آداب تناول الآيات في القرآن الكريم
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد)
يعيش الانسان مع القرآن ليتلذذ بما فيه من الآيات. وفي هذه الحلقة سوف نقف إن شاء الله عند قوله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب أقفالها) وتدبر القرآن وقراءته لها مراتب للتدبر فيمكن أن يقرأ الانسان القرآن في يومين أو شهر أو يكون له ختمتين في شهر وكان من السلف الصالح من له ختمتان واحدة يقرأها بتأمل يسير وختمة تستغرق أعواماً يتأمل كل حرف وكل كلمة في كتاب الله وبين هاتين المرتبتين درجات أدناها أن يحضر الانسان ذهنه وهو يقرأ آيات الله تعالى. إذن أولى مراتب التدبر هو حضور الذهن عند قراءة القرآن وليس هناك أدنى منها مرتبة وهؤلاء الذين قال فيهم r يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم لأنه مجرد قراءة باللسان. بعد هذه المرتبة تأتي مرتبة التفكير بالمعنى وهي أعلى من السابقة ثم تليها مرتبة التأمل في المعاني بحيث يتوقف عند آيات النعيم فيدعو الله تعالى أن يجعله من المنعمين ويتوقف عند آيات العذاب فيدعو الله أن يجنبه العذاب وهكذا كان r يقرأ القرآن في الصلاة . وهناك مرتبة أعلى من هذه وهي مبنية على سابقتها وهي أن ينظر القارئ في الاستعمالات القرآنية ويعيش في الجو الذي عاش فيه العربي الأول عندما كان يسمع القرآن فيهتزّ وفي رواية أن الأصمعي كان عنجه دنانير من ذهب وكان يريد الخروج للحج فأراد أن يخبئ الدنانير عند أحد من اصحابه حتى يعود فتأخر في ذلك وقبل خروجه للحج ذهب لصاحبه فوجد أنه خارج للحج ايضاً فاحتار أين يخبء دنانيره ثم قرر أن يأخذه معه في سفره وفي الطرق خرج على القافلة لصوص وجاء الأصمعي شيخ اللصوص فأكره بإخراج ما معه من مال فأخرج الأصمعي دنانيره وقال سبحان الله هذا رزقه وتلا قوله تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون) فقال اللص رزقنا في السماء ونحن نطلبه في خِسّة على الأرض أعيدوا ماله فأعادوا المال الى الأصمعي. وفي الطواف التفت الأصمعي فوجد شيخ اللصوص بجانبه فطلب منه اللص أن يعيد عليه الآية فقرأ الأصمعي (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) الذاريات) فانتفض السارق وقال ما الذي أغضب الجليل فجعله يُقسم؟ من هذه القصة يتبين لنا أن العرب كانوا يفهمون ويتلذذون بالعبارة وكانوا إذا أراد أحدهم أن لا يؤمن يضع أصابعه في أذنيه حتى لا يسمع لأنه يعلم أن هذا الكلام ليس كلام بشر ونحن علينا أن نتلمس مواطن الجمال والبيان وإذا أشكل علينا شيء نسأل ولا نتردد فالقرآن حاكم على اللغة وليست اللغة هي الحاكمة على القرآن.
استعمال كلمة تدبر في القرآن الكريم:
وردت هذه الكلمة في أربع مواضع في القرآن الكريم في أربع آيات هي :
((أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد))
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) النساء)
(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) المؤمنون)
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ص)
ويسأل القارئ عن هذا الاختلاف فلماذا استعمل فعل يتدبرون مرتين واستعمل يدّبروا مرتين؟ (يدّبروا) اصلها يتدبروا لكن التاء سُكّنت فالتقت مع الدال فأُدغمت فيها فصارت يدّبروا. عادة ينظر في السياق ولا يجب أن تؤخذ الكلمة بدون سياقها لأن كلام الله تعالى مترابط فهو نزل الى السماء الدنيا جملة واحدة ثم نزل منجماً.
