الحجاب
لاحظت أن كثيرا من المسلمين و المسلمات تنقصهم الرؤية الكاملة للحجاب لذلك نرى تهاونا كبيرا في تطبيق هذا المبدأ السامي من مبادئ الإسلام مما أدى إلى كثير من المشكلات الاجتماعية في المجمع الإسلامي و بالتالي قد تداعت علينا الأمم. لذا فقد رأيت أن من واجبي إكمال النقص في الرؤية من خلال مفهوم الحجاب عند الدكتور محمد سعيد البوطي في كتابه على طريق العودة إلى الإسلام.
الحجاب و المقصود به أن تطوي المرأة ما قد يبدو فيها من مظاهر الفتنة و الإغراء عن الرجال الأجانب عنها ، بقطع النظر عن أي لباس أو كيفية معينة يتم بها ذلك . و مصدر هذا الواجب قول الله عز و جل : (( يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلاببهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين )) و قوله عز و جل : (( و ليضربن بخمرهن على جيوبهن و لا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها ))
أما وجه المصلحة الداعية إلى ذلك ، فمردها إلى الله عز و جل شاء أن يجعل تكاثر الناس عن طريق التزاوج . فهيأ في النفوس من دواعي ذلك و أسبابه ، و شد ميول كل جنس إلى الآخر . ثم أذكى عاطفة الأبوة و الأمومة بين جوانح الجنسين . و لما كانت هذه العاطفة الأبوية لا تعمل عملها الطبيعي و لا تيسر للأبوين الجهد الذي يتحملانه في رعاية الصغار ، الا تحت سلطان قانون صارم ينظم اتصال الجنسين و يحملهما مسؤولية إنشاء أول خلية في المجتمع و هي الأسرة ، شرع الله نظام الزواج و رتب له قيوده و حدوده ، كي لا تضيع صلة الآباء بالأبناء فتهدر المهمة كلها . ثم بنى عليه المسؤوليات المتفرعة عنه ، و حرم كل اتصال جنسي شارد عن حدوده .
و هنا تبدو المشكلة التالية : أن دواعي النفوس مطلقة ، و ميول كل جنس مشدود إلى الآخر ، دون أن تعرف هذه الميول الطبيعية نظاما أو قيودا ! .. فكان لا بد من مؤيدات لتنظيم صلة ما بين الجنسين تعين تلك الدواعي و الميول على الانضباط و تروضها على الانسجام مع ما تقتضيه رعاية الأسرة و الاحتفاظ على مسؤولياتها و سير الرعاية و التربية فيها . فكان ما قد شرعه الله لذلك من تكليف المرأة بالحجاب ، و نهي أفراد الجنسين من الخلوة و من الاختلاط الا عندما تلح المصلحة و تؤمن الفتنة ، و بعد التقيد بشروط بينتها الشريعة الإسلامية في ذلك . و لقد كان هذا كله واحدا من المؤيدات الكثيرة التي شرعها الله تعالى لإيجاد المناخ الصالح و الملائم لتنظيم صلة ما بين الجنسين .
و مهما قلنا في حدود الحجاب و كيفيته ، فانه ما كان في يوم ما عثرة تصد المرأة المسلمة عن شيء من واجباتها أو تحرمها من الوصول إلى شيء من حقوقها . بل كان في الحقيقة و لا يوال من أهم السبل التي تمكنها من أداء رسالتها على خير وجه .
إن كل مطلع التاريخ يعلم أن تاريخنا الإسلامي مليء بالنساء المسلمات اللآتي جمعن بين الإسلام أدبا و احتشاما و سترا ، و علما ونشاطا و فكرا ، دون أن تتعثر واحدة منهن يوما ما بفضول حجابها أو سابغ ثيابها . بل انني أقرر- وأنا شاهد عيان- أن في فتياتنا الجامعيات بدمشق متحجبات بحجاب الإسلام ، متمسكات بحكم الله عز وجل ، وهن أسبق إلى النهضة العلمية والثقافية والنشاط الاجتماعي من سائر زميلاتهن الشاردات.
أن التخلف – كما سبق أن قلنا – له أسبابه و التقدم له أسبابه ، و اقحام شريعة الستر و الأخلاق في الأمر خدعة مكشوفة ، لا تنطلي الا على متخلف عن مستوى الفكر و النظر .
و لا بد من الإشارة هنا إلى أن عفة الفتاة الحقيقية كامنة في ذاتها ، و ليست غطاء يلقي و يسدل على جسمها . و ما كان للثياب أن تنسج لصاحبها عفة مفقودة أو تخلق له استقامة معدومة . و ما شرع الله حجاب المرأة ليخلق لها هذه العفة و الطهارة في أخلاقها. وإنما شرعه محافظة على عفة الذين قد تقع أبصارهم على مفاتنها . ولو كان المأمول في الحجاب أن يكون- كما يتوهم البعض – مجرد تصعيد لخلق الفتاة وعفتها، إذن لأجازت الشريعة الإسلامية أن تبرز الفتاة المحصنة الخلوقة عارية أمام الرجال كلهم ، في أبهى مظاهر الفتنة والجمال.
دعوة لأخواتي المسلمات للحجاب:
قال الله تعالى في الحديث القدسي:" يا ابن آدم خلقت الكون لك وخلقتك لنفسي ، فلا تنشغل بما هو لك عمّا أنت له" وقال تعالى في كتابه العزيز: "وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون"
خلقنا الله تعالى لهدف واضح وهو عبادته سبحانه ووضع لنا لهذه العبادة منهجاً متكاملاً فيه خيري الدنيا والآخرة وأمرنا أن نطبقه كما هو لنكون من عباده المخلصين المؤمنين. وقد ننشغل في حياتنا اليومية وتزّين لنا الحياة الدنيا مغريات عديدة لا نعي مقدار خطورتها ونمنّي أنفسنا بطول العمر وأنه لا زال أمامنا وقت للتوبة والعبادة وكثير من يقول ما زلت صغيراً على الإلتزام التام بمنهج الله وغاب عن أذهاننا أن الله تعالى لم يعطينا منهجاً خاصاً للصغار وآخر للفتية وآخر للشيوخ لكنه أنزل المنهج للجميع فعلى الناس جميعاً أن يطبقوه كما أمرنا الله تعالى.
أخواتي في الله ، قد تتردد الكثيرات منّا في إرتداء الحجاب الذي فرضه الله تعالى على نساء المسلمين وهذا بحجة أن الله تعالى لم يهدها بعد، حاشا لله أنفتري على الله ما لا نعلم؟ إن هداية الله تعالى لخلقه جميعاً هي دلالة المعرفة فهو سبحانه وهبنا العقول لندرك فيها أنه الله خالق الخلق إلهنا وقد دلّنا على طريق الخير والشر وأنزل لنا منهجاً متكاملاً حتى نطبقه ونسعد في الدنيا والآخرة وهذا المنهج لا هو بعسير ولا شاقّ ولا مستحيل التطبيق، إنه منهج حياة الإنسان المسلم الذي فيه خيره وهذا بتقدير من الله تعالى فهو أعلم بما يفيد خلقه وإن كنا لا نرى أحياناً هذا ولا نعي الحكمة في منهج الله بافعل ولا تفعل. إنما الهداية التي تتحدث عنها المؤجلات لفكرة ارتداء الحجاب فهي دلالة المعونة التي يعطيها الله تعالى لمن يطلبها منه ويسعى لها، فلنحرص أخواتي أن نطلب هذه المعونة من الله تعالى ونخلص له النية ونعقد العزم على أن نطبق المنهج كاملاً لا نأخذ بعضه ونعرض عن بعض كما فعل بنو اسرائيل الذين غضب الله عليهم ولعنهم في الدنيا والآخرة. وأمة الإسلام أمة متميزة في كل شيء في قبلتها ومنهجهها وكلامها وكتابها الخاتم ورسولها الأكرم وكذلك بزيّها . فكيف لو أن الموضة الأوروبية أنزلت إلى الأسواق زيّاً فيه حجاب أو أي غطاء للرأس؟ قد نرى كل النساء تتسارعن لارتدائه فهل يعقل أن نطيع خلق الله ونعرض ونعصي خالق الخلق.؟وهذا التردد صدقوني ما هو إلا تزيين من أنفسنا لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي وليس هذا من نزغ الشيطان كما نحب أن نسميه، ولنتذكر معاً قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا) سورة الأحزاب آية 36. فقد كانت هذه الآية سبباً في ارتدائي الحجاب ولله الحمد فقد كنت قد قرأتها مراراً لكني لم أفهم معناها إلى أن كان يوم في رمضان من أعوام ست خلت ، سمعت شيخ الأزهر يقرأها ويشرح كيف يمكن للمؤمن أن يعصي الله وهو لا يعلم، وذلك بأن ننفذ بعض أوامره ونعرض عن بعض ونقول نؤجلها للمستقبل لكن من منّا يضمن غده ومن يضمن أن يحيا للثواني القليلة المقبلة. أفلا يستدعي هذا الأمر أن إذا سمعنا أمراً إلهياً او من الرسول أن نقول كما قال سلفنا الصالح: سمعنا وأطعنا ولا نقول والعياذ بالله كبني اسرائيل سمعنا وعصينا. وفقنا الله جميعاً للعمل بمنهج الله تعالى واتباع أوامره وإجتناب نواهيه حتى نكون من المفلحين ومن أهل الجنة اللهم آمين. وأسأل الله العلي القدير أن تقع هذه الكلمات في قلوب من يقرأها من أخواتي المسلمات لأن العمر يمر واليوم الذي يذهب لا يعود وقد يأتي يوم نتحسر فيه على تقصيرنا وتفريطنا في طاعة الله. ولا تأبهي أختاه إلى ما سيقوله الناس عنك إذا كان محيطك غير ملتزم بالحجاب فوالله الذي لا إله إلا هو ما شعرت بالعزة يوماً كما أشعر بها الآن وأنا في حجابي وما شعرت بالثقة تملأ قلبي ونفسي إلا وأنا قد التزمت بما أمر الله تعالى به فله الحمد وله الشكر هداني بفضله وكرمه وأسأله أن يزّين نساء المسلمين بالحجاب الشرعي ويجمّلهم بالتقوى وأن يثبّت قلوبنا على طاعته . اللهم آمين.
