خمس وعشرون بشارة من بشارات المتقين المذكورة في القرآن
بشَّر الله عز وجل عباده المتقين في كتابه ببشاراتٍ عديدة وجعل للتقوى ثمرات وفوائد جليلة فمن ذلك :
الأولى : البُشرى بالكرامات {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى} [ سورة يونس : 63-64 ] .
الثانية : البُشرى بالعون والنصرة {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [سورة النحل: 128].
الثالثة : البُشرى بالعلم والحكمة {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً } [ سورة الأنفال : 29].
الرابعة : البُشرى بكفّارة الذنوب وتعظيم المتقي بتعظيم أجره { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [ سورة الطلاق : 5] .
الخامسة : التوفيق للعلم { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} [ سورة البقرة : 282]
السادسة : البُشرى بالمغفرة { وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [ سورة النساء : 129]
السابعة : اليُسر والسهولة في الأمر { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [ سورة الطلاق :4 ] .
الثامنة : الخروج من الغمّ والمحنة { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}[ سورة الطلاق:2]
التاسعة : رزقٌ واسع بأمن وفراغ {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [ سورة الطلاق : 3].
العاشرة : النجاة من العذاب والعقوبة {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا } [ سورة مريم : 72 ].
الحادي عشرة : الفوز بالمراد {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ} [ سورة الزمر : 61]
الثانية عشرة : التوفيق والعصمة { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}إلى قوله تعالى : {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [ سورة البقرة ].
الثالثة عشرة : الشهادة لهم بصدق { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [سورة البقرة : 177] .
الرابعة عشرة : بشارة الكرامة والإكرامية { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [ سورة الحجرات : 13].
الخامسة عشر : بُشارة المحبة { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [ سورة التوبة : 4] .
السادسة عشرة : الفلاح { وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ سورة البقرة : 189] .
السابعة عشرة : نيل الوِصال والقُربة { وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ } [ سورة الحج : 37].
الثامنة عشر : نيلُ الجزاء بالمِحنة { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [ سورة يوسف : 90]
التاسعة عشرة : قبول الصدقة { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [ سورة المائدة : 27].
العشرون : الصفاء والصفوة { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } [ سورة الحج : 32] .
الحادية والعشرون : كمال العبودية { اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [ سورة آل عمران : 102].
الثانية و العشرون : الجنات والعيون {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [ سورة الذاريات : 15] .
الثالثة والعشرون : الأمن من البليَّة {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [ سورة الدخان : 51] .
الرابعة والعشرون : عز الفوقية على الخلق { وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [ سورة البقرة : 212]
الخامسة والعشرون : الله يتولى المتقين { وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } [ سورة الجاثية : 19].
لفظ الجلالة - الله - جلّ جلاله
نستهل هذا الموضوع الجليل بذكر الله عزّ وجل ، وباسمه تبارك وتعالى ، فاسم (الله) لم يسمى به غيره جلّ جلاله ، ولهذا لا يعرف به في – كلام العرب – اشتقاق ، فهو اسم جامد وليس به حرف معجم ، بل كل حروفه مجردة من النقاط ، إشارة إلى انها كلمة إخلاص تتضمن التجرد عن كل معبود سوى الله تعالى .
وهو كل الملك .
فإذا حذفت الألف الأولى بقيت – لله – فلا يزال مدلول الملك بها ، قال تعالى : (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها
وإذا حذفت الألف واللام الأولى بقيت – له – فلا يزال مدلول الملك بها ، قال تعالى : (له ما في السموات والأرض) .
وإن حذفت الألف واللام الأولى والثانية بقيت – الهاء – فلا تزال الإشارة إليه ، قال تعالى : (هو الذي لا إله إلا هو) .
كما أنه إذا حذفت اللام الأولى بقيت – إله .
إلى جانب أن حروفه جوفية حفظت من التغيير ، ووردت بدون نقاط ، ونحن نعلم بأن النقاط أضيفت في فترة لاحقة إلى الرسم القرآني ، وعليه يكون الإتيان بذكر الله من خالص الجوف ، لا من الشفتين ، وفي كلام بعضهم لا تنطق بها الشفاة فلا يشعر بها جليس الذاكر فالإخلاص بها سهل عليه ، ولم يتجرأ شخص على هذه البسيطة ، من خلق سيدنا آدم عليه السلام إلى يومنا هذا سمّى به ، أو سُمِّيَ به ، قال تعالى : (...هل تعلم له سميا) ، فسبحان الله ، حيث ان اللفظ سبحان الله لا يقال ولا ينطق إلا لوجهه تعالى ، فسبحان الله على سبحان الله ، وحتى باللفظ باللام المشددة تحدث هناك نغمة تختلف مع كل نغمات اللامات في اللغة العربية .