نبدأ باستعراض كل آية في سياقها ونبدأ بالآية في سورة محمد ((أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد)):
إذا تلونا ما قبلها من قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21)) الكلام في الآية عن المنافقين الذين ينظرون نظر المغشي عليه من الموت لمجرد أن قيل لهم أن هناك جهاد ومن شفافية القرآن ولمسه لقلوب الناس أنه يصف المنافقين بأوصاف غير حميدة لا يحبونها فلا يواجههم وإنما يتكلم بصورة الغائب (هم) ثم ينتقل مباشرة لهم فيقوله تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)) هذه لمسة حنان لعدم قطع الأرحام والعربي حريص عليها ثم قال تعالى (اولئك) لم يقل أنتم المنافقون لأن الكلام ليس فيه إهانة لهم (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)) ثم قال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)) الكلام عنهم ولكنه تعالى استعمل ضمير الغائب حتى لا يُثيرهم وهذا نوع من أنواع التربية فلا يجوز للمسلم أن يقول هذا كافر وهذا كافر لأن المسلم كالطبيب يجب عليه أن يعالج. جعلها تعالى غائباً لكنهم منافقون فجاء الفعل كاملاً (يتدبرون) لأنهم أي المنافقون بحاجة ليعيدوا النظر مرة بعد مرة في القرآن وهم نافقوا بعد أن سمعوا القرآن مرة بعد مرة ولهذا هم بحاجة للتكرار وللنظر في الآية دُبًر الآية ومعنى يتدبرون أن ينظرون في كل آية وما بعدها ثم ذكر تعالى في الآية كلمة القرآن ولمّا ذكر القرآن كاملاً لم يقل آية أو آيات ولما كان الكلام عن القرآن كاملاً جاء بالفعل كاملاً (يتدبرون). واستعمل التنكير (أم على قلوب أقفالها) كما كان r يقول (ما بال أقوام) حتى لا يسمي شخصاً بعينه. قال تعالى قلوب وهي نكرة وأقفالها نكرة. ثم قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)) هؤلاء منافقون سمعوا القرآن ولهذا يريدهم القرآن أن يعيدوا النظر في القرآن آية دبر آية.
الآية الثانية في سورة النساء (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) النساء):
إذا تتبعنا الآيات في السورة (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)) تكلمت الآيات عن المنافقين يقولون نطيعك طاعة ثم خاطب تعالى رسوله أن هؤلاء منافقون فأعرض عنهم وتوكل على الله ثم جاءت الآية (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)) وكأن فيه عتاب لهم (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) فالله تعالى في هذه الآيات يكلّم رسوله r عن المنافقين فهي دعوة غير مباشرة لهم أولئك الذين سمعوا كلام الله ثم أعرضوا عنه وجاءوا الرسول r فقالوا له نطيعك ثم بيّتوا أمراً آخر فهؤلاء مدعوون ليتدبروا القرآن فجاء الفعل كاملاً (يتدبرون).
الآية الثالثة في سورة المؤمنون (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) المؤمنون):
إذا استعرضنا الآيات من قوله تعالى (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)) الآيات تتكلم عن الكفار الذين لم يعلنوا اسلامهم وكانوا ينكصون وكانت تتلى عليهم آيات (لم يقل القرآن) ثم يخاطبهم تعالى في قوله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)) لم يذكر كلمة القرآن في الآية وإنما قال (القول) وقد يكون القول كلمة أو آية أو بعض آية أو سورة أو القرآن كله ولمّا استعمل كلمة آيات والقول اجتزأ الفعل أيضاً (يدّبروا) وهذا الفعل حذفت منه النون لوجود الجازم (لم) ثم ألغى الحركة في الفعل الأصلي (يتدبر) سُكنت التاء والتقت بالدال فاُدغمت فيه وهذا فيه نوع من الشدّى لأن الدال مشددة والباء مشددة (يدّبّروا) فهناك تشديد في المطالبة ولو تأملوا أقل تأمل فجاء اللفظ مناسباً للطلب (المطلوب هو أن يتأملوا أقل تأمل).
الآية الرابعة في سورة ص (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ص) :
إذا نظرنا في الآيات في السورة من قوله تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)) الكلام عن الكافرين وليس المنافقين وقد ذكرت الآيات الفريقان: الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين والمتقين والفُجّار. ثم قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)) ذكر الآيات وذكر كتاب ولم يذكر لفظ القرآن. والواو في (ليدبروا) تعود على الكافرين والمؤمنين لأنه ذكرهم جميعاً في الآيات: الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين والمتقين والفُجّار فالكل مطلوب منه أقلّ تدبّر. وقال تعالى (وليتذكر أولو الألباب) لم يقل ليذّكر لأن أولي الألباب هم الذين يتذكرون فجعلها خاصة بأولي الأباب ففصل (ليتذكر).