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، يسّر بفضله ومنته حفظ كتابه لمعشر الأخوات والنساء الطيّبات، فرأينا فيهنّ تحقيق موعود الله بتيسير القرآن للحفظ والذّكر، كما قال عزّ وجلّ : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [ القمر :40 ] .
فيا حافظة القرآن هنيئاً لكِ فقد استعملك الله لحفظ كتابه في الأرض:
فكنتِ ممن حقق الله بهم موعوده في قوله: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : 9 ] .
يا حافظة القر آن لا تستقلّي ما فعلتِ فإنّ ما بين جناحيك هو العلم :
قال الله تعالى : ( بَلْ هُوَ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) [ العنكبوت : 49 ] .
ففي صدرك كتاب لا يغسله الماء، وقد جاء في الكتب المقدسة في صفة هذه الأمة : "أناجيلهم في صدورهم" .
يا حاملة القرآن أنت المحسودة بحقٍّ، المغبوطة بين الخلق :
حسدكِ هو الحسد الجائز، قال النبي : "لا تَحَاسُدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ : لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ " [ رواه البخاري 6974 ] .
والحسد الجائز هو الغبطة وهي تمني مثل ما للغير من الخير دون تمني زوال النعمة عنه .
يا حافظة القرآن ويا أترجة الدنيا:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ ريحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ " [ رواه البخاري رقم 5007 ومسلم 1328 ] وعنون عليه في صحيح مسلم : باب فضيلة حافظ القرآن .
قوله : ( طعمُها طيِّبٌ وريحُها طيبٌ ) خصَّ صفة الإيمان بالطعم وصفة التلاوة بالرائحة؛ لأنّ الطّعم أثبت وأدوم من الرائحة .
والحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح أنها يُتداوى بقشرها، ويُستخرج من حبِّها دهنٌ له منافع، وقيل : إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج . فناسب أن يمثّل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين, وغلاف حَبِّه أبيض فيناسب قلب المؤمن, وفيها أيضاً من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة وجودة هضم ودباغ معدة .
يا حافظة القرآن أتدرين أين رتبتك ؟
روت أمُّكِ عَائِشَة عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : "مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ" [ البخاري 4556 ] .
والسفرة : الرسل؛ لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله, وقيل : السفرة : الكتبة , والبررة : المطيعون , من البر وهو الطاعة.
والماهر : الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا تشق عليه القراءة لجودة حفظه وإتقانه, قال القاضي : يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقاً للملائكة السفرة؛ لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى . قال : ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم وسالك مسلكهم .
والماهر أفضل وأكثر أجراً ; لأنه مع السفرة وله أجور كثيرة, ولم يذكر هذه المنزلة لغيره, وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته وروايته كاعتنائه حتى مهر فيه؟! والله أعلم .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو عَن النَّبِيِّ قَالَ : " يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا" [ رواه الترمذي 2838 وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] .
قوله : ( يقال ) أي عند دخول الجنة ( لصاحب القرآن ) أي : مَنْ يلازمه بالتلاوة والعمل ( وارتق ) أي : اصعد إلى درجات الجنة، ( ورتل ) أي : اقرأ بالترتيل ولا تستعجل بالقراءة ( كما كنت ترتل في الدنيا ) من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف ( فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها )، قال الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة في الآخرة , فيقال للقارئ أرق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن , فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة , ومن قرأ جزءاً منه كان رقيُّه في الدرج على قدر ذلك, فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة .
يا حافظة القرآن هنيئاً لكِ فقد عمَّرت قلبكِ بكلام الله وأقبلتِ على مأدبته :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ : "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنِّي لا أَعْلَمُ شَيْئًا أَصْغَرَ مِنْ بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَإِنَّ الْقَلْبَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ خَرِبٌ كَخَرَابِ الْبَيْتِ الَّذِي لا سَاكِنَ لَهُ " [ رواه الدارمي 3173 ] .