من البديهي إطلاق الأسماء على المسميات بعد وجود هذه الأشياء أولا ، وعليه فإن الله اسم لموجود أزلي ، وبهذا الإسم الجليل وبحروفه الأربعة ارتبطت المخلوقات والألوان ، فالبسملة كلماتها 4 ، وقيمة حروف لفظ الجلالة بحساب الجمل هو 66 ، وعدد حروف سورة الإخلاص هو أيضا 66 حرفا ، وعدد كلماتها 19 كلمة (مع البسملة) وفي البسملة 19 حرفا ، وقد تكررت كلمة الله في القرآن الكريم 2698 مرّة ، وهذا الرقم من مضاعفات العدد 19 (19 × 142) ، كما أن (لا إله إلا الله) هي أعظم جملة موجودة في جميع اللغات حيث عدد كلماتها 4 كلمات ، والأعجب من هذا هو أن حروفها مركبة من نفس حروف الله .
كما ان اسم نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – مكون من 4 حروف معجمة ، وذكر في القرآن 4 مرّات
وعن ذكر سورة الإخلاص علينا أن نتاملها ، وان نرجع إلى كتب التفاسير ، ورغم أنها من أقصر السور ، قال عنها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (أن هذه السورة تمثل ثلث القرآن) . وعندما نتطرق إلى العدد واحد نقول : الواحد من العدد في الحساب ليس قبله شيء ، والأحد اسم أكمل من الواحد ، لو قلت : فلان لا يقوم له واحد ، لجاز في المعنى أن يقوم له اثنان أو ثلاثة أو أكثر ... وإذا قلت : فلان لا يقوم له أحد ، فقد قطعت أنه لايقوم له أي عدد مهما زاد ... فصار الأحد أكمل من الواحد ... والأحد تمنع من الدخول في الحساب ... كالضرب والطرح والقسمة والجمع وغير ذلك ، أما الواحد فداخل في الحساب منقاد للعدد .
خواطر وتأملات حول أسماء الله الحسنى
كان المشركون من العرب في جاهليتهم يسمون آلهتهم بأسماء يشتقونها من أسماء الله سبحانه ، كاللات من الله ، والعزى من العزيز ، وقد حذر الله تبارك وتعالى من اجترائهم على أسمائه وسماه إلحادًا فيها ... قال تعالى : (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) (الأعراف 180) . وقد ورد النص عليها في أحاديث الرسول ... قال صلى الله عليه وسلم : (إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة) ... ألخ . وفي رواية أخرى من حفظها دخل الجنة) ... ألخ .
نريد أن نستبعد من الحفظ معنى التلقين
قال الله تعالى : (لقد أحصاهم وعدّهم عدّا) (مريم 94) فالإحصاء غير العد ... الإحصاء معنى أكبر من العد ... هو معرفة أشمل من معرفة العد . المقصود من حفظ الأسماء هو حفظ أمانتها ... هو حمل أمانتها وعدم تضييعها ... والمقصود من إحصاء الأسماء هو شهود حقيقتها ... والأسماء الحسنى بوصفها المثل الأعلى والحقيقة المطلقة ... هي هدف المسلم في حياته في الأرض .
يذكر البعض أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى خواصًا تتعلق به ، وقد تنبه إلى ذلك منذ 900 عام تقريبًا حجّة الإسلام أبوحامد الغزالي في كتابه (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)فكتب في نهاية شرحه لكل اسم ، تنبيهًا يقول فيه : (وحظ العبد من هذا الاسم أن يكون كذا وكذا ...)