وفي الآيات دعوة لكل من ينظر في كتاب الله للتدبر. التأمل قد يكون في آية واحدة والتعقّل في آية واحدة أما التدبر فمعناه مواصلة التدبر في الآيات واحدة دُبُر الأخرى بدون توقف. وكل كلمة في القرآن الكرين مُرادة في مكانها. والتفكر في شيء هو النظر في ملكوت الله تعالى والتدبر هو تفكّر وتأمل في شيء متصل آية دُبُر آية.
الاستعاذة:
(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) النحل)
المسلمون استجابوا بحيث صاروا إذا أراد أحدهم أن يقرأ القرآن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ننظر الى سياق الآيات في سورة النحل (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)) هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. (من) عامة تستعمل للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع والمثنى ولفظ ذكر أو أنثى يفيد الجنس أي كل الذكور والاناث باختلاف أعمارهم من صغيرهم الى شابهم الى كبيرهم. (وهو مؤمن) الكلام على الافراد ويشار بصيغة المذكر بتغليب المذكر لجماعة فيها ذكور وإناث وهذه لغة العرب. (فلنحيينه) خطاب بالفردية (حياة طيبة): هذه لمسة للانسان يريد أن يحيا حياة طيبة والجزاء جزاء جماعي (ولنجزينهم أجرهم) ففي الآيات مزاوجة بين الفردية والجماعية. ثم قال تعالى (فإذا قرأت القرآن) الفاء رابطة ترتب على شيء من الآية التي قبلها (أحسن ما كانوا يعملون) فالقرآن يدل الانسان على أحسن الأعمال. هذا الخطاب لكل مخاطب ثم يعود للجمع (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) فالمناوبة بين الإفراد والجماعة هي مناوبة والتفات لغاية وحكمة أن الحياة الطيبة يريدها الانسان وجزاء الجنة جزاء جماعي لا فردي والاستعاذة من الشيطان أمر فردي لكن جعلك جزءاً من مجموع لا يقدر عليهم الشيطان (الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون). (فإذا قرأت القرآن) الذي هو المرشد. استعمال (إذا) هنا يقول العلماء انها ظرف تحقيق وهناك فرق بين استعمالها ومعناها واستعمال (إن) التي تستعمل عندما يكون الاحتمال قليل وتفيد الترجيح والشك (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) أما (إذا) فتستعمل عندما يكون الأمر محقق الوقوع (إذا جاء نصر الله والفتح). (فإذا قرأت القرآن) هي محققة يعني أنت تقرأ القرآن والفاء قلنا أنها بنت على ما قبلها (بأحسن ما كانوا يعملون) هذا العمل الحسن مبني عليها.
(فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) الفاء هنا (فاستعذ) جواب الشرط (فإذا قرأت القرآن) الأمر بالاستعاذة ينبغي أن تستعيذ وفيها معنى اللجوء والاندفاع الى حصن حصين الى الله تعالى وقال استعذ بالله لم يقل بالرحمن أو بأية صفة أخرى من صفات الله تعالى أو اسمائه الحسنى لأن الاستعاذة تحتاج لقوة واسم الله تعالى (الله) هو الاسم الوحيد الذي انفرد به تعالى والباقي هي صفات واستخدام لفظ الجلالة (الله) مع الاستعاذة حتى يكون الله تعالى بكل صفاته وبكل ما فيها وعندما تستعيذ بالله تشعر بضعفك وتستعيذ من الشيطان الذي أقسم أن يغوي الناس إلا عباد الله المخلَصين وعندما ذُكر الشيطان في الآية ولكي لا يبقى له هذا الأثر الكبير في نفس الانسان جاء تعالى بصفة (الرجيم) ولم يقل اللعين (فاخرج منها فإنك رجيم) واللعين لم ترد في القرآن والرجيم هو الذي يُرجم فهو مرجوم وهذا يفيد معنى أنه صحيح أنك لجأت الى الله تعالى لكن لا تخشى الشيطان لأنه مرجوم يُرجم.