يا حاملة القرآن مبارك عليكِ ومبارك لكِ إن أخلصت الآن نجوت بحفظكِ من عذاب النيران :
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلا يَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْمَصَاحِفُ الْمُعَلَّقَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يُعَذِّبَ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ " [ رواه الدارمي 3185 ] .
يا حاملة القرآن هنيئاً لكِ بشفاعة كتاب الله فيك وحليّك يوم القيامة إن ثبت أعظم مما تلبسين الآن :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : "يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ، حَلِّهِ فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ زِدْهُ فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ . ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ، ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَى عَنْهُ . فَيُقَالُ لَهُ : اقْرَأْ وَارْقَ وَتُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً " [ رواه الترمذي 2839 وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ].
ياأم حافظة القرآن هنيئاً لكِ بابنتك :
عن بريدة قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : " تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ( أي السحرة ) قَالَ : ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ يُظِلانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ : مَا أَعْرِفُكَ . فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ : مَا أَعْرِفُكَ . فَيَقُولُ : أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولانِ : بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟ فَيُقَالُ : بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلا." [ رواه الإمام أحمد 21892 وحسنه ابن كثير وهو في السلسلة الصحيحة للألباني 2829 ] .
يا حافظة القرآن إن المحافظة على القمة أصعب من الوصول إليها :
عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ الإبلِ فِي عُقُلِهَا" [ رواه البخاري 4645 ] .
قوله : ( تعاهدوا ) أي استذكروا القرآن وواظبوا على تلاوته، واطلبوا من أنفسكم المذاكرة به ولا تقصروا في معاهدته واستذكروه … من شأن الإبل تطلب التفلت ما أمكنها، فمتى لم يتعاهدها برباطها تفلتت، فكذلك حافظ القرآن إن لم يتعاهده تفلت بل هو أشد في ذلك . وقال ابن بطال : هذا الحديث يوافق الآيتين : قوله تعالى : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [ المزمل : 5 ] وقوله تعالى : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [ القمر : 17] فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسّر له، ومن أعرض عنه تفلت منه [ فتح الباري ].
وعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَثَلُ الْقُرْآنِ مَثَلُ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ تَعَاهَدَهَا صَاحِبُهَا بِعُقُلِهَا أَمْسَكَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ ذَهَبَتْ " [ رواه البخاري 4643 ] .
فيا حافظة القرآن لا تزحزحي نفسك عن هذه الرتبة العالية بعد إذ نلتيها :
قال بن حجر رحمه الله في الفتح : " اختلف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، قال الضحاك بن مزاحم : ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه، لأن الله يقول : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)[ الشورى : 30 ] . ونسيان القرآن من أعظم المصائب …
وجاء عن أبي العالية رحمه الله : كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه . وإسناده جيد . ومن طريق بن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن : كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولاً شديداً… والإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره … وترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد . وقال إسحاق بن راهويه : "يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوماً لا يقرأ فيها القرآن . " أهـ
يا حافظة القرآن قومي به وأكثري درسه تعيشي به:
قال الذهبي في السّيَر : قال أبو عبد الله بن بشر : ما رأيت أحسن انتزاعاً لما أراد من آي القرآن من أبي سهل بن زياد، وكان جارنا وكان يُديم صلاة الليل والتلاوة، فلكثرة درسه صار القرآن كأنه بين عينيه .
يا حافظة القرآن ما دمت حفظتيه في قلبكِ فاحفظي به جوارحك :
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره : يجب على حامل القرآن وطالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمل لله، فإن كان تقدم له شيء مما يكره فليبادر التوبة والإنابة، وليبتدئ الإخلاص في الطلب وعمله، فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أكثر مما يلزم غيره، كما أن له من الأجر ما ليس لغيره .
يا حاملة القرآن لا يغرنك الحفظ فتتركي العمل :
فقد وقع في رواية شعبة عن قتادة : "المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به مع السّفرة الكرام البررة "وهي زيادة مفسرة للمراد، وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي وليس التلاوة فقط .
يا حاملة القرآن قدِّري مكانة الذي في صدركِ وأعطيه حقّه ومنزلته :
وكما ارتقيت إلى المنزلة العالية بحفظه فعليك في المُقابل مسئولية وواجباً يوازي ذلك . فإن الحفظ ليس نيشاناً يُعلّق ولا شهادة تُزوّق ولا مكافآت تُفرّق؛ لكنه أمانة يجب القيام بحقّها.
ينبغي لحامل القرآن أن يكون على أكرم الأحوال وأكرم الشمائل .
قال الفضيل بن عياض : حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