفت عنهم الملائكة" هذا المتعلق بالمسجد يصلي فيه خمس أوقات لا يتخلف إلا إذا كان له عذر قاهر، لا يستطيع أن يتخلف عن المسجد ولو وقتاً واحداً وإذا دخل دخل بفرح وسرور كأنه دخل إلى روضة بل أشد وهناك أناس يعشقون المسجد عشقاً في تنظيفه وتعميره بالذكر والقراءة والأنس، يقبل أرضه ينظفه من كل الشوائب. هكذا بعض عباد الله يأخذ المسجد شغاف قلوبهم لأنه بيت الله عز وجل ودياره والعاشق تجده دائماً حول ديار المحبوب. هؤلاء الناس على قِلّتهم موجودون في كل مسجد وما من مسجد من مساجد الله في الأرض الإسلامية كلها إلا تجد فيه شخصاً يحب المسجد حباً عظيماً سواء كان موظفاً فيه أو سواء كان مصلياً تجد واحداً من هؤلاء المصلين يهيم حباً بهذا البناء حتى لو كان خيمة ملأ قلبه حب المسجد لأنه في بصيرة عظيمة وفي نظر ثاقب وفي تصور كامل إلى أن نور الله موجود في المسجد لهذا جعل الله تعالى المسجد سوق الآخرة كما أن السوق مكان تجارة الدنيا فإن هذا المسجد سوق الآخرة وتجارته مع الله عز وجل حُبه عبادة وتنطيفه عبادة والإمامة فيه عظيمة والصلاة فيه بخمس وعشرين والتسبيح فيه وكل ساعة تعتكف بها يعطيك الله ما بين المشرق والمغرب ومهر الحور العين أن ترفع القذى والأذى عن المسجد فكل حركة فيه ربح عظيم فهو سوق الآخرة إضافة إلى أنه سوق يجد الله فيه فمن المصلين من ينفتح قلبه في المسجد فيرى الله فيه ويرى نوره فيه تراه خاشعاً لا يصخب ولقيمة المسجد جعل الله تعالى كلام الدنيا فيه محظوراً " لا تقوم الساعة حتى يكون حديث الدنيا في المساجد" كيف تتحدث وأنت في حضرة الملك في أمور تافهة؟! إذن من السابقين السابقين الذين يحبهم الله عز وجل قوم تولهت قلوبهم ولهاً عظيماً ببيوت الله إذا كان في طائرة أو سيارة ولاحت له مئذنة انشرح قلبه وإذا دخل مسجداً انشرحت نفسه وابتسم وذهبت كل كآبته يتلذذ بكل جوانبه كما قال r "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان" لأن الله تعالى يقول (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) وهذه خصيصة من خصائص هذا الدين أن مساجدها تقشعر لها الأبدان وما من بيت من بيوت العبادة له هذه الهيبة (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد) ادخل أي بيت من بيوت العبادة غير المساجد لا ترى فيها كل هذه البهجة لهذا امرنا تعالى أن تنظف وتطهر وأن ترفع (في بيوت أذن الله أن ترفع) ترفع قدراً وأن ترفع مكاناً تكون مكاناً في مكان بارز وأن ترفع تُطهّر. لذا قال تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ومن علامات الساعة التي تؤذن بأن الساعة قريبة أن يقوم بعض المسلمين بحرقها وهدمها كما يحدث في العراق هدمت مئات المساجد والمآذن لأن طائفة عكس طائفة وكلهم يقولون لا إله إلا الله، هكذا هي الأمة وهي في أرذل حالاتها "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" فطوبى لمن تعلق قلبه بالمسجد وطوبى لمن شعر بألم شديد وانكسار عظيم عندما رأى بعض الطوائف الإسلامية تهدم المساجد وتنسف المآذن. هكذا هو مكر الله إذا أراد الله بقوم مكراً فعل فيهم هذا الذي يجري في بعض بلاد المسلمين من تمرد على الله تعالى وخبل في النفس وخروج عن الإنسانية كلها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً فطوبى لمن تعلق قلبه بها وطوبى لمن دخلها وهو منشرح الصدر وطوبى لمن ساهم فيها بالبناء والنظافة أو بالعلم والدراسة كما قال r يا أبا ذر لأن تغدو إلى بيت من بيوت الله فتعلم باباً من أبواب العلم خير لك من أن تصلي ألف ركعة" هكذا هي بيوت الله فعمروها واعلموا أنها سوق الآخرة وسوق الآخرة أرباحها لا تقاس بالتفصيل.
الحلقة التاسعة: المتزاورون في الله
في حياة كلٍ منا حركات وأعمال وأفعال يمكن أن تكون من أجلّ العبادات لو أننا نوينا بها العبادة لكننا للأسف الشديد في غالب الأمر نقوم بها من غير أن ننوي بها العبادة. ومن ذلك التزاور فكلنا قد نزور صديقاً لنا في ناحية المدينة وكلنا يذهب لزيارة فلان لمناسبة وغير مناسبة لشوق أو ما شابه ذلك وفاتنا قوله تعالى: "وجبت محبتي للمتزاورين فيّ" إذا كنت تزور أخاك لأنك تحبه في الله عز وجل فإن الله تعالى أوجب لك محبته وإذا أوجب لك محبته جعلك من السابقين الذين يدخلون الجنة بغير حساب والذين يتبأون أعلى درجاتها. هكذا هو التزاور يقول r ألا أدلكم على رجالكم في الجنة محمد في الجنة وحمزة في الجنة ورجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله في الجنة" هكذا هي الزيارة لو نويتها عبادة لوجه الله. يقول r إذا ذهب الرجل لزيارة أخيه في ناحية المصر فيبعث الله على مدرجته ملكاً يسأله أين أنت ذاهب؟ فيقول ذاهب لزيارة فلان فيسأله الملك ألك حاجة تربها فيقول لا إلا أنني أحبه في الله فيقول الملك: أنا ملك أرسلني الله عز وجل لكي أبلغك أن الله أحبك كما أحببت هذا فيه" هكذا هي الزيارة في الله. ومن أعظم أنواع الزيارات في الله عندما تزور مريضاُ. زيارة المريض هذه عجيبة العجائب إذا نويت بها وجه الله عز وجل لا فخراً ولا تزلفاً ولا حاجة وإنما لوجه الله أن الله تعالى جليس المريض " عبدي مرضت فلم تزرني فقال كيف أزورك وأنت رب العالمين قال مرض عبدي فلان فلم تزره ولو زرته لوجدتني عنده" ويقول r خمس مجالس العبد فيها على الله ضامن أي ضامن المغفرة ودخول الجنة ما كان في مجلس جماعة وما كان في مجلس علم وما كان في مجلس إمام تعزره وتوقره وما كان في مجلس مريض فما دمت في مجلس المريض فأنت خواض في رحمة الله كما جاء في الحديث أولئك الخواضون في رحمة الله. ومن قوانين الملائكة أنها تسمع حديث النفس إذا تحدثت مع نفسك ولم يسمعك أحد فالملائكة تسمعك لأن حديثك مع نفسك يكون عند الملائكة صوتاً فإذا نويت أن تذهب لزيارة فلان تجمعوا على بابك فإذا خرجت خرجوا خلفك يقولون طبت وطاب ممشاك حتى إذا وصلت بيت المريض ودخلت انتظروك على الباب حتى إذا خرجت ساروا خلفك حتى تصل إلى بيتك وهم يقولون عدت مغفوراً لك هكذا هي زيارة المريض بهذا الفضل ما من عبادة أعظم في مثل هذه الحركات التقليدية في حياتنا وتقاليدنا وعاداتنا من أن تزور أحداً من الناس وتنوي بها وجه الله أو أن تزور مريضاُ وتنوي بذلك وجه الله تكون فزت فوزاً عظيماً لأنه جاء في الخبر أنك إذا زرت مريضاً بعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليك حتى تمسي إذا كنت ذهبت صباحاً وحتى تصبح إذا كنت ذهبت مساء. فأيّ عبادة أسهل وأجمل وأجلّ من أن تزور أخاك المسلم في أي ناحية من نواحي المدينة في بيته أو تزور مريضاً في مستشفى وتعود بكل هذا الأجر العظيم. الله تعالى أعطى كل هذا الأجر لأنه يكره مساءة المؤمن إن الله مع المريض فالله جليس المريض يكره أن يبتليه لكنها قوانين وضعها الله تبارك وتعالى فلا بد منها ولأنه لا بد منها أجزل العطاء للمريض أجراً وطهوراً وأجزل العطاء لزواره وأجزل العطاء لمن يعالجه بل إن الله تعالى أكرم المرضى بأن أعفاهم من بعض واجباتهم الدينية إذا كان المريض يأنس بهم فإذا كنت تجالس مريضاً في يوم الجمعة وكان المريض قد أنس بوجودك فلا عليك أن تبقى وتصليها ظهراً في بيتك وهذا نظراً لشدة محبة الله تعالى للمرضى ومحبته لزوار المرضى فإن الله تعالى إذا أحب عبداً نظر إليه وإذا نظر إليه جعله من السابقين وإذا جعله من السابقين لا يعذبه أبداً. هكذا هي هذه العبادة جعلها الله عز وجل إكراماً للمرضى وإكراماً لزوارهم وهذا من رحمة الله تعالى بالناس من حيث أن الله تعالى يريد أن يتوب عليكم.
الحلقة العاشرة: الصادقون
إن الله عز وجل يحب أصحاب المروءات وأصحاب المروءات هم الذين تمنعهم شخصياتهم واعتزازهم بأنفسهم وحياؤهم وتربيتهم من أن يرتكبوا المعاصي أو الذنوب أو السيئات الرخيصة كالكذب مثلاً يقول الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). السابقون أنواع منهم من لا يكذبون مروءة لأن شخصيته واحترامه وأنفته من الذكب واعتزازه بنفسه تجعله صادقاً فهو يصدق مروءة ومن الناس من يصدق عبادة لأن الله تعالى أمر بالصدق فقال (وكونوا مع الصادقين) وقال r "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً". الصديقون هم من السابقين الذي جاءوا بعد الأنبياء (وأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ) فإذا كنت واحداً من عباد الله تتحرى الصدق في حديثك ولا تطذب أبداً وحينئذ تطلب في ذلك وجه الله فإن هذه الخصلة الكريمة من المروءات التي يحبها الله عز وجل سوف تصل بك إلى أن تكون في مراتب الصديقين يوم القيامة الذين هم الصنف الثاني من السابقين والسابقون الذين أحبهم الله عز وجل. وقد بلغ من دناءة الكذب أن ابليس نفسه تأبّه عنه وأنِفَ منه لما قال (وعزتك لأغوينهم أجمعين) هذا كذب فهناك من عباد الله من لا يستطيع أن يغويه ولهذا تدارك وقال (إلا عبادك منهم المخلَصين) وكثير من الناس يتأبون مروءة واحتراماً لأنفسهم فلا يكذبون ومنهم من يستثمر ذلك استثماراً عظيماً فينوي به وجه الله عز وجل فيكون عبادة عظيمة (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) من أجل هذا "آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد خلف وإذا اؤتمن خان". فإذا أردت أن تكون من السابقين الذين يحبهم الله عز وجل فتحرى أن تكون صادقاً دائماً إلا إذا أخطأت خطأ فتبادر إلى تصحيحه. ومن أشد أنواع الكذب وأقبحه كذب العالم على مستمعيه وكذب الحكام على ملوكهم الذي هو من أشد أنواع الكذب عند الله عز وجل وكذلك كذب العلماء على جمهورهم عندما يكذبون نفاقاً أو مراءاً أو طلباً من حاكم. يقول r "ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم شيخ زانٍ وملك كذاب وعائل مستكبر" فالملك الكذاب الذ يكذب على رعيته هذا من أشد أنواع الكذب قبحاً عند الله سبحانه وتعالى. قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جباناً؟ قال ربما، قالوا أيكون المؤمن كذاباً؟ قال لا إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بالغيب. لذا مكننا الله تعالى أن نكون من السابقين ومع السابقين إذا عوّدنا أنفسنا على الصدق كلما تحدثنا. ومن الكذب الذي يشيع بين الناس من غير أن يقصد أصحابه وإنما لإضحاك الناس من نكات وأحياناً يأتي أحدهم أحياناً بنكتة ليضحك الناس ولكنها نكتة كاذبة تمس أحد الناس أو عائلة وهذه أيضاً من أنواع الكذب المذموم الذي ينبغي أن لا نصل إليه كما يحدث في المسلسلات الكوميدية فينبغي التأبي عن ذلك لأن الله تعالى يحاسب هؤلاء وتوعدهم بعذاب أليم كل من يأت بكذبة ينال بها شرف امرأة أو سمعة رجل وهو يعلم أنه كاذب. والصدق مطلوب في كل عمل، مطلوب في العبادات أن يكون لوجه الله عز وجل والصدق في التعامل مع الآخر أن لا يكون فيه غش، فالصدق في التعامل مع الآخر، في تعامل الدولة مع الشعب، في حديث العلماء، في حديث الساسة، في صومك في صلاتك فإذا مكنك الله سبحانه وتعالى من أن تكون صادقاً وكان الصدق ديدنك وعوّدت لسانك عليه وعودت عملك عليه فلا تعمل إلا لوجه الله عز وجل ولا تعمل إلا وأنت متقن لعلمك بهذا الصدق تكون من السابقين وإذا كنت من السابقين أحبك الله عز وجل أو إذا أحبك الله عز وجل جعلك من السابقين فإذا رأيت صادقاً اقترب منه فإن الصدق يُتعلم ومن الحسنات التي يقتبسها الواحد عن الآخر هو الصدق يتعلمه الأبناء عن الآباء لذا من الأشياء المكروهة أن يكذب الأبوان على الطفل جاءت امراًة إلى النبي r وكان معها طفل ابتعد قليلاً فقال تعال يا بني أعطك فقال لها r ماذا تريدين أن تعطيه؟ قالت تمرة فقال r أما لو كنت لا تعطيه شيئاً فإنها تكتب عليك كذبة. وهذا يعلم الأطفال الكذب فمن المروءات وأسباب التربية ينبغي أن لا يكذب الآباء على أطفالهم وهذا ما يحدث كثيراً لأمور عدة فعلينا أن نكون حريصين أن نصدق مع أطفالنا فلا نعدهم شيئاً ثم لا نفعل ولا نقول لهم شيئاً ولا نفعله وعلينا أن نعلمهم الصدق وهذه من واجبات الآباء تجاه الأبناء ومن حقوق الأبناء على آبائهم ونسأله تعالى أن يجعلنا من الصادقين.