بُثّت الحلقة بتاريخ 12/11/2005م
يقف الانسان عند المناوبة بين الفردية والجماعية في آيات سورة النحل التي ذكرناها في الحلقة الماضية : الفردية(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) ثم الجماعية (ولنجزينهم) ثم انتقل الى الفردية (فإذا قرأت القرآن) ثم الجماعية (الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعلى ربهم يتوكلون) الفردية في الحياة الطيبة للإنسان والجماعية أن دخوله الجنة والجزاء لن يكون فرداً وإنما يكون في جماعة وفي زمرة ثم اللجوء الى الله تعالى والاستعاذة والاتكال عليه تخلصاً من كيد الشيطان فردية لأنه ينبغي على المسلم أن يلجأ بمفرده الى ربه وحتى لا يشعر الانسان ان هذا الشيطان متمكن جاء تعالى بلفظ (الرجيم) وأكّد على ضعف الشيطان بقوله تعالى في الآية بعدها (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا).
ومن اللطائف أن القرآن الذي تحدث في هذه الآيات وفي غيرها (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى) التي تظهر مكانة المرأة في الاسلام ذكر الدكتور مصطفى السباعي في كتابه المرأة بين الفقه والقانون أنه في الغرب عقدت مؤتمرات في الوقت الذي تحدث القرآن عن مكانة المرأة تبحث في مسألة إذا كانت المرأة انسان أو غير انسان ثم توصلوا إلى أنها انسان لكنها خُلِقت لخدمة الرجل وفي بلد آخر صدر قانون في العام 1830م يمنع الرجل من بيع زوجته فلننظر من كرّم المرأة؟ القرآن أم الغرب الذين يتحدثون عن حقوق المرأة وينتقدون الاسلام؟! المرأة في الاسلام مكرّمة.
(فلنحيينه حياة طيبة) الخطاب بالفردية هنا وبالتذكير لأن لغة العرب كما ذكرنا في الحلقة السابقة أن تغلّب المذكر على جماعة النساء حتى لو كان هناك رجل واحد بين مائة امرأة اذا دخلت عليهم قل السلام عليكم ولا تقل السلام عليكن وهذه لغة العرب ولو نظرنا في جمع المؤنث السالم نصبه وجرّه بالكسر يقابله في جمع المذكر السالم الياء (والتي هي كسرة طويلة) فكأنما أعطى العرب الشيء الطويل للرجل (الياء) والأقصر (الكسرة) للمرأة. والنون في جمع المذكر السالم (معلّمون) يقابلها تنوين في جمع المؤنث السالم ولا يلفظ (معلمات) وهذا يدل على قوله تعالى (وللرجال عليهن درجة).
(فإذا قرأت القرآن فاستعذ): (إذا) للتحقيق والفاء ربط لما قبلها (بأحسن ما كانوا يعملون) والفاء في (فاستعذ) جواب الشرط وقلنا سابقاً أن العربي إذا استعمل (إذا) فإنه يريد التحقيق وقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن) تعني أنه لا بد أن تقرأ القرآن وهذا شيء محقق ولو قال (فإن قرأت القرآن) فكأنما يرخّص بعدم قراءة القرآن.
ثم أمره بالاستعاذة والأمر عندما يكون للرسول r فهو من باب أولى للمسلمين كما علّمنا رسول الله r في احاديث الاستغفار كان r يستغفر الله تعالى في اليوم أكثر من سبعين مرة لم يكن يستغفره لذنب ولكن لكي يعلّم أمته الاكثار من الاستغفار. على المسلم أن يستعيذ بالله صيغة فعل الأمر (استعذ) على وزن (استفعل) فيها معنى الطلب والجهد وتعني أنك تبذل جهداً في تفريغ قلبك باللجوء الى الله تعالى تخلصاً من الشيطان الرجيم. وجاء الأمر بالاستعاذة بصيغة (فاستعذ) ولم تأتي بصيغة (قل أعوذ بالله) لأن هذا القول ليس فيه جهد ولكنه تلقين كما جاء في قوله تعالى (قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق) هذا تلقين أما في آية الاستعاذة فأراد الله تعالى للمسلم عندما يقرأ القرآن أن يستحضر في نفسه الجهد والذل حتى يلجأ الى الله تعالى. واستعمل اسم الجلالة المجرّد (الله) لأن اسم الجلالة يحوي كل الصفات. وبعض العلماء قال أن لفظ الجلالة الله مشتق من ألِه يأله الإله ثم حذفت الهمزة للتخفيف ثم فُخّمت فصارت الله وعندما نقول الرحمن مثلاً نستحضر صفة الرحمة وهكذا في كل اسم من أسماء الله تعالى وصفاته وفي كل اسم تستحضر الصفة المرافقة له أما كلمة الله فتستحضر معها كل الصفات وكالعظمة بكلّيتها كأن الآية تريد من المسلم أن يلجأ الى هذا الحصن الحصين من الشيطان. لم؟ لأن الشيطان حذرنا الله تعالى منه ونبهنا منه بدءاً من آدم u لكنه نسي ولم نجد له عزما (فأزلهما الشيطان) (وقاسمهما ) هذا الشيطان كاذب لا يجب تصديقه وقد أخذ على نفسه العهد أن يضل بني آدم (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلَصين) ينبغي أن نحذر الشيطان (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) هذا تحد وعزيمة على إضلال ابناء آدم.
يقال في الأثر إذا مات ابن آدم على طاعة يصرخ الشيطان صرخة يجتمع لها ابناؤه فيقول أين كنتم عن هذا؟ فيقولوا كان مستعصماً بالله ومن هذا نرى كم يبذل الشيطان من جهد في اضلالنا. وأحياناً يدخل الشيطان للانسان من باب الايمان فإذا كان المسلم خاشعاً في صلاته يدخل عليه الشيطان فيقول له عجّل بصلاتك حتى لا يُقال عنك مرائي لكن على المسلم أن يسأل نفسه هل يبقى على خشوعه أن يسمع كلام الشيطان. ثم يتخذ القرار المناسب وهو أن يبقى على خشوعه.
لماذا استخدم فعل (استعذ) ولم يقل الجأ أو اجأر أو احتمي؟
الاستعاذة فيها جانب مادي ومعنوي ومع الله تعالى نأخذ الجانب المادي وعندما تعوذ بشيء مثلاً إذا رُمي الانسان بسهم يعوذ بشجرة وهذا أمر مادي ونحن نستحضر قوة الله تعالى ولفظ تستعيذ يختلف عن معنى أية كلمة أخرى والعربي يعرف معنى كلمة الاستعاذة ولهذا عندما سمع (فاستعذ) قال: أعوذ بالله ولم يقل استعيذ التي فيها معنى الطلب والجهد وبذل الجهد في أن أعوذ بالله وليس هذا هو المطلوب وإنما المطلوب أن تكون في عملية عوذ (أعوذ) يدل على الحال والاستقبال والله تعالى يريد لك أن تكون تعوذ فعندما يقول تعالى فاستعذ بالله قالوا أعوذ بالله أو نعوذ بالله اي نحن الآن في حالة عوذ وهذا اختيار بلاغي دلالي.
لماذا قال الرجيم؟ التخويف من الشيطان يجعل قلب المسلم في هيبة كبيرة من هذا المخلوق فأنت لجأت الى الله وعُذت به لكن لا تتصور أن الشيطان بهذا الجبروت تُرِك على جبروته فهو ذليل مرجوم. وبالعودة الى اوصاف الشيطان في القرآن كلها لا تنسجم مع معنى آية الاستعاذة لأن المراد هنا الذّلة حتى لا تكون للشيطان منزلة مخيفة. وإذا نظرنا لأوصاف الشيطان في سورة الاسراء مثلاً نجد أنه ورد فيها صفة الكفور (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)) ولو استعمل هذه الصفة في آية الاستعاذة لا تدل على المعنى المطلوب لأن الكفور قد يكون متجبراً وكافراً لكن ليس فيه اذلال وجاءت صفة أنه عدو مبين وللرحمن عصياً (صفة العاصي) وللانسان خذولا (مارك متمرد ومريد) وكل هذه الصفات لا تعطي صورة الإذلال والضرب بالحجارة من السماء أي الرجم (وجعلناها رجوماً للشياطين) فاختيار كلمة الرجيم لتقليل شأن الشيطان وإذلاله وأكذّ على ذلك قوله تعالى في الآية التي تلت (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)) .
لماذا استخدام لفظ الشيطان بدل ابليس مثلاً؟
يقولون ابليس من البَلَس الذي هو نوع من الخنس والاختباء وهذا المعنى لا ينسجم مع المعنى في الآية أما كلمة الشيطان فهي من الشطن والامتداد فكأنه يمتد اليكم وليس خائفاً خانعاً مبلساً ولهذا نقول دائماً كل كلمة في كتاب الله تعالى مرادة مقصودة لذاتها.
تتمة الحلقة الثانية (موضوع تعدد الصفات لموضوف واحد)
بُثّت الحلقة تاريخ 15/12/2005م