يتفق العلماء على ان من أسمائه تعالى ما لا يجوز إطلاقه على غيره سبحانه ... كالله والرحمن ... كما لا يجوز التخلق بهذين الإسمين ، وإنما يجوز التعلق بهما ، ومن أسمائه تعالى ما يجوز للمسلم أن يأخذ من أخلاقها كالرحيم والكريم ... ومن الأسماء ما يباح ذكره وحده كالعظيم والشكور ، ومن الأسماء ما لا يباح ذكره وحده كالمميت والضار ، فلا يقال يا ميت يا ضار ، وإنما يقال يا محيي يامميت ، يا نافع يا ضار ، تأدبا في حقه تعالى ، وتفاديا من إيهام ما لا يليق بجلاله سبحانه .
ومن المتفق عليه أيضا ان ما نعرفه نحن كبشر من أسماء الله تعالى ، ليس هو كل أسماء الله تعالى ، فإن لله عز وجل أسماء لا يعلمها إلا هو ، أسماء استأثر بها في علم الغيب وحده
ومن أحاديث الرسول أنه كان يدعو الله بقوله : (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدًا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وذهاب همِّي ، وجلاء حزني) . وقد فهم العلماء من هذا الحديث أن لله تعالى أسماء لم يطلع عليها أحدًا من خلقه .
أول ما نعرفه من أسماء الله الحسنى ... هو الله . قال تعالى : (وما من إله إلا الله) (آل عمران 62) .
و(الله) في العقيدة الإسلامية هو اسم رب العالمين سبحانه وهو اسم لمن انفرد بالوجود الحقيقي ، وهو أعظم الأسماء التسعة والتسعين ، لأنه دلّ على الذات الجامعة لصفات الألوهية كلها ، أما سائر الأسماء فتدلُّ على معان منفردة كالعلم والقدرة ، وهو أخص الأسماء فلا يطلق على غيره سبحانه ، لا من باب الحقيقة ولا من باب المجاز ... واسم الله أشهر الأسماء ، وهو المستغنى عن التعريف بغيره ، فنحن ننسب غيره من الأسماء إليه ، ولا ننسبه إلى الأسماء ، فنقول : أن الصبور والرحيم والشكور من أسماء الله ، ولا نقول أن الله من أسماء الصبور أو الرحيم أو الشكور
وقد اختلف العلماء هل الإسم مشتق أم لا ... قيل أنه مشتق من إله ... أي المتأله المتعالى الذي لا يحكمه أحد ويحكم كل أحد ... وقيل انه مشتق من الوله ... أي الذي يتوله في حبه أهل محبته ... وقيل أنه مشتق من الهوية ، إذ يشير كل ما في الكون إليه ... فلا إله إلا هو ... وفي العلماء من يعتقد أن كل ما ذكر في اشتقاقه وتصريفه تعسف وتكلف كالإمام الغزالي .
ويرى بعض العارفين أن كل اسم من أسمائه تعالى يصلح للتخلق به إلا هذا الإسم ... فإنه يصلح للتعلق دون التخلق ...
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أصدق بيت قالته العرب قول لبيد : ...... إلا كل شيء ما خلا الله باطل) . "المذكور الشطر الثاني للبيت وهو المطلوب" .
فـــــــــائدة
وعن الإمام مالك رضي الله عنه قال : (إنما لم يُرَى الله في الدنيا لأنه باق ، ولا يُرَى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ورُزِقوا أبصارًا باقية ... رُؤيَ الباقي بالباقي) .
فـــــــــائدة
لماذا يريد الله منا أن نحبه ، إلا إذا كان سبحانه وتعالى قد سبقنا بالحب . لا أحد من أحد أن يحبه إلا إذا كان يسبقه بفضل الحب ، فما بالك بخالق له فضل الخلق إبتداء والإيجاد والإنعام والبعث إنتهاء .
فائدة في أسماء الله الحسنى
نسوق إليكم هذا المثال حول الأسماء وصفاتها : فلو أحضرنا نارًا في موقد (نعلم أن من صفات النار الحرارة والسخونة) ، ووضعنا على هذا الموقد المشتعل قِدرًا مملوءًا بالماء ... فبعد فترة وجيزة سيسخن هذا الماء ، وسوف نطلق عليه ونقول : هذا ماء حار أو ساخن ... فالماء لم يتحول إلى نار ... ولكنه أخذ صفة من صفات النار - وهي الحرارة أو السخونة .
كل من سار في هذه الدنيا ووطأت قدمه الثرى يحتاج إلى من يعينه وينصره، ويحتاج إلى من يتوكل عليه وينصرف بقلبه إليه.