الحلقة 11: المصلحون بين المتخاصمين
كلنا نعلم ونعرف مدى جرم التهاجر والتصارم في هذا الدين وفي الحديث: إثنان لا ترتفع صلاتهما فوق رأسيهما شبراً أخوان متصارمان وعاقٌ لوالديه" فالتخاصم والتهاجر أن يكون بينك وبين رجل خصومة فهجر أحدكما الآخر بحيث لو التقيتما لا يسلم أحدكما على الآخر، هذان المتصارمان المتقاطعان لا يغفر لهما في كل مواسم المغفرة لا في رمضان ولا في عرفة ولا في أي موطن من مواطن المغفرة يقول الله تعالى دعوهما حتى يصطلحا. فإذا كان الأمر هكذا فكم هذ عبادة عظيمة وجليلة الإصلاح بين المتخاصمين. أنت تعرف أن فلان وفلان متخاصمان ولا يكلم أحدهما الآخر وها نحن في رمضان ولاومضان لا ينفع معه صيام المتخاصمين هذا الصيام ليس له قدرة على أن يغفر الذنب فهو إسقاط فرض فقط وهذه خسارة عظيمة لأن كل واحد منا ينبغي أن يفترض أن هذا آخر رمضان في حياته ولكن الشيطان ركب هذين فلا يصطلحان فكم هو عظيم ذلك الرجل الذي ينبري ويتطوع للإصلاح بينهما بجهده وماله، يعمل لهما وليمة أو يدفع عن أحدهما ما اختلفا عليه أو يفك بأي شكل أسباب الهجر بينهما. هكذا هو إصلاح ذات البين (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) ويقول r "ألا أدلكم على خير من الحج والزكاة والجهاد والصوم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال إصلاح ذات البين". الإسلام أجاز الكذب في هذه الحالة كما في الحديث "من نما بين أخويه فلا شيء عليه أن يقول فلان يمدحك دائماً ويذكرك بخير وهو لم يحدث فهذا جائز فالاصلاح بين المتخاصمين وإصلاح ذات البين من العبادات الجليلة التي يحبها الله عز وجل ويجعل صاحبها من السابقين. إذا كنت كلما وجدت اثنين بادرت للإصلاح بينهما وهذا موجود في كل حي من الأحياء كل قبيلة من القبائل هناك رجل سخي ما إن يجد خلافاً بين اثنين إلا ويبادر في لم الشمل وإزالة القطيعة ويصل ما انقطع بين أهله أو أقرابه أو من يعلم. ولذلك ترى كثيراً من الصالحين في كل العصور يتصيدون هذه الغنائم العظيمة وهذه الكنوز الجديدة من كنوز العبادات حيثما وجدوا خصومة أو إشكالاً أو خلافاً فتحوا بيتهم وجيوبهم لاصلاح ذات البين بين المتخاصمين. لهذا من أراد أن يكون من السابقين عليه أن يكون مصلحاً بين المسلمين المختلفين كما قال تعالى (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم). يقول r ألا أدلكم على شراركم؟ قالوا بلى يا رسول الله قال الذين لا يقيلون عثرة ولا يقبلون عذراً. هذا الحديث يشير إلى حالة موجودة أنك أنت تقوم بالإصلاح بين اثنين أحدهما يوافق والآخر لا يوافق فهذا الذي لا يوافق من شرار الناس، لا ينبغي أن يستبد بك الشيطان فإذا رفع عليك أخوك سماعة التلفون متنصلاً من ذنبه معتذراً إليك طالباً الصلح لكنك لم تلبي ذلك فالله عز وجل يعطيه سبعين رحمة ولا يعطيك شيئاً فإذا كان هو السابق في طلب الصلح وأجبته أنت قسم الله بينكما السبعين رحمة واحدة لك و69 له لأنه هو المبادِر. فمن القبائح التي يبغضها الله ورسوله أن يأتيك أخوك متنصلاً وأنت لا تقبل عذره حكم عليك رسول الله r أنك من شرار الناس. نقول لكل متخاصمين أنكما إذا لم تتصالحا وتزيلا هذا الجفاء الآن فلا صوم لكما رغم أنف عبد أدرك رمضان ولم يغفر له ضيعت على نفسك فرصة جليلة وما من باب أوسع من أن تدخل الجنة من باب الصائمين واحتسب أن رمضان هذا آخر رمضان في حياتك فأي خسارة عظيمة أنك فوّت هذه الفرصة. هكذا هو الأمر بالنسبة لرمضان وعلى كل متخاصمين أن يعلما أن الخصام هذا مُبطل لآثار رمضان كلها من حيث المغفرة "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة لا أقول حالقة الشعر إنما حالقة الدين". من أجل هذا فلا دين للمتهاجرين فيما عدا ثلاثة أيام، الله تعالى أعطانا ثلاثة أيام ننفس فيها عن خواطرنا، اعتديت عليك شتمتك، أعطاك رب العالمين ثلاثة أيام تهجرني وتقطعني فتشفي غيظك في هذه الأيام الثلاثة بعدها لا حق لك في ذلك، "لا يهجر المرء أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". فنسأله تعالى أن نصلح ذات البين بين المسلمين وكلما سمعنا بخلاف بين اثنين قمنا بذلك وعندما نقول تكون من السابقين لا نعني أنك تفعل هذا مرة واحدى هذا فيه أجر عظيم ولكن لكي تكون من السابقين يجب أن يكون هذا ديدنك تعرف أنك رجل سباق تصلح بين المتخاصمين حيثما سمعت أن هناك خلاف أو صرام أو هجر بين اثنين بادرت بإصلاحه، هذا الذي يعرف به ويصبح هذا العمل ديدنه وهذه العبادة عادته فهذا يكون من السابقين الذين يحبهم الله عز وجل ويبوئهم من الجنة غرفاً
الحلقة 12: المتحابون في الله
تحدثنا في الحلقة السابقة عن مدى الفضل العظيم في عملية إصلاح ذات البين كما بيّنا مدى السخط والقبح في التهاجر والتصارم والزعل بحيث لا يُسلِّم أحد المتهاجرين على الآخر. هذا يجعلنا نتحدث عن المحبة في الله وهو الإتجاه الآخر، فإذا كان التصارم بذلك القبح فإن المحبة في الله بهذا الجمال (وجبت محبتي للمتحابين فيّ) (المتحابون في الله على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين) (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم اثنان تحابا في الله وافترقا عليه). المحبة في الله تجعل أصحابها من السابقين لأن الله عز وجل يحب هذه العبادة حباً عظيماً فقال (وجبت محبتي للمتحابين فيّ) التحابب في الله أن لا يكون لك أي حاجة دنيوية تجعلك تحب فلاناً وإنما لا تحبه إلا لله عز وجل وهذا يكون قليلاً فالناس يتحابون للفضل بينهم أعطاك أو أكرمك أو منحك أو مدحك المطلوب هنا أن تحب فلاناً لا لشيء إلا لوجه الله عز وجل أنت تعتقد أنه إنسان طيب ويعبد الله عز وجل وأنت تحبه لذلك ليس لك عنده أي حاجة أو طلب. المحبة في الله لا تأتي أولاً وإنما يأتي أولاً الاقتراب من الآخر وهذا يعني أنك تبدأ بعبادة السلام فالمحبة في الله عبادات متداخلة في بعضها، البداية بالسلام والسلام في حد ذاته عبادة عظيم تأمل إذا التقى مسلمان فسلم أحدهما على الآخر تتحات ذنوبهما كمت يتحات الأوراق من الغصن اليابس أي لا يبقى عليهما ذنب لا يفترقان إلا عفر لهما إذا تصافحا وابتسم كل منهما للآخر ولهذا جعل الله تعالى السلام آية عظيمة (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) قضية خطيرة فما عليك إلا أن تقول السلام عليكم. ولهذا أحد الصالحين استهون ذلك قال أبتحيةٍ يغفر لهما؟ فقال له العالِم الآخر ألم تعلم إلى قوله تعالى (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلبوهم ولكن الله ألف بينهم)؟ فعلمت أن هذا الرجل عالم جليل. فعلاً أن تقول لصاحبك السلام عليكم فهذه خطوة كبيرة أن الله قد ألق بيم قلوبكما ونحن نعرف أنه الآن السلام على المعرفة (لا تقوم الساعة حتى ) وفي الإسلام الأدب أن تسلم على من تعرف ومن لم تعرف كل من تلاقيه في الشارع أو في السوق تسلم عليه، بل الآن حتى الذي يعرفك لا يسلم عليك لسخف فكري أو طائفي يعتقد أنك كافر أو مشرك أو ما شابه ذلك. من أجل ذلك التحية والسلام عبادة جميلة إذا قال أحدكم السلام عليكم عشر حسنات، إذا قال السلام عليكم ورحمة الله هذه عشرون حسنة وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه ثلاثون حسنة تأمل لو اتبعت سنن الإسلام وسلمت على من تعرف ومن لم تعرف فتأمل كم من الحسنات ستحصد في اليوم؟. وفي القرآن الكريم ورد السلام فر مواطن كثيرة (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) (فقل سلام عليكم) (وتحيتهم فيها سلام) حوالي ثلاثين مرة تحيات رب العالمين أو تحيات المؤمنين بعضهم لبعض. وبعد تحية السلام تأتي التزاور وهو داخل في نفس المنظومة (وجبت محبتي للمتزاورين فيّ) وتحدثنا عن الأجر العظيم الذي ينصب عليك إذا زرت أحداً في ناحية المصر لا تزوره إلا لله. إذن المحبة في الله والمحبة لله والمحبة بالله كل هذا يستدعي عبادات جميلة تنضم إليها فتكون المنظومة مجموعة عبادات جليلة بعضها يشد عضد البعض الآخر من أجل هذا كان المتحابون في الله عن يمين الرحمن يوم القيامة وكلتا يديه يمين. وهذه من عظمة هذا الدين وسماحة الله عو وجل وفي الحديث: ما فرح أصحاب رسوال الله r كما فرحوا بقول المصطفى إن الرجل ليحب القوم لا يلحقهم بعمل فيُحشر معهم بحبّه لهم. أنت قد تحب الصحابة والعلماء والأنصار والمهاجرين لكن عملك لا يصل إلى عملهم فأنت تبعث معهم بنفس درجتهم يوم القيامة لشدة حبك لهم. ففرح الصحابة الكرام بهذا الحديث حيث وجدوا فيه سعة من سعة هذا الدين الذي كله من سعة الله عز وجل. هكذا هي المحبة في الله التي تأتي بعد التحية والسلام والتي تدور كلها في نطاق أن يبقى المسلمين متحابين متآلفين غير متخاصمين فيضمنان بذلك الرحمة التي تنزل عليهم في مواسمها وأن لا يحرموا من هذه الرحمة لأن بينهم المتهاجرون والمتخاصمون الذي شاع في هذا الزمان والعياذ بالله. ولهذا لا بد من أن يكون قلبك سليماً حتى تفوز بما ينبغي أن تفوز به. والقلب السليم ينبغي أن تحب الناس جميعاً وأن تتألف الخطائين وأن تحب هؤلاء جميعاً ويكفي أنهم من عباد الله وأنهم موحدون فعليك أن تكون بهم رفيقاً رحيماً (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). فعلينا أن نكثر من المحبة في الله ولكل نفعل ذلك لا بد من أن نكثر السلام وأن نشيعه (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال أفشوا السلام بينكم) وأول ما وعظ به r في المدينة عندما جاءها مهاجراً قال (أفشوا السلام وصِلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام) فبدأ بافشوا السلام فإفشاء السلام هي البداية الصحيحة لهذه المنظومة وأسأله تعالى أن يحشرنا مع الذين نحبهم من الصالحين.
الحلقة 13: الرفقاء
قال r "إذا أحب الله عبداً أعطاه الرفق فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" ولهذا قال لنبيين عظيمين أرسلهما إلى فرعون الذي يقول أنا ربكم الأعلى (فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى) هل هناك رفق في الدنيا أعظم من هذا الرفق من ملك الملوك؟. رجل بلغ به الطغيان أن يقول أنا ربكم الأعلى وما علمت لكم من إله غيري ومع هذا يقول الله تعالى لنبيين مرسلين قولا له قولاً ليناً. إذا أحب الله عبداً أعطاه الرفق. إذن الرفيق الهين اللين وهذه مجامع الأخلاق كما قال r أخلاق المؤمن إذا كان الرجل بذلك وعلى هذه الشاكلة فإن الله يحبه وإذا أحبه يكون من السابقين، جميع السابقين هم الذين يحبهم الله عز وجل وجميع الذين يحبهم الله عز وجل هم من السابقين. هناك أب من الآباء إذا عاد إلى البيت من عمله دبّ الرعب في البيت وارتجفت أوصال الزوجة وذهب الأولاد بعيداً عنه وما دام هو في البيت فالبيت يشوبه صمت ثقيل والويل لمن يخطئ خطأ إنسانياً كأن يكسر إناء أو يريق كأساً حتى إذا خرج هذا الأب من بيته تنفس الجميع الصعداء، إن الله يبغض هذا الرجل، علامة حب الله لك حب أبنائك وزوجتك لك فإذا أحبك أبناؤك وزوجتك وأهلك لدماثة خلقك فإن الله يحبك. وهناك أب من الآباء ينتظر أبناءه عودته بفارغ الصبر. هناك ملك أو رئيس دولة أذاق شعبه الهوان قتلاً واعتقالاً ونفياً وإعداماً والويل لمن يقول كلمة أو نكتة أو يخالف مخالفة بسيطة لا يعرف أحد أين مصيره هذا ملك أو حاكم يبغضه الله عز وجل وهناك ملك أو رئيس يحبه شعبه لشدة إكرامهم لهم ورفقهم برعيتهم ويتخيرون كل مناسبة ليسعدوا شعبهم يعفون عن المقصر ويكافئون المحسن أبوابهم مفتوحة إن الله يحب ملكاً كهذا. كما قال r اللهم من وليَ من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم اللهم فاشقق عليه ومن وليَ من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم اللهم فارفق به". وهناك شيخ يدعو الناس للإسلام يتخير كل عسير في هذا الدين يقضي وقته يبحث عن أشد الأحكام صعوبة ووعورة إن الله تعالى يبغض هذا الداعية ورجل ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما كما كان الرسول r. رجل أعرابي بال في مسجد رسول الله r والرسول جالس وأصحابه فابتدره نفر من الناس فنهرهم النبي وقال لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه بولته وأمر بإراقة سجل من الماء وانتهى الأمر وقال إنما بعثتم ميسرين (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لنفضوا من حولك) رجل سمحٌ إذا باع سمحٌ إذا اشترى، سمحٌ إذا قضى سمحٌ إذا اقتضى لا يُعنّف المدين هكذا إن الله يحب الرفق في الأمر كله حتى في تعاملك مع الحيوان. لو قرأتم كيف كان r يغضب إذا عامل أحدهم حيواناً بعنف "إن الله يحب الرفق في الأمر كله ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف". من أجل ذلك ما خُير r بين أمرين إلا اختار أيسرهما فمن أراد أن يكون من أحباب الله عز وجل يحبه الله وبهذا الحب يكون من السابقين عليه أن يكون رفيقاً مع كل شيء مع أهله، مع الحيوان وخاصة مع الخطائين والمذنبين فإذا كان المسلم رفيقاً بالمملوك والخادم إذا أخطأ أحد من الناس عذره فهذا رجل يحبه الله تعالى. كان لجعفر الصادق خادم قدم له طعامه فعثر الخادم من هيبة جعفر الصادق فقال له لا عليك فقال له الخادم قد كظمت غيظك فأين العفو عن الناس؟ فقال جعفر الصادق قال قد عفوت عنه قال الخادم والله يحب المحسنين فقال جعفر الصالدق أنت حرٌ لوجه الله. إذا أردت أن تكون واحداً من هذه الطبقة الراقية (السابقون) عليك أن تدفع الثمن لأنك لو علمت ما أعده الله للسابقين لتوقفت مذهولاً. كل ملوك الأرض لا يملكون شبراً مما أعده الله عز وجل للسابقين فإذا أردت أن تكون واحداً منهم عليك أن تدفع الثمن والثمن ليس مالاً وإنما خلق وسلوك هذا مطلب عظيم والله تعالى قال (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). على من يسمعنا الآن أن يعلم نفسه أن يكون رفيقاً في كل شيء وقد يكون صعباً لكنه ليس مستحيلاً وما من شيء مستحيل فطبيعة الدين أن التكاليف فيه ميسرة فإذا أردت أن تكون من السابقين فغيّر من أخلاقك، أن تكون محبوباً من أهلك وجيرانك والحالة الوحيدة التي تكون فيها غليظاً هي عندما تكون ضابطاً في الجيش على الجنود أن يخافوك ويهابوك وفيما عدا هذا فأنت في رفق لأن الله رفيق يحب الرفق.
الحلقة 14: إعادة للحلقة الثانية
الحلقة 15: أصحاب القلوب السليمة
ومن الاسبقين الذي يحبهم الله عز وجل بل من كبار السابقين هم الذين يأتون بسلامة اقلب مع كل متطلباتها (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) ولكي يكون قلبك سليماً لا بد أن تكون يدك سليمة ولكي تكون يدك سليمة لا بد أن يكون لسانك سليماً. القلب السليم باختصار ليس فيه غل لمسلم مهما كانت بينه وبين أحد الناس عداوة (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يقلاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) لا غل لا حسد لا بغضاء قد يكون بيني وبينك مشكلة لكن لا أحقد عليك أو أتمنى لك الشقاء أو أقتلك أو أنتقم منك، لا ولكن قلبي سليم فلا أحقد عليك. الحقد والبغضاء داء وبيل يمنع صاحبهما من المغفرة في كل مواطن المغفرة فلكي تكون من السابقين لا بد أن تكون سليم القلب من كل ما يجعل بينك وبين مسلم حجاباً. وهذا الآن أصبح مفقوداً إلا من رحم ربي شاع الحقد والبغضاء بين المسلمين وهم يصلون في مسجد واحد نعوذ بالله، هذا هو البلاء العظيم. ولكي تكون سليم القلب لا بد أن تكون سليم اليد. عندما تكون سليم القلب فإنك لا يمكن أن تمد يدك بالعداوة على مسلم ولهذا حتى لو مددت يدك لكي تمزح معه مخيفاً له فقد ذهبت منك صفة سلامة القلب والأحاديث في هذا متوفرة أن رجلاً أخذ نعل رجل فأخافه قال لا تخوفوا المسلم فإن مخافة المسلم عذاب يوم القيامة، لعن الله من أشار إلى أخيه بحديدة، لعن الله من أشار إلى أخيه بسيفه غير مغمود ربما يخيفه قليلاً. هذا الذي يجري في العالم الآن من الإخافة بعضهم يخيف بعضاً حاكم ومحكوم، مسلم ومسلم، بين مذهب ومذهب وطائفة وطئافة حالة من اليأس يوم القيامة، من أعان على قتل أخيه ولو بشق كلمة يأتي يوم القيامة مكتوب على جبهته آيس من رحمة الله، إذن هذا الذي يجري في العالم الإسلامي ركام من النار وفي مثل هذا الركام قد يظهر واحد أو إثنان أو عشرة أيديهم نظيفة " فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فضع ثوبك على رأسك يبوء بإثمك وإثمه". لا تكون سليم القلب من السابقين السابقين إلا إذا كنت سليم اليد لا تمد يدك إلى مسلم بأذى ولا تمد يدك إلى متل حرام رشوة أو سرقة أو غلول فيدك سليمة كسلامة قلبك. وإذا كان قلبك سليماً ويدك سليمة فينبغي أن توفر الحلقة الثالثة أن يكون لسانك سليماً. قد تكون سليم القلب لا تحمل حقداً وقد تكون سليم اليد لم تقتل ولم تسرق ولكن لسانك بمزاح أو غير مزاح قد يغتاب، قد يعيب، قد يغمز، قد يلمز، هذا يقدح ويخل بكونك سليم القلب وسليم اليد. من أجل ذلك كانت الغيبة وباء عظيماً فهي سرطان الأعمال، رجل جاء بعمل كثير يوم القيامة صوم وصلاة وحج وكما في الحديث: إن الرجل يأتي بأعامل كالجبال وقد أخذ قسطاً من الليل ثم لا يجد عند الله منها شيئاً فيقول يا رب أين عملي فلان وفلان؟ فيقال أكلتها الغيبة. فإذن سلامة قلبك وهي مرحلة أولى مع سلامة يدك وهي مرحلة ثانية يقتضي لها المرحلة الثالثة سلامة لسانك. لأن عدم سلامة لسانك تنسخ وتحبط عملك كله. من قال لأخيه يا مشرك فقد حار بها أحدهما. رجل من أهل القبلة يقول لا إله إلا الله تقول له يا مشرك، يامبتدع، يا كافر (وهذا يحدث اليوم) بهذا العمل تأتي يوم القيامة وأنت مشرك يحشرك الله مع المشركين. ولهذا الآية تقول (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها) هذا غير الذي قتل نفساً هذا الذي عليه القصاص وانتهى، لكن هذا الذي يقتل مؤمناً ويدّعي أنه مشرك فجزاؤه جهنم خالداً فيها القاتل ذاك حتى لو لم يقتص منه يعذّب على جريمته ثم يخرج لكن الذي يقتل مؤمناً يقول لا إله إلا الله ومن أهل القلبة ولم يرتكب عملاً مما يجيز قتله وهي محدودة النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفرّق للجماعة، إذا لم يفعل هذا ثم تقول أنه مشرك فقد بُعثت يوم القيامة مشركاً. إذن معروف أن سلامة القلب عمل عظيم ولكنها تقتضي جهوداً وصبراً فإذا استطعت أن يكون قلبك خالياً من الحقد والضغينة والبغضاء سهل عليك أن تأتي سليم اليد عن ضرب أو غمز أو لمز وسليم اللسان عن الغيبة والسخرية والنميمة والاتهام بالكفر وما إلى ذلك. حينئذ نقول من السابقين من يكون سليم القلب فإذا كان سليم القلب وسليم اليد وسليم اللسان أحبه الله عز وجل وإذا أحبه الله نظر إليه وإذا نظر إليه فلا يعذبه أبداً، وأولئك هم السابقون السابقون من أجل هذا إذا أردت أن تصل إلى هذه المرتبة العظيمة وهم جلساء الله يوم القيامة في الفردوس الأعلى كما قال r: سلوا الله الفردوس الأعلى فإنها مقصورة الرحمن" وكما قال تعالى (والذين عند ربك) (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) فهم جلساء الله يوم القيامة وناهيك بذلك فخراً تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقلة قليلة من بين هذه الأمة العظيمة هم الذي يتبوأون المكان الخطير وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، تحتاج إلى صبر وإلى جهد وإلى همة عظيمة الذين يدربون أنفسهم ومن رحمة الله أنك تستطيع أن تفعل هذا ولو قبل موتك بعام. إذا استطعت أن تكون هكذا قبل موتك بعام وأنت عشت سبعين عاماً وأنت لست بشيء ثم تاب الله عليك ودربت نفسك وأصبحت سليم القلب وسليم اللسان وسليم اليد بشهر واحد فأنت من السابقين لأن الإنسان يبعث على ما يختم عليه من عمله، آخر أعمالك كيف تكون فإنك هكذا "ومنكم من يكون من أهل النار حتى لا يبقى بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" اللهم اجعلنا من السابقين السابقين ولو بالدعاء.
الحلقة 16: الذين يغضون أبصارهم
من السابقين السابقين الذي يحبهم الله عز وجل وبهذا الحب جعلهم على هذه المرتبة العالية التي هي أعلى مراتب الناس يوم القيامة هم الطبقة العالية الطبقة الراقية الذين ينظر إليهم الناس في الجنة كما تنظرون أنتم اليوم إلى الكوكب الدري هم الذين يغضون أبصارهم من خشية الله. هذه خصيصة تسمى من السهل الممتنع، هي سهلة لكنها ممتنعة عسيرة إن من العبادات ما يكون أداؤها سهلاً ولكن المداومة عليها صعب. تخيل في هذا العصر - وهو موجود على قلة في هذا العصر - شاب منذ أن نشأ وإلى أن كبر ومات لم تقع عينه على امرأة حرام بنظرة محرّمة وإنما كان ديدنه أنه كان يغض البصر (وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) هذه صحيح أنها سهلة ليس فيها جهاد مال ولا جهاد نفس وليس فيها مكابدة ليل ما عليك إلا أن تشيح بوجهك إذا رأيت امرأة أو تنظر إلى الأرض لم يقل أغمضوا أبصاركم ولكن قال غضوا، أنت لا داعي أن تغمض عينيك وإنما انظر إلى الأرض، العملية سهلة لكن أداءها وخاصة في مثل هذا العصر الذي نحن فيه حيث أينما التفت تقع عينك على وجه امرأة. ريما كان هذا في جيل آبائنا إلى جيل أجدادنا إلى جيل النبي r كان سهلاً لأنه ربما لا تقع عينك على امرأة إلا بالشهر مرة ولو وقعت عينك عليها فهي محجبة بشكل كامل. أما اليوم فحيثما ذهبت وأنت داخل إلى المسجد أو خارج من المسجد تقع عينك على امرأة، وما أعظم شاباً دأب على غض بصره لوجه الله عز وجل. هناك من يغض بصره أنفة بعض الرجال فيهم وجاهة واعتزاز وأنفة أن يخطيء ولا شك أن خائنة الأعين فيها نوع من الرخاوة الرجل الكريم لا يفعل هذا أن تمر امرأة فتنظر إليه أو أن تدعى إلى بيت من البيوت ونساؤهم في طريقك وأنت تسارق النظر قد يفعله الكثيرين لكن بعض الناس لا يفعلونه كرامة ومروءة وأنفة لكن نحن نتكلم أن يكون بذلك بناء على أنه حرام، عن أنك تفعله لوجه الله لأن النيات أساس القبول وأساس صحة العمل لكن ما أعظم أن يجتمع أنك لا تنظر إلى المحارم بكرامتك ورفعة نفسك وأنفة مع امتثال لطاعة لله عز وجل " أقيلوا لذوي الهيئات عثراتهم" وذوو الهيئات أصحاب الوجاهات. فإذا استطعت أن تكون في هذا العصر ممن يغضون أبصارهم عن محارم الله فقد قمت بعمل سهل ممتنع ربما لا يفعله في هذا العصر إلا واحد في المليون، فما أعظم أن تكوت أنت الواحد في المليون وكلنا تقع أبصارنا على محرم مرة نغض ومرة لا نغض وأعرف شاباً أقسم أنه لم يقع بصره على امرأة إلى هذا اليوم وقد جاوز السبعين. وهكذا هي سلعة الله غالية، وقليل من عبادي الشكور لكن هذا ليس ممتنعاً وتستطيع أن تكون واحداً منهم من الآن وحتى لو بلغت التسعين ثن تقول يا رب إني تبت إليك من النظر المحرم ومن خائنة الأعين وأعاهدك أني لن أنظر إلى امرأة حرام بعد اليوم ومت عليه فإنك تبعث مع السابقين الذين أحبهم الله عز وجل لأنهم كانوا يغضون أبصارهم عن محارم الله. هذا من نعمة الله عز وجل أعطاكم فرصة "لا يدخل النار إلا شقي" ما عليك إلا أن تتوب الآن مهما بلغ عمرك ولو مت بعده بساعة تبعث مع التوابين وكلنا نعرف قصة الذي قتل المائة ثم نوى أن يتوب ومات قبل أن يصل إلى البلدة التي فيها سيتوب فأدخله الله الجنة وقد قتل مائة رجل وما أحلى أن تبعث يوم القيامة مع الذين يغضون أبصارهم (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ربما تستطيع أن تغض بصرك لكن ينبغي أن لا تكون حزيناً على ذلك بل ينبغي أن تبلغ من شدة ما تغض البصر أن أصبح ذلك ديدنك وأنت سعيد بذلك ونفسك رضيّة وسعيد بهذه العبادة لا يضحك عليك الشيطان فتقول ليتني أنظر إليها، هذه المرأة جميلة وتشعر بحسرة لأنك غضضت بصرك، يجب أن تكون سعيداً بهذه التضحية وهذه العبادة ولهذا كل العبادات هناك فرق بين أن تؤديها ونفسك بها طيبة أو نفسك بها خبيثة كما في الحديث الأولياء هم المصلّون والذين يؤدون زكاتهم طيبة بها نفوسهم. لا أن يدفع الزكاة وهو حزين أن ماله قلّ. هذه مرتبة عظيمة إذا وفق الله واحداً من السامعين من هذه الدقيقة فصار من الذين يغضون أبصارهم من خشية الله وأفلح في ذلك إلى أن يمون فسوف نكون سعداء معه لأنه قد يشفع لنا لأنه سيكون من السابقين السابقين أولئك المقربون. فأسأله تعالى أن يعيننا على غض البصر لوجهه تعالى وأن ينظف قلوبنا من هذا الدرن الذي هو فيها وبحب هؤلاء نكون من السابقين وأسأله تعالى أن يشملنا بعفوه وأن يتجاوز عن خطايانا ويغفر لنا ذنوبنا ما تقدم منها وما تأخر وأن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
الحلقة 17: الذين يكرمون المنكسرة قلوبهم
مِنَ الذين يحبهم الله عز وجل هم الذين يُكرِمون المنكسرة قلوبهم. إن من عباد الله من تكون قلوبهم منكسرة، المرأة المريض، الخادم، المسكين، الأرملة، الأسير، الفقير ذي العيال، إن الله مع هؤلاء "أنا مع المنكسرة قلوبهم" فما أعظم أن تكون رفيقاً رحيماً بهؤلاء المنكسرة قلوبهم فتكون جليس الله عز وجل ما قال تعالى المنكسرة قلوبهم معي وإنما قال أنا مع المنكسرة قلوبهم. اختبر نفسك هل عندك خادم؟ هل في عائلتك أرملة أو مسكين فقير؟ هل عندك يتيم من أهلك أو من غير أهلك؟ سيدنا علي ابن أبي طالب رضي الله له من المكارم ما لا يحصى علم وشجاعة وجهاد وفتح ويكفي أنه رأس آل بيت رسول الله وأنتم تعلمون قيمة ومقام آل بيت النبي r أُمرنا أن نصلي عليهم ونحن في الصلاة ولكن الله عز وجل عندما امتدحه فعل كما فعل مع النبي r فعندما أراد الله تعالى أن يمتدح الرسول r وأنتم تعلمون أن مزايا المصطفى r لا تعد ولا تحصى امتدحه بقول " وإنك لعلى خلق عظيم" ومن خلقه الرأفة والرحمة والعطاء والسخاء وحب المساكين وإكرام الضعفاء وتعلمون من شمائله ما هو مما لا يحصى وهكذا عندما الله تعالى علياً رضي الله عنه قال " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" هكذا هو كان مع المساكين وكان الله مع المساكين فجلس عليٌ في هذه الآية في المجلس الذي يجلس فيه الله عز وجل مع المنكسرة قلوبهم. إمرأتك منكسرة في بيتك فأنت صاحب الشأن أنت الذي تأمر وتنهى وتعطي وتمنع ما هي معاملتك لها؟ بالإنفاق أو بالتعامل اليومي، عندك خادم كيف تعامله بالضرب والتخويف والتجويع أو بالتكريم والاحترام؟، بل في بيتك كلب وهو حيوان كيف تعامله؟ والحيوان من الضعفاء كيف تعامله؟ والرفق بالحيوان في هذا الدين عجب، رأى النبي r جملاً قد وُسِم وجهه فقال لعن الله من فعل هذا. إذن من العبادات التي تجعلك محبوباً لله لتكون بعد ذلك من السابقين أن تكون مع المنكسرة قلوبهم تتعامل مع كل من لك سلطة عليه وهو لا يملك سلطة عليك جينئذ بهذا تكون من السابقين السابقين. ولهذا من تفقد سجيناً، زار السجن فوجد من هو بحاجة إلى مال أو إيصال رسائلهم وكثير من السجون في العالم الإسلامي فيه من الذة ما تنخلع له القلوب إلا ما رحم ربي كما في هذه الدولة المباركة فالسجون فيها لا تقل عن فنادق خمس نجوم. إذا كنت في مدينة يعاني المسجونون ما يعانون فتوصلت لأن تؤدي خدمة لواحد منهم وكان هذا ديدنك وإذا كنت ممن يكفلون الأيتام وكان هذا شأنك، إذا كنت ممن تعامل امرأتك مع أخطائها معاملة كريمة، إذا كان في مكتبك خدم أو مستشارين أو سكريتاريين كل من هو يأتمر بأمرك وحريص على إرضاك لأن رزقه بين يديك، إذا كنت لا ترد سائلاً، وعدِّد من الضعفاء من تعدد، كل ضعيف يحتاج إلى معونتك ويحتاجها احتياجاً أساسياً ما هو موقفك من الضعفاء؟ إعلم أن لكل عبد من عباد الله صيتاً في الآخرة كما له صيت في الدنيا، في الدنيا هناك صيت هذا عالم وهذا شيخ، حاتم الطائي، عنترة الشجاع وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وأبو بكر الصديق كل له صيت في الدنيا وفي الآخرة لا يتداول بالأسماء وإنما بالصيت كافل الفقراء، مقيم الليل، غاض البصر، حافظ القرآن، كل واحد ينادى عليه بأبرز أعماله التي تجعله من السابقين السابقين والعكس القاتل الفلاني، فلان الظالم، فلان القاتل، فإذا كان صيتك في الملأ الأعلى أنك ناصر الضعفاء، الرحيم بالمنكسرة قلوبهم فقد نجوت نجاة لا نجاة بعدها من حيث أن نجاتك أوصلتك أن تكون من السابقين السابقين لأن الله أحبك كما أحب علياً عندما وصفه من بين شمائله العظيمة أنه (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) وقد بقي هو السيدة فاطمة رضي الله عنها جائعين لأنهم تبرعوا بطعامهم لمسكين ويتتم وأسير لثلاثة أيام وكانوا صائمين. فإذا كان هذا ديدنك حيثما وجدت ضعيفاً نصرته وأكرمته وتجاوزت عن أخطائه فأنت من السابقين السابقين المقربين الذين هم قلة يوم القيامة وأنت من القليل فأسأله تعالى أن يجعلنا وإياكم من القليل وأن نصل إلى حد أن نكون مع المنكسرة قلوبهم نكون واحداً منهم لا نتعالى عليهم ولا نظلمهم وإنما نعاملهم بما يستحقون من إحترام من حيث أنهم ملوك الجنة يوم القيمة " إتخذوا عند المساكين يداً فإنهم دولة يوم القيامة".
الحلقة 18: الذين يميطون الأذى عن الطريق
عبادة أخرى من العبادات الجميلة التي قد ترفعك إلى أن تكون من السابقين لأن الله عز وجل يحبك إذا فعلت ذلك وهو أن تأتي على الفساد فتنهيه (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) والفساد هنا البيئة الخرِبة إن الله تعالى خلق البيئة جميلة، الأنهار والشطآن والجبال والمدن خلقها جميلة عذبة تملأ القلب سعادة ولكن الناس أفسدوها من تلوث وخراب وقطع طرق وسرقة تخوم الأرض وما إلى ذلك. يقول r :" رأيت رجلاً يتقلب في ربض الجنة (وربض الجنة ضاحية من ضواحي الجنة وليست القلب والضواحي تكون عادة للمترفين فيها مساحات واسعة وقصور عظيمة والسكان قلة ومعروفون من علية القوم، يتقلب أي ليس ساكناً فقط وإنما له قصور عديدة، صاحب ثروة، وجيه) بشوكة نحّاها عن طريق المسلمين" كان ماشياً بسيارته في شارع رأى حجراً أو شوكة كبيرة أو شجرة على طريق الناس بحيث تمنع سيرهم وقد تسبب حادثة وهناك ممر ضيق يمر منه السالكون ولم يتوقف أحد ليرفع هذا عن الطريق بينما هذا الرجل أوقف سيارته ورفع هذا الشيء الذي يعيق السير ونحاه عن الطريق، بهذا العمل البسيط تقلّب في ربض الجنة، صحيح أنه عمل بسيط ولكن يحتاج إلى نفس ذات همة عالية. البعض يقول أنا مستعجل وعندي شغل لكن أن تركن سيارتك وترفع الأذى تحتاج إلى نفس صافية تحب الشعب وتحب الدولة وحريص على المواطنة هو مواطن حقيقي والمواطنة هي مسؤولية وأنت في بيتك مسؤول عن أربعين جار يوم القيامة إذا كانوا جائعين أو مرضى أو سجن أو مات أحدهم لا بد أن تقف معهم وهكذا لا بد أن تكون مسؤولاً عن الطريق فأمن الطريق مسؤولية كل مواطن فلو وجد قتيل في الشارع ولم يعرف قاتله فالجميع في المحلة يتهمون بقتله فإذا حلفوا جميعاً أنهم لم يقتلوه ولا يعرفوا من قتله فكلهم يغرمون الدية. أمن المجتمع كل ما يثير القلق عليك أن تساهم فيه والإسلام فيه روح الفريق (إياك نعبد) كل العبادات جماعية لذا لم يقل إياك أعبد وحدي. أن ترفع الأذى عن الطريق عملية سهلة في الظاهر ولكن تقتضي همة عالية وشعور بالمواطنة والمسؤولية فإذا كان رجل من الناس سقى رجلاً عطشاناً غريباً في المدينة شربة الماء هذه تجعله يشفع لك يوم القيامة إذا كان هو في الجنة وأنت في النار لشدة قيمتها عند الله عز وجل. إذا شهد لك سبعة من جيرانك شفعهم الله فيك على ما كان منك لشدة الشعور والمسؤولية والمواطنة يوم القيامة فهذا ليس رفع أذى فقط وإنما برهن على الشعور بالمسؤولية والمواطنة لهذه الأمة التي هي كالجسد الواحد. هكذا هي مسألأة إماطة الأذى عن الطريق، كل أذى رجل سكران تأخذه إلى بيته وتوصله لأهله يصلحوا شأنه لا بد أن ينصلح، سارق أنت مسؤول عنه إذا كنت قريباً منه، مرتشي، في الطريق أوقفك شخص في الطريق لتوصله فإذا كان الطريق آمناً ولم تفعل فقد ارتكبت إثماً عظيماً وما أعظم أن توصله معك لو تعلم ماذا تعني أن تقف لتوصل المنقطع في الطريق لو تعلم ماذا تعني يوم القيامة؟! إماطة الأذى عن الطريق وأن تساعد في كنسه، تساعد في توصيل المياه، كل شيء ينفع الناس وهو قضية مشتركة من مصلحة المجتمع إذا فعلتها فإن الله عز وجل يعلم أنك ما فعلتها إلا لأنك إنسان مطيع كريم طيب وأنك من أصحاب القلوب الرحيمة وأصحاب الشعور بالمسؤولية وهذه هي المواطنة " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" " رأيت رجلاً يتقلب في ربض الجنة بشوكة نحاها عن طريق المسلمين"، قال r: لعن الله من سرق تخوم الأرض ولعن الله من غيّر تخوم الأرض" وتخوم الأرض يعني علامات المرور فإذا غيّرتها فأنت ملعون، واحد احتاج عموداً فسرق علامة الطريق هو ملعون. هكذا هي مسؤولية المواطن تجاه مجتمعه وبيئته من حيث السلوك من حيث المرور ومن حيث إنسيابية المرور مسؤولية عظيمة إذا ساهمت أي مساهمة في انسيابية المرور، في تسهيل المرور، في تنظيف الطريق أي مساهمة من المساهمات الطوعية تترك سيارتك وتفعل ذلك فقد جعلتك من السابقين وأنت في الفردوس الأعلى ويا لها من عبادة عظيمة جميلة وقليل من يفعلها وصدق الله تعالى (وقليل من عبادي الشكور) أسأله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هذا القليل.
الحلقة 19: أصحاب الخُلُق الحسن
لا نزال نبحث عن عبادة تُلحِقنا بالصالحين السابقين السابقين وهذه الأعمال منها ما هو يسير إلى حد ما ومنها ما هو عسير إلى حد ما ومنها ما هو بينهما وكل عسير ييسره الله عز وجل لمن شاء. ومن أعظم الأعمال التي تجعلك من السابقين السابقين ويحبك الله حباً عظيماً ويجعلك في مصاف النبيين والصديقن والشهداء والصالحين هو حسن الخُلُق والرسول r على كثرة شمائله التي لا تحصى والذي رفع له ذكره وقال إنك بأعيننا ومع ذلك رب العالمين ومهما عرفنا من شمائله فهي قليلة مع ذلك وصفه رب العالمين بحسن الخلق فقال (وإنك لعلى خلق عظيم) (فبما رحمة من الله لنت لهم) هذا حسن خلق (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) وهذا حسن خلق. فكل مدح الله عز وجل لخاتم المرسلين وسيد الخلق مدحه بحسن خلقه (وإنك لعلى خلق عظيم). من أجل هذا يقول r "أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً" " إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر ودرجة المجاهد الذي لا يتوقف وإنه لضعيف العبادة" عبادته ضعفية بالكاد يقوم بالفروض وليس بشكل جيد ومع هذا لأنه حسن الخلق يبلغ درجة الصائمين القائمين المجاهدين بحسن خلقه لأن حسن الخلق خلق الله الأعظم فالله رب العالمين عز وجل له خلق عظيم فيحب أصحاب الأخلاق العظيمة، الله تعالى سخي يحب الأسخياء وحليم يحب الحلماء (فقولا له قولاً ليناً) (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم ) والله تعالى سوف يحاسب الناس حساباً ويرحمهم رحمة يتطاول لها إبليس لشدة حِلمه والله يظهر الجميل ويستر القبيح (ويعفو عن كثير) والله عز وجل يعطي الكثير على القليل (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وقد يكون 15 مثل أو 25 أو 700 وهناك أعمال لا يعلم مضاعفاتها إلا الله عز وجل كالصوم (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) كيف يجزي ملك الملوك؟! فتأمل حسن خلق الله فلأنه تعالى بهذا الكرم يحب الكرماء. وإن الله عفو غفور يغفر ذنوب مائة سنة بكلمة أستغفر الله وأتوب إليه صادقاً فإذا مات عليها قبله الله عز وجل ولهذا قال (والكاظيمن الغيظ والعافين عن الناس) ولهذا إن الله تعالى يعطي عطاء عجيباً في كل حالات العطاء فقال (الذين ينفقون في السراء والضراء) كل خلق من أخلاق الله الحسنة وكل أخلاقه حسنة يطلب من عباده أن يفعلوا مثلها فإذا فعل العبد مثل أخلاق الله عز وجل أحبه الله سبحانه وتعالى وتأمل في كتاب الله وسنة رسوله كيف أن لله خلقاً حسناً فإذا كانت أخلاقك حسنة تعفو عمن يسيء إليك تعطي من حرمك، تصل من قطعك أن تحسن لهؤلاء جميعاً لا تلوم الناس وتستر على عيوبهم تقبل الاعتذار وأنت تعصي الله مائة عام ثم باستغفار واحد تعتذر إليه فيقبل عذرك كهذا الذي قتل مائة نفس "ومنكم من يعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" أي كرم هذا وأي سعة في العطاء هذا؟! ومن أسماء الله الواسع وعدد ما تشاء من صفات الله برحمته بعبادة وفي تعامله معه فإذا كنت من أصحاب حسن الخلق لسانك عفٌ تستر على أصحاب العيوب، تغفر لمن يسيء إليك ولا ترد سائلاً والله تعالى لا يرد سائلاً (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) فإذا كانت أخلاقك من أخلاق الله عز وجل كما كان r لما سئلت السيدة عائشة عن خلق الرسول r قالت كان خلقه القرآن. كيف هي أخلاق الله عز وجل فإنها أخلاق رسول الله r فما عليك إلا أن تتبع أمهات الأخلاق الحسنة التي اتصف بها الله تعالى والتي اتصف بها رسوله وقد تنجح وربما تعرف واحداً من إخواننا أو أهلنا أو جيراننا أو واحد من الحي بدماثة خلقه ولطفه وأدبه وتيسيره على الناس يعفو عن مخطئهم ويقف في كل مناسبة تجده واقفاً في عرس أو موت أو مرض ورب العالمين هكذا حيثما وجدته تجده. فإذا كنت من أصحاب الأخلاق الحسنة فاعم أنك من كبار السابقين وليس من السابقين فقط والسابقين درجات كما أن الرسل والنبيين درجات (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) فإذا كان النبييون متفاوتين فالسابقون أيضاً متفاوتين فإذا كنت من أصحاب الأخلاق الرفيعة والأخلاق الحسنة من رفق وعطاء وتجاوز وسماحة فكنت بذلك محبوباً للناس وأحبك الناس فقد لقيت الله عز وجل وأنت على خلق حسن وأصحاب الأخلاق الحسنة هم جيران رسول الله r في الجنة. هكذا هي قضية الأخلاق الحسنة وما عليك إلا أن تتبعها في كتاب الله وسنة رسوله r وهي من السجايا ولا يستطيع كل إنسان أن يفعل ذلك وهناك أناس خلقهم الله بنفس طيبة سهلة يحبهم الله عز وجل فييسر لهم أن يكونوا من أصحاب الأخلاق الحسنة فإذا فعلوا ذلك كانوا من جيران النبي r في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
الحلقة 20: المرأة التي تجلس على عيالها الأيتام
كلنا نعلم كم هو فضل كفالة اليتيم ويتحدث الوعاظ والدعاة كثيراً عن كفالة اليتيم ويجتهد الناس في أن يكفلوا يتيماً وتجتهد الحكومات والدول في أن تفتح بيوتاً لكفالة الأيتام. واليتيم هو من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره ولكننا لم نسأل ولم نتساءل عن أم هذا اليتيم، ما شأنها؟ اليتيم الذي مات أبوه وترك أمه وحيدة مع هذا الطفل أو مجموعة من الأيتام، يتحدث الناس عن اليتيم ولكن الذين يتحدثون عن أمّ هذا اليتيم قليلون مع أن هذه الأم ممن يحبها الله ورسوله. يقول r: أنا أول من يفتح باب الجنة وأول من يقعقعها فأرى نسوة يبتدرنني (أي أرى بعض النسوة يدخلن قبلي هذا أمر يثير الاستغراب أن مجموعة من النسوة يبتدرن النبي r في دخول الجنة أي أنهن يدخلن الجنة قبله على مرأى منه r) فيقول لهن r: ما شأنكن أنتن حتى تدخلن قبلي وأنا أول من يقعقع باب الجنة وأول من يدخلها، هل أنتن مجاهدات، هل أنتن ناسكات؟ أو هل أنتن نوع من السابقين سبقاً يصل بكن إلى أن تدخلن الجنة قبلي؟ فيجبن رسول الله r نحن نساء تأيّمنا وجلسنا على أولادنا. إمرأة شابة مع زوج حبيب وهم في سعة من الدنيا يجمعهما الوفاق ولم الشمل والسعادة في بيت طيب يرفرف عليه كل أنواع المودة والمحبة وقد منّ الله عليهم بخيره وبركاته ورزقه وفجأة يموت الأب فيصبح الصباح وإذا بهذه الأم وحيدة في الدنيا مع يتيم أو أيتام، تأمل حالة هذه الأم! فقر بعد غنى ووحشة بعد أنس وخوف بعد أمن، هذه الأم وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام هذه الوحشة ووأمام هذه الغربة وأمام هذه المسؤولية التي لا تجد سبباً لأن تقوم بها فقد ذهب المعيل والأب والوليّ والزوج الرحيم وترك هذه السفينة تلعب بها الأمواج. ويشاء الله عز وجل بعد انتهاء العدة أو بعد سنوات من موت الزوج أن يأتي خاطب وهذا يحدث كثيراً وفي غالب الأحيان توافق المرأة على أن تتزوج بزوج آخر ترجو من ورائه إحصانها وحفظها وتربية أولادها وهذا شيء حسن مع علمها بأن هذا الرجل لن يكون كأب الأيتام في حنانه ولطفه فإذا فعلت المرأة ذلك وتزوجت بآخر فلها ذلك وعلى مسؤوليتها ولعل الله تعالى يسعدها مع هذا الزوج الجيدي. ولكن ماذا لو أن هذه الأم من خوفها على أيتامها وحذرها من زوج لا تدري ماذا سيكون موقفه من هؤلاء الأيتام فترفض هذا الزواج وترفض هذا الطلب وهذا العرض حذراً من أن يكون هذا الزوج قاسياً على أولادها الأيتام أو قد يتبرم بهم وقد يلزمها بالتخلي عنهم فترفض هذا الزوج وهي في أشد الحاجة إليه وما من امرأة تستغني عن زوج كما أنه ما من رجل يستغني عن زوجة. فتأمل مدى هذه التضحية وتأمل نوعية هذه الأمومة كيف أن امرأة في مقتبل شبابها تُخطَب وهي أشد ما تكون حاجة إلى هذه الخطبة ولكنها ترفضها لأجل تربية أولادها جلست على أولادها إلى أن يكبروا ويتعلموا ويتزوجوا وينصرف كل واحد إلى شأنه وهذه سنة الحياة ينصرف كل واحد منهم في حياته مع زوجته أو زوجه وتبقى الأم وحيدة بقية عمرها وهي تعلم ذلك عندما رفضت هذا الزواج ورفضت هذا الخاطب تعلم أنها ستحافظ على أولادها لكنها ستعيش وحيدة بقية عمرها. كيف يثمِّن الله تعالى هذه التضحية العظيمة؟ هذه التضحية العظيمة يكافئ الله تعالى بها هذه المرأة بأنها تدخل الجنة قبل رسول الله r "أنا أول من يقعقع باب الجنة وأول من يدخلها فأرى نسوة يبتدرنني (أي يدخلن قبلي) ويتبين أن هؤلاء النسوة كل ما فعلنه أنهن ضحين بحياتهن وسعادتهن من أجل تربية هؤلاء الأيتام ومن أجل ذلك فهناك فرق بين أن تكفل يتيماً وأنت سعيد تعطيه في الشهر مبلغاً من المال وبين أن تهب حياتك كلها له، تنسلخ عن حياتك هذا شأن هذه الأم التي مات زوجها فوهبت حياتها كاملاً لأولادها مع أنها خُطِبت فرفضت أن تتزوج هذه من النساء اللواتي أحبهن الله عز وجل وجعلهن من السابقات السابقات ولهن مثل ما للسابقين السابقين من كرامة يوم القيامة فهنيئاً لمن تأيّمت وجلست على أودلاها ترفض الخطبة وترفض الزواج.
الحلقة 21: الزاهدون في الدنيا
من السابقين السابقين الذين يحبهم الله عز وجل الزاهدون في الدنيا. يقول r: إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء" عندما يكون لديك طفل مريض ويقول لك الطبيب لا تقيه ماء فأنت تحتال عليه حتى لا تسقيه الماء لأن الماء يضره فأنت تحمي هذا السقيم من الماء. فهذا الزاهد في الدنيا رجل يحبه اله عز وجل. جاء رجل إلى رسول الله r فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا فعلته أحبني الله، قال r إزهد في الدنيا يحبك الله" من أحب دنياه أرض بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى. والزاهدون في هذه الدنيا قِلّة ومن علامة الزهد الإقتصاد في المطعم والمسكن والملبس، حسب ابن آدم لقمة تسد جوعته وثوب يستر عورته وإن كان له سقف يظله وإن كان له دابة فبخٍ. معنى هذا أن الذي لك في هذه الدنيا فلا تعتبر مبذراً ولا تعتبر من أهل الدنيا ولا مقبلاً على ملذاتها أن يكون لك ثوب يستر عورتك وتصلي به وأن يكون لك وجبة واحدة في اليوم لأن السرف عندما قال تعالى (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) قالوا يا رسول الله ما السرف؟ قال أن تأكل في اليوم أكثر من مرة وفي المرة أن لا تجمع بين لونين وأن لا ترفع من أمامك مائدة وفيها فضل "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صُلبه"، وإذا كان لك سقف من خشب أو خيمة أو أي شيء يظلك فهذا جيد فإن كان دابة أو سيارة بسيطة فبخٍ أي أصبحت مترفاً، هذا الحد الأعلى للعبد الصالح في الدنيا ما زاد عن ذلك فهو يتنافى عن الزهد فلا تكون زاهداً ولو بحثنا عن هذا النوع من الرجال والنساء لوجدناهم قليلين. إذن هذه الشريحة يحبها الله عز وجل إذا زهدت في الدنيا أحبك الله وهذا شأن الصالحين في الأمة كان أبو بكر رضي الله عنه هكذا لم يعد عنده ما يأكله أو يشربه أو يلبسه إلا أنه تخلل بالعباءة، وسيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كما تعرفون وسيدنا عثمان رضي الله عنه أنفق كل ما عنده، هذه طبقة لا نطمع أن نكون مثلها لكن هناك عباد اليوم على قلتهم والله تعالى يقول (وقليل من عبادي الشكور) لا تزال موجودة وهم أولياء الله عز وجل الذين قال فيهم (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) هؤلاء الذين تسد بهم الثغور. إذن فالزهد في الدنيا يقربك من الله عز وجل حتى يحبك فإذا أردت أن تكون محبوباً من الله عز وجل فاقتصد في مطعمك ومشربك وملبسك وتخلى عن ملذات الدنيا وكمالياتها ورفاهيتها، أنت لست ملزماً بذلك ولكن إذا أردت أن تكون محبوباً من الله فهذا هو الطريق ولهذا يقول r: رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره" في كل عصر من العصور هناك رجل لا يأبه به الناس ن حضر لا يعد وإن غاب لا يُفقد ملابسه قديمة شعره أشعث إذا شفع لا يُشفّع هذا العبد البسيط الذي لا يلفت الأنظار عند الله وزنه كوزن السموات والأرض وتاريخنا مليء بهذه الأقمار التي كان بها صلاح الدنيا وصلاح الدين. يقول r: ما تزيّن الأبرار لربهم في هذه الدنيا بأعظم من الزهادة في الدين" ويقول r: " إن الدنيا حلوة خضرة وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتوقا الدنيا واتقوا النساء" الدني أي المال (وتحبون المال حباً جماً) (وإنه لحب الخير لشديد) هذه غريزة من غرائز البشر ولكن من عباد الله من لا يستسلم لغرائزه هذه وإنما يدع ما عند الناس لما عند الله عز وجل آثروا ما يبقى على ما يفنى. قال r من صبر على القوت الشديد صبراً جميلاً أسكنه الله من الفردوس حيث يشاء. والقوت الشديد خبر بلا إدام وشربة ماء وأنت تعلمون أن النبي r يمر اليوم واليومان وهذا قوته، أعطته السيدة فاطمة رضي الله عنها كسرة خبر فأكلها وقال يا بنيتي ما دخل في جوف أبيك طعام منذ ثلاث. وكان الصحابة الكرام يفطرون على تمرة والكلام في هذا يطول. هذا ليس ملزماً لك إذا أردت أن تتنعم بالدنيا الحلال فلا بأس ولكننا نتحدث عن محبوب من محبوبي الله من ملوك الجنة لأن الله تعالى يحبه ولما أحبه جعله من السابقين ولما جعله من السابقين كان واحداً من ملوك الجنة "آثروا ما يبقى على ما يفنى"، " من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى".
الحلقة 22:
عبدٌ آخر من عباد الله عز وجل أحبه تعالى فلما أحبّه جعله من السابقين فلما جعله من السابقين كان ملكاً من ملوك الجنة بعمل سهل ميسور لكن الله يحبه وقد ذكر في كتابه أنه يحبه (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وفي آية أخرى قال (ويحب المطهرين) اي أنه يحب المتطهرين ويحب المطهرين وتحدثنا سابقاً عن محبة الله للتوابين. الطهارة نوعان طهارة البدن بشكل لا يترتب عليها عبادة، أنت جسمك نظيف ثوبك نظيف، إذا اتسخت اغتسلت فأنت دائماً نظيف والنظافة من الإيمان فأنت تتنظف للنظافة وتتطهر للطهور نفسه وهناك تطهر وتطهير يترتب عليه عبادة وهي الوضوء للصلاة والغُسل للجنابة فهاتان الحالتان اللتان يتطهر بهما العبد لكي يؤدي صلاة وعبادة مثل ما يتعلق بالطواف وغيرها وكل اغتسال أو وضوء يترتبت على عباد من العبدات فهذا نوع آخر من التطهر والله سبحانه وتعالى يحب النوعين من الطهور. ما الفرق بين المتطهرين والمطّهرين؟ المتطهرين في ساعة ما تتوضأ عندما تتوضأ فإن الله يحبك وكلنا نعلم ماذا يفعل الوضوء إذا سميت باسم الله ثم تمضمضت ثم استنثرت تتناثر ذنوبك مع هذا الماء حتى لا يبقى عليك ذنب وهناك أحاديث كثيرة في الوضوء إذا توضأت ثم صليت ركعتين لا تحدث نفسك بهما غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فساعة ما تتوضأ إن الله يحب المتطهرين فالله يحبك كلما اغتسلت للجنابة لكي تصلي أو تطوف وكذلك إذا توضأت، إن الله يحب المتطهرين ساعة التطهر. إن الله يحب المطّهرين إذا حافظت على الوضوء من ساعة ما تستيقظ إلى ساعة تنام أنت متوضيء وكلما أحدثت توضأت. يقول r: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، من علامة الإيمان الحق أنك متوضئ طيلة النهار ولو تعوّد العبد على ذلك فحرِص على أن يكون متوضأ من ساعة ما يستيقظ لصلاة الصبح إلى ساعة أن ينام لعلم كم أن هذه العبادة مؤثرة في العلاقة بينه وبين الله من حيث أنها تجعل لكل عبادة من العبادات طعمها ولذتها في قلبك، ما من أحد يدمن على الوضوء إلا تلذذ بالعبادات تلذذاً لا يجده من توضأ للصلاة ثم إذا أحدث لا يعود للوضوء. ولذلك لما دخل النبي r الجنة لاحظ أن بلال سبقه إليها وسمع خشخشة نعاله، فقال بم سبقتني؟ قال لا شيء، قال لا بد أن لك عبادة جعلتك تسبقني إلى الجنة قال ما عني شيء إلا أنني كلما أحدثت توضأت، قال هو ذاك، لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن. من أجل هذا كان دأب الصالحين أنهم يحافظون على الوضوء والرسول r كان إذا سلم عليه أحد الناس وكان غير متوضيء لا يرد السلام حتى يتوضأ من حيث أن دوامه على الوضوء جعله لا يقوم بأي عبادة إلا وهو متوضئ ورد السلام عبادة والطعام عبادة لا يستمرئ الطعام والشراب إلا إذا كان متوضأ إن الله يحب المطهرين ويحب المتطهرين، فمن حافظ على الوضوء طيلة اليوم هو أحد المؤمنين الصادقين الذين يحبهم الله ويجعلهم من السابقين والحمد لله الآن كثير متوفر وميسر في كل مكان وصار الحفاظ على الوضوء سهلاً لأن الأمور ميسرة في كل جانب وفي كل مكان. فإذا أردت أن تكون من السابقين فهذه عبادة عظيمة سهلة لو تعودت عليها أسبوعاً أو اسبوعين فإنك لا تستطيع أن تتركها لشدة جمالها واثرها في نفسك. فاحرص على أن تكون ذلك يقول r إذا مات العبد على وضوء غفر له، ويقول r: إذا نام العبد متوضأ يبعث الله له في شغاله ملكاً يستغفر له طيلة الليل لمجرد أنك دخلت فراشك وأنت متوضئ يبعث الله في شغالك ما بين جلدك ولحمك ملكاً يستغفر لك طول الليل اللهم اغفر له اللهم ارحمه لأنك بت على طهر لأن الله يحب المطهرين وكان أثر هذا أن بعث الله لك هذه الهدية وهي ملك يستغفر لك طيلة الليل. ويقول r من اعتاد الوضوء قيّد الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه. وهكذا دوام الوضوء علاج عظيم للكآبة فالمتوضئ دائماً عو مبتهج دائماً طيب النفس وإذا كان له هم كان سهلاً، همومه تقل وتعلقه بالله يزيد وتلذذه بالعبادات مضطرد. ونسمع أن كثيراً من الناس يحرصون على أن يتوضأوا من الصباح حتى وقت النوم وكلهم يذكرون أنهم بهذه الراحة النفسية وبهذه البهجة التي يحبها الله ورسوله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين والله يحب المطهرين الذين يستمرون في الطهور كيلة النهار ويقول r: استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" بشهادة رسول الله r من داوم منكم على الطهور طيلة النهار فإن النبي r يشهد له بأنه مؤمن فحافظوا على هذه العبادة لأنها ضمانة ميسرة في عصرنا هذا فاغتنموها.
الحلقة 23: كثير الذكر للموت
حبيب آخر من أحباب الله عز وجل أحب الله فأحبه الله لأن لله رد فعل ومن رد الفعل أنك إذا أحببت الله أحبك الله (نسوا الله فنسيهم) (فاذكروني أذكركم) (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). حبيب الله في هذه الحلقة رجل كثير الذكر للموت لأنه يحب لقاء الله عز وجل. هذا الحبيب ينتظر الموت شغفاً بلقاء الله عز وجل حيث جاء في الحديث "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه". وأنت لا تحب لقاء الله في هذه الحالة إلا إذا كنت مستعداً. قالوا يا رسول الله من أكيس الناس؟ قال أكيس الناس أكثرهم ذكراً للموت. من أجل هذا إذا وجدت رجلاً يتحدث عن الموت وكأنه ذاهب إلى نزهة جميلة أو سفرة ممتعة فاعلم أنه حبيب من أحباب الله عز وجل وإنه سيجد عند الله كرامة عظيمة. يقول r: بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا" إذن الموت ليس شراً وإنما هو حتمية لا بد منها فما عليك إلا أن تستعد لها فإذا أحببت لقاء الله عز وجل فخذا يعني أنك ستجوِّد عملك ولن تقتصر على الواجبات وإنما يكون أغلب عملك بالنوافل " لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه"، ويجعلك تتخفف من التزامات هذه الدنيا وترفها وملذاتها ويجعلك قريباً من الناس لأن قلبك يكون نظيفاً لا يكره أحداً من حيث أننا جميعاً سنموت وجميعاً سنكون معرّضون للسؤال وكلنا متساوون في الحشر يوم القيامة. حب الموت عبادة جليلة " أكثروا من ذكر هادم اللذات" وهادم اللذات هو الموت. جلس أصحاب رسول الله r يمتدحون رجلاً قد مات ويعددون خصاله وعباداته فلما سكتوا قال r كيف كان ذكر صاحبكم للموت؟ قالوا لم نسمعه يذكر الموت، قال r ليس صاحبكم هناك. يعني ليس صاحبكم بالشكل الذي تمتدحونه، هذا المدح كان صحيحاً لو أنه كان يذكر الموت كثيراً فالموت لا يذكره إلا الصالحون ومن علامة الصلاح أن تذكر الموت دائماً إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وعُدّ نفسك في الموتى. الفتن يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا، وهذا ما يجري الآن يصبح الرجل مؤمناً فينخرط في طائفية أو حزبية فيقتل بها المسلمين ويكفِّرهم ويبطش بهم وينظر إليهم على أنهم مشركون ويفجرهم ويفجر أسواقهم ظاناً أنه بذلك يرضي الله عز وجل ولا يعلم أنه يمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية. إذن عليك أن يكون ذكر الموت أمامك وذكر الموت عصمة من الذنوب وتجويد للعمل ويهون عليك مصائب الدنيا لأن ذكر الموت ما يذكر على ضيق إلا وسّعه ولا على واسع إلا ضيّقه فذكر الموت دأب الصالحين لأنهم يذكرون حبيبهم والموت عندهم عودة إلى الأهل والوطن، الدنيا ليست وطناً لهم وإنما وطنهم ما بعد الموت فإذا كنت ممن يذكرون الموت بكثرة نسبية صباحاً مساءً على الفقر على الغنى على اللذة على التعب والحزن وعلى المرض والسرور فإنك من الصالحين بشهادة الرسول r زبالتالي فإن الله يحبك لأن أحببت لقاءه. فذكر الموت دأب الصالحين يقول r: من كان منكم مستحياً من الله فلا يبيتنّ ليلة إلا وأج لُه بين عينيه" إذا تعود على هذا صار للدنيا قدر ليس بالقدر الكبير وانحصر تفكيره في الآخرة وهو سائر في عمله في الدنيا كما جاء في القول المأثور "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وقد رواه بعضهم على أنه حديث عن رسول الله r. من أجل هذا نقول كما قال r "اقتربت الساعة ولا يزال الناس على الدنيا"، "بعثت أنا والساعة كهاتين". إذا كان النبي r من علامات الساعة فماذا تنتظر لتدخل هذه الساعة؟ من أجل ذلك الحصيف من الناس والذكي من المؤمنين يعلم أن ذكر الموت نجاة وأمان وأمانة وعبادة تنفع صاحبها يوم القيامة من حيث أن الله تعالى يستقبله عبداً حبيباً وإذا أحبه نظر إليه وإذا نظر إليه لا يعذبه أبداً وإذا أحب الله عبداً جعله من السابقين وإذا جعله من السابقين كان ملكاً من ملوك الجنة يدخلها من غير حساب. فلنبق على ذكر الموت وهو شيء إذا تعودت عليه أنست به ولا يعود الموت بالنسبة لك تلك المصيبة العظمى التي نخشاها جميعاً صحيح أن الموت كصيبة كما سماها القرآن لكن الناس مختلفون باستقبال هذه المصائب هناك من يستقبل المصيبة بـ (إنا لله وإنا إليه راجعون) بصدر رحب وصبر وجلد (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) فتعلم أن تذكر الموت وتعلم أن تذكره إذا أصبحت وإذا أمسيت وليكن الموت رحلة جميلة ولو عرفت أسرار الموت كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله لأدركت أنها أجمل بكثير مما استقر في أذهاننا من أنها رحلة مرعبة بل هي للمؤمن من أهل القِبلة رحلة جميلة يلقى فيها من كرم الله عز وجل ومن سعة رحمته ما يُسِرُّه إن شاء الله.
الحلقة 24: أهل البلاء
إن لله أحباباً كثيرين وأحباب الله من عباده أكثر مما يتصورهم عقل ولذلك كما جاء في الحديث " لا يدخل النار إلا شقي" وأصناف أحبابه كثيرة بحيث لن تجد عبداً من عباد الله وهو من أهل القبلة إلا وهو من أحباب الله بشكل ما، في الغالب له عبادة يحبها الله عز وجل. حبيب الله في هذه الحلقة هم أهل البلاء. يقول r: إذا أحب الله قوماً ابتلاهم. بالحروب بالظلم بالاقتتال الطائفي بالسجن وأنت مظلوم بالتعب بالنصب ما من عبد من عباد الله إلا وفيه بلاء ما فما عليك إلا أن تكون موحداً لله عز وجل وأنت من أهل القبلة. يتمنى أهل البلاء يوم القيامة لو ضاعف الله عليهم البلاء لما يرون من جزيل الثواب. "ليأتين على أهل البلاء ساعة يتمنى أهل العافية لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض". نعدد أنواع البلاء لنعرف بعض أنواع البلاء إذا عرفت بعضها لأدركت أنه ما من عبد إلا ويكون مبتلى في يوم من الأيام: أن تبتلى في نفسك، صداع، الحمى فوح جهنم وذاك نصيب المؤمن من النار، صداع ليلة تذر العبد يمشي وما عليه خطيئة، حتى لو شاكتك شوكة، تأمل كم فيك من الأمراض والأوجاع في حياتك؟ أنت مبتلى فأنت من أحباب الله عز وجل إذا صبرت. البلاء إما أن يكون خسارة أو فقر، بلاء في أولادك يقول تعالى للملائكة بعدما قبضوا ولد العبد فصبر واسترجع (ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة سموه بيت الحمد)، بلاء في أعضائك، ماذا لو ابتلاك في أعضائك؟ لو أصابك في عينيك؟ فأنت من ملوك الجنة. لو قطع لك عضو سبقك إلى الجنة وقس على هذا ما لا حصر له. الهمّ، الحزن، يقول r "إن العبد لتسبق به المنزلة عند الله فيسلط عليه الهمّ، تهم لبيتك ورزقك ودراستك وهموم المسلمين الهم يفعل بك كل هذا وقس على هذا من أنواع البلاء التي لا تنتهي في كل جوانب الحياة ما من شيء يكدر صفوك أو يحزنك أو يؤلمك إلا ودخلت في أنواع البلاء لقوله r إذا أحب الله قوماً وأكثركم بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على قدر إيمانه، قال أحدهم لرسول الله r إني لا أمرض قال أوأملك أن الله لا يحبك؟. كم من الأمراض التي نمر بنا من عمر الخامسة عشر إلى أن نموت؟ عشرات بل مئات. هكذا رحمة الله عز وجل لأن الله يكره مساءة عبده المؤمن لكن لا بد من البلاء لأن البلاء قانون من قوانين هذه الدنيا (لقد خلقنا الإنسان في كبد) أي من المكابدة. إن من الذنوب ذنوباً لا يغفرها إلا الهم للمعيشة وكم فينا من همّ للمعيشة؟!، إن من الذنوب ذنوباً لا يغفرها إلا الهم للعيال وكم فينا من همّ للعيال؟!، كم أنت مظلوم؟ كم اغتابك من الناس؟ كل هذا من اللبلاء. كم حزنت؟ كم جعت؟، كم تمنيت شيئاً لم تحصل عليه؟ "ذاك الذي يموت وحاجته في صدره" أراد بيتاً لم يحصل عليه، أراد ولداً لم يحصل عليه. إذن فالبلاء في الجسم والبدن والمال والأولاد والوطن والأمة وكل هذا من مكفرات الذنوب ومطهرات الأنفس وتزيد الدرجة وتجعلك حبيباً لله تعالى بشرط أن تصبر (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156)). هذا هو البلاء والبلاء قدر وقانون في هذه الأرض فطوبى لمن استغل هذا القانون فقابل الله عز وجل بالرضى وقابله بالتسليم وقال إنا لله وإنا إليه راجعون وإذا أصيب العبد مصيبة فاسترجع لها أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكلما ذكرها في حياته فأحدث لها استرجاعاً جديداً أعطاه الله من الأجر بقدر ما أعطاه أول يوم. هكذا هم أهل البلاء وأهل البلاء يوم القيامة من ملوك الجنة حتى أن أهل العافية الذين لم يصبهم الله عز وجل بالبلاء يحسدونهم يوم القيامة وهم قلة من الناس. هذه هي الحلقة الثرية الواسعة من رحمة الله الواسعة التي تصيب كل من حزن على أمر وكل من همّ بأمر وكل من اهتم لأجل أمر وما أكثر الهموم في حياتنا فنسأله العفو والعافية فإذا ابتلانا نسأله الصبر ونسأله الرضى ونسأله أن نكون ممن يسترجعون ويصبرون ونرضى عن ربنا عز وجل وندخل الجنة ونحن أحبابه.
الحلقة 25: الكاظمين الغيظ
السابقون من هذه الأمة أصحاب الفردوس الأعلى الذين يجالسون الله عز وجل في مقصورته يوم القيامة. هؤلاء السابقون هم الذين يحبهم الله عز وجل فإذا أحبهم بأن فعلوا فعلاً يحبه الله عز وجل فقد جعلهم من السابقين وإذا أحبهم نظر إليهم وإذا نظر إليهم رفع مقامهم ودرجاتهم ولا يعذبهم أبداً. من العبادات التي يحبها الله عز وجل عبدة لا يتصف بها إلا قلة من الناس عادة، في كل قرية أو مجتمع أو مدينة هناك رجل وجيه وقور يحبه الناس جميعاً دائم الابتسام، جبل يمشي على رجلين، لا تهزه الشدائد، إذا ذممته ابتسم وإذا أغضبته لا يغضب وإذا غضب لا يبدو عليه من غضبه شيء ذاك الذي قال تعالى فيه (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) آل عمران). الغيظ أقوى من الغضب وهو أعلى أنواع الغضب (ليغيظ بهم الكفار) (ونذهب غيظ قلوبهم) الغيظ آسِر يتمكن من صاحبه حتى يخرجه عن طوره وقد يطلّق زوجته وقد يفعل الأفاعيل حتى إذا أفاق من هذا الغيظ بعد ساعة أو يوم أدرك أنه فعل أفعالاً قبيحة جداً وهذا شأن الناس جميعاً. وربما كل واحد مرّ في حياته ساعة أخرجته عن طوره وبقي يخجل من تلك الساعة التي تصرف فيها بحمق ويندم عليها طيلة حياته. قلة من عباد الله واحد في كل قبيلة أو مجتمع أو عائلة وجيه وقور مبتسم سمح لكنه يملك زمام نفسه كما قال r: ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. قال تعالى في حق هذا (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) من يفعلها غير واحد أو اثنان لقوة أعصابه واحترامه لنفسه وجاهته؟ هذا واحد من الذين يستحي الله منهم إن لله عباداً يستحي الله منهم لوجاهتهم وحلمهم وكرمهم وسخائهم يستحي أن يعذبهم ويرفعهم يوم القيامة إلى مصاف ملوك الجنة. ولهذا يقول الله تعالى في الحديث القدسي: من كظم غيظه من أجلي وهو قادر على إنفاذه خيّرته من أي أبواب الجنة شاء، وقال r من كظم غيظه لأجلي وهو قادر على إنفاذه دعاه الله على رؤوس الأشهاد حتى يخيّره بين الحور الحين. عمل عظيم شاق، أن تحضر صلاة جماعة ليس شاقاً، أن تصلي الليل ليس شاقاً، أن تقرأ القرآن ليس شاقاً، معظم العبادات التي تجعلك من السابقين ممكنة وسهلة وجميلة وليست شاقة لكن أن يأتيك شخص يغيظك غيظاً عظيماً لو أغاظ غيرك لقتله - والذي يقتلون هم الذين استبد بهم الغيظ- وإذا به رغم هذا الغيظ يبتسم لهذا الذي يغيظه. والنبي r يقول "ثلاث من كن فيه أدخله الله في كنفه وستر عليه وجعله من أهل محبته منهم من إذا أُعطي شكر وإذا ابتُلي ستر وإذا أُغضَب فتر" يعني لا يبدو عليه بهدوء يبتسم لا يبدو عليه وإن كان يغلي من الداخل لكن عنده من القدرة بحيث يداري هذا الغضب بحيث لا يبدو عليه شيء منه وجهه وابتسامته وحلمه فوق طاقة الآخرين. هذا واحد من أهل محبة الله عز وجل وبهذا العمل العظيم جعله الله من السابقين. هذه قضية لها عدة حلقات: الحلقة الأولى أن لا تغضب فإذا استطعت أن لا تغضب فالحلقة الثانية أن تحسن لمن أساء إليك وهذه قمة القمم في هذا الباب ولهذا يقول تعالى (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) أحياناً قد تكظم غيظك لكنك تنتقم منه في وقت آخر لكن هذا عفا عنه تماماً والحلقة الثالثة أن تعفو عنه تماماً. تأمل رجلاً بهذا المقام الرفيع وهذا الخلق العالي وهذا من أخلاق الله عز وجل كظم الغيظ من أخلاق الله عز وجل (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ) (فقولا له قولا ليناً) عبدٌ كهذا استطاع أن يكون من الكاظمين الغيظ وعُرِف بذلك بين أهله وقومه ونظر إليه نظرة إكبار وإعجاب لوجاهته وسماحته ووقاره وشخصيته المهيبة هكذا هو في الملأ الأعلى لأن لكل عبد من عباد الله صيت بين الملأ الأعلى كصيته في الدنيا. الملأ الأعلى هم الملائكة حول العرش يعرفون أن فلاناً في هذا المقام فيقضون عمرهم كله بالدعاء له والاستغفار له والله عز وجل يبوئه مكاناً عظيماً يوم القيامة لأنه جاء بعبادة لا يستطيعها إلا خاصة الخاصة من الناس سوءا كانوا ملوكاً أو امراء أو وجهاء وهم على ندرتهم موجودن في كل مجتمع، يذكرهم الناس بخير ويتندرون بمآثرهم ويذكرون سيرتهم هؤلاء الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين وما من عبادة أكثر هيبة وتقديراً من الله عز وجل من أن تكون واحداً من هؤلاء (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) اللهم اجعلنا من أصحاب هذا الحظ العظيم ولو مرة واحدة في العمر.
الحلقة 26: المغيثين
حبيب آخر من أحباب الله عز وجل الذين يحبهم هم المغيثون الذي يمشون في حاجة الناس يساعدونهم ويخففون آلآمهم ويواسوهم. هناك كثيرون يقفون لمساعدة شخص في أي دائرة في أي وزارة هذا في حالة السِلم، أما في حالة المصائب والنكبات كما في فلسطين وفي العراق وفي الشيشان آلآف الناس في محنة عظيمة كل يوم، قضية حياة أو موت وكثير من الناس يمرون ولا يفعلون شيئاً وهم معذورون ومن الناس من يقف ويشمر عن ساعدي مروءته وساعدي أخلاقه ورجولته لكي يغيث هذا المستغيث. هؤلاء المستغيثون هم وكلاء الله عز وجل في هذه الأرض، ماذا لو مررت في حياتك بموقف من هذه المواقف؟ رأيت رجلاً مطارداً بظلم، رجلاً له عداوة من ذي وجاهة ونفوذ، رجلاً عليه إلقاء قبض ظلماً، رجلاً يتعهم بالباطل، رجلاً لا يجد في ليلة العيد ما يشتري به كسوة لأولاده، رجلاً صائماً في رمضان لا يجد ما يفطر به، والخطوب كثيرة متعدد فطوبى لرجل سخّره الله عز وجل كما سخر موسى u عندما قال تعالى (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) واحد بسيط مسكين وآخر من شرطة فرعون له نفوذه فتدخل موسى u. هكذا هي درجة المغيثين فإذا أردت أن تكون من السابقين فاغتنم فرصة في حياتك ولو مرة واحدة أن تكون مغيثاً لمستغيث لا يجد من ينصره إلا الله عز وجل سواء كان تفريج كرب أو ذهاب همّ أو إدخال سرور أو قضاء دين أو توسط في دائرة حكومية أو فك رقبة أحد من إعدام، المهم أن تجد رجلاً أو امرأة في ورطة فتنقذه منها فتدخل زمرة السابقين بهذا العمل الكريم الذي يكلفك جرأة أو خطراً أو جهداً أو مالاً تدخل في هذه الزمرة العظيمة ذات الأخلاق العالية وذات الشهامة والمروءة وتصبح يوم القيامة من السابقين الذين يحبهم الله عز وجل وما من درجة يوم القيامة أكبر ولا أعظم من السابقين لأنها درجة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة، ويوم القيامة أهل الجنة هم كرام الأمة وكرام البشر فأسأله تعالى أن يمن علينا بالشجاعة في ساعة يستغيث بنا مستغيث فنقف ولا نهرب ولا نجبن. (ملاحظة بداية الحلقة ناقصة فأرجو ممن لديه الحلقة تزويدي ببدايتها جزاكم الله خيراً)
الحلقة 27: ليلة القدر
عرفنا مما سبق أن العبد يبلغ درجة السابقين السابقين بعبادة من العبادات العظيمة التي يحسن أداءها إحساناً يجعله من السابقين. والسابقون هم الفئة المقربة يوم القيامة. فعلى المسلم أن يعبد الله بعبادات كثيرة سواء كانت عبادات مفروضة أو نوافل كلن عليه أن يتقن عبادة واحدة منها إتقاناً عظيماً يكون وسيلته إلى الله يوم القيامة إستجابه لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) إتقي الله واعبده عبادات كثيرة كما هو شأننا جميعاً وقد نحسن بعض الأداء أو لا نحسن ولكن علينا أن نحسن عبادة واحدة نجعلها وسيلتنا إلى الله يوم القيامة على غرار القول المأثور إعرف بعض الشيء عن كل شيء واعرف كل شيء عن شيء واحد تخصص بعبادة واحدة تُعرف بها عند الملأ الأعلى فيقال هناك فلان الذاكر، فلان القائم، فلان الصوام، فلان أهل القرآن وعرفنا أصنافاً من تلك العبادات التي ترفع صاحبها من مجرد كونه من الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى كونه من السابقين السابقين. إن من أعظم العبادات التي ذكرناها من حيث كونها وسيلة من وسائل السبق هي ليلة القدر. ما من عبادة تبلغ في قوة دفها كليلة القدر التي هي خير من ألف شهر كما قال r: "أتاكم شهر مبارك فرض الله عليكم فيه الصيام إن لله فيه ليلة هي خير من ألف شهر من حُرمها فقد حُرم الخير كله ولا يُحرم أجرها إلا محروم". فعلى المسلم أن لا يحرم أجر هذه الليلة فهي ليلة في كل عام تضيف إلى رصيد حسناتك حسنات 83 عاماً قيام ليلها وصيام نهارها ليس فيها ذنب. تأمل أن عبداً من عباد الله عبد الله 83 سنة يقوم الليل ويصوم النهار ولم يذنب ذنباً واحداً هكذا أنت بقيام ليلة القدر يضاف في كل عام إلى رصيدك حسنات 83 سنة، الذي يكفي منه ليلة واحدة في العمر كله فما بالك وأنت من الصوامين في كل عام ربما تصوم خمسين رمضان أو ستين رمضان ففي كل عام يضاف إلى رصيدك عمر 83 سنة صيام نهارها وقيام ليلها ولم يعص فيها الله عز وجل. هكذا هي ليلة القدر إذا أتقناها بالصيام والقيام والذكر فإننا بذلك نكون قد عبدنا الله عبادة عظيمة مضمونة الآثار والجوانب من حيث دفع صاحبها إلى أن يكون من السابقين السابقين الذين يحبهم الله عز وجل. وتفاصيل هذه اليلة عجيبة تنزل فيها الملائكة وينزلون يصافحون القائمين والذاكرين فإذا جاء الفجر نادى جبريل في الملائكة "الرحيل الرحيل" فتسأله الملائكة ماذا فعل الله بحاجات المؤمنين ؟ فيقول جبريل u لقد غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر إلا أربعة، قالوا من هم هؤلاء الأشقياء؟ قال مدمن خمر وعاقٌ لوالديه وقاطع رحم ومشاحن (أي أخوات متصارمان لا يحدث أحدهما الآخر إذا لقي أحدهما الآخر أشاح بوجهه) يقول تعالى دعوهما حتى يصطلحا. فإذا لم تكن من هؤلاء الأربغة فأبشر بهذه البشارة العظيمة التي تفسر لك بعض الأحاديث التي قد يعجب منها البلهاء الذين لا يتصورون مدى سعة رحمة الله ومدى نفحاته"إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله". والنفحات هي هدايا الملوك في يوم معين في العام إن للملوك إكرام خاص في العام بلا مناسبة وإنما هو تعبير عن أصلهم وشمائلهم وكرمهم يختصون بها الوجهاء من شعبهم في يوم من أيام السنة يعطونهم عطاء متميزاً لا لمناسبة ولا لعمل ولكن لأجل إكرام الملك بذاته. فلله عز وجل نفحات يعبر فيها عن كرمه وجوده وعطائه (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ومن هذه النفحات هذه الليلة ما دمت من المؤمنين وما دمت من الصائمين في رمضان وما دمت شهدت هذه الليلة فقد شهدت مجلس الملك ومجلس الملك في هذه الليلة عطاؤه بلا حدود فما عليك إلا أن تتعرض لهذا العطاء فتشهد مجلس الملك في هذه الليلة "إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله" من أجل هذا إذا أردت أن تفهم قول المصطفى r "إن أمتي هذه أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة" وأنت لا يمكن أن تكون من أمة محمد r إذا أفطرت من غير عذر. فإذا كنت صائماً في رمضان فلا بد أن تمر عليك ليلة القدر أو أن تمر بها أنت فكل الخسارة أن تمر بهذه الليلة ولا تشهد مجلس الملك. ومشهد الملك أن تذهب إلى المسجد وتحيي هذه الليلة بالقراءة والذكر حتى مطلع الفجر وأنت جليس الملائكة الذين يجلسون حولك يؤمنون على دعائك ولو أراد الله تعالى أن يريك ما لا يراه الآخرون لشهدت أن حولك آلآف من الملائكة أنت تقرأ وتبتهل والملائكة تقول آمين. هكذا هي هذه الليلة من شهدها شهد الخير كله ومن حُرمها فقد حُرم الخير كله ولا يحرم هذه الليلة إلا محروم ولذلك إفهم قوله r: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" من أبى هو الذي لم يشهد هذه الليلة أي من نام عنها أو قضاها فيما لا نفع فيه فأسأله تعالى أن يجعلنا من أهلها في هذا العام وفي كل عام لنا في هذه الأرض.
الحلقة 28: إعادة الحلقة الثالثة
الحلقة 29:
هذه الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة ولأنها الحلقة الأخيرة فإنها أهم الحلقات جميعاً وهكذا هو نسق القرآن إذا عدد أشياء متعددة جعل الأهم الأهمّ في الآخر كما قال تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا (40) الحج) أخّر المساجد لأنها الأهم لكي تبقى في ذهن السامع والقارئ، (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ (32) فاطر) أخّر السابق بالخيرات ليبقى في الذهن، هكذا هو أسلوب القرآن الكريم يترك الأهم الأهم في نهاية المطاف. من أجل هذا أبقينا أهم العبادات التي تقدم صاحبها ليكون من السابقين السابقين ذاك هو الإمام العادل كما قال r "يوم من أيام إمام عادل خير من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها"، تأمل هذا الفضل العظيم!. هكذا هي عبادة العدل عند الحكام ولهذا جاء في الحديث سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله أولهم الإمام العادل. الإمام العادل ظل الله في الأرض يأوي إليه المظلوم والخائف والمحتاج فإذا وفق الله تعالى حاكماً ليمون عادلاً (إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) الجعل هو تغيير الصيرورة لم تكن فكنت وفالله تعالى هو الذي يجعل الملوك ملوكاً ويجعل الحكام حكاماً (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) فطوبى لحاكم يحكم بين الناس بالحق، ما من عبادة أفضل من ذلك. كل العبادات نفعها لك إلا هذه العبادة نفعها لأمة بأسرها. فرقٌ بين حاكم يسعد أمته بالعدل والأمن والتسامح والعدل يجلب لهم الخير يدفع عنهم الضر وحاكم يشقي أمته يرعبهم ويخيفهم بالتعذيب والسجون عشرات السنين لا يدري أحدهم أين ذهب ابنه؟ يوم من أيام إمام عادل والإمام هو الحاكم سواء كان ملكاً أو شيخاً أو أميراً.و لذلك يقول r "لا تقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع". ليس فيها عدل كل أمة يضيع فيها حق الضعيف فهي أمة غير مقدسة عند الله عز وجل. يقول r ما من عبد يسترعيه الله عز وجل في أمته يموت يوم يموت غاشاً لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة. غاش لرعيته بالأكاذيب يبذر أموالهم، يقتر عليهم إماماً كهذا يحرم الله عليه الجنة مطلقاً قلنا بعض الجرائم إذا ارتكبها مؤمن يخلده الله تعالى في النار كمن يقتل مؤمناً متعمداً على إيمانه (فجزاؤه جهنم خالداً فيها) لم يعد مؤمناً وكذلك الحاكم الذي يغش رعيته لم يعد مؤمناً لذلك إذا أكرم الله أمة فأول ما يكرمها بإمام عادل وما من نعمة أفضل من الأمن (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن) (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) إن من الشعوب عند ملوكهم لا يعرفون الخوف يوماً وإن من الشعوب عند ملوكهم لا يعرفون الأمن يوماً. من أعظم عباد الله عز وجل يوم القيامة إمام عادل ومن فضل الله عز وجل أن هذا الوصف لا يشترط فقط أن تكون ملكاً أو أميراً وإنما لو كنت أمير عشرة أو ضابطاً تحتد مجموعة من الجنود، لو كنت مديراً وتحتك موظفون المهم أن تكون صاحب القرار تملك الرقاب والعطاء والمنع فنجيت أتباعك أو ظلمتهم أو عذبتهم، "ما من أمير عشرة إلا وملك آخذ بقفاه على شفير جهنم أسلمه الظلم أو فكّه العدل". ونشهد أمام الله عز وجل أننا في دولة حباها الله عز وجل بحكام أشبعوا شعوبهم وأمتهم وأهلهم رأفة وعدلاً ورحمة وصلاحاً حتى أحبهم الناس جميعاً حتى صا