ولهذا كان التوكل على الله والاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضار، وحصول الأرزاق، والنصر على الأعداء، وشفاء المرضى وغير ذلك من أهم المهمات وأوجب الواجبات، وهو من صفات المؤمنين، ومن شروط الإيمان، ومن أسباب قوة القلب ونشاطه، وطمأنينة النفس وسكينتها وراحتها.
والآيات في الأمر بوجوب التوكل على الله، والحث عليه في كتاب الله عز وجل كثيرة منها قوله: وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة:23] وقوله تعإلى: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ [آل عمران:159] وقال عز من قائل في صفات المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2].
وفي الحديث الصحيح المتفق عليه أن النبي ذكر أنه يدخل الجنة من أمته سبعون ألفاً لا حساب عليهم ثم قال في وصفهم: { هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] ) [رواه البخاري].
وعن عمر بن الخطاب عن النبي قال: { لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً - جياعاً - وتروح بطاناً - شباعاً } [رواه أحمد والترمذي].
حقيقة التوكل:
قال ابن رجب: ( هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة وكِلَة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه ).
وقال ابن القيّم: ( التوكل: نصف الدين. والنصف الثاني: الإنابة، فإن الدين: استعانة وعبادة. فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة. ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها. ولا تزال معمورة بالنازلين. لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذه أوامره ).
وقال الحسن: ( إن توكل العبد على ربه أن يعلم أن الله هو ثقته
قال سعيد بن جبير: ( التوكل جماع الإيمان
وقال بعض السلف: ( من سرّّه أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله
وقال سالم بن أبي الجعد: ( حُدّثت أن عيسى عليه السلام كان يقول: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند الله رجز، هذه طير السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء لا تحرث ولا تحصد الله يرزقها
إن التوكل على الله أعم من أن يكون في تحصيل المال ومصالح الدنيا، بل هناك ما هو أعظم من ذلك وأنفع للعبد
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( إن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدنيا، فإن المتوكل يتوكل على اله في صلاح قلبه وبدنه، وحفظ لسانه وإرادته وهذا أهم الأمور إليه، ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ).
فهم خاطئ للتوكل
قد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة، وهذا ظن الجهال، وحرام في الشرع. ولا شك أن ترك التكسب ليس من التوكل في شيء إنما هو من فعل المبطلين الذي آثروا الراحة، وتعللوا بالتوكل.
قال ابن رجب: ( واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدّر الله سبحانه المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعإلى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب إيمان به، كما قال تعإلى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ [النساء:71]، وقال: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60]، وقال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10] ).
عن أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: { اعقلها وتوكل } [أخرجه الترمذي].
قال معاوية بن قرة: ( لقي عمربن الخطاب ناساً من أهل اليمن، فقال من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: ( بل أنتم المتآكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض، ويتوكل على الله عز وجل ) ).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ( وكان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون، فيأتون أهل مكة، فيسألون الناس، فأنزل الله: وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] ) [رواه البخاري].
التوكل عند المسلم هو إذاً عملٌ وأملٌ، مع هدوء قلب، وطمأنينة نفس، واعتقاد جازم بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
والناس مع التوكل ثلاثة أنواع:
الأول: من تواكل وقعد عن العمل ولم يأخذ بالأسباب وهذا مخالف لسنة الله عز وجل في الكون.
الثاني: من قام بالأسباب وترك التوكل وهؤلاء الماديون وأتباعهم.
الثالث: أهل الحق من قاموا بالأسباب وتوكلوا على الله عز وجل. وهذا هو طريق الرسل والأنبياء ومن تبعهم بإحسان، فهم يعملون للجنة ويتوكلون على الله، ويعملون في مصالحهم وهم متوكلون على الله، ويجاهدون وهم مستعدون متوكلون.
قال النبي : { المؤمن القويّ أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان } [رواه مسلم].
وعن أنس قال: قال رسول الله : { من قال - يعني إذا خرج من بيته - بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت ووُقيت، وكُفيت، وتنحى عنه الشيطان } [رواه أبو داود والترمذي]، وزاد أبو داود: { فيقول - يعني الشيطان - كيف برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟ }.
جعلنا الله من المتوكلين على الله حق التوكل. ورزقنا الإنابة والخضوع والحاجة له وحده دون ما سواه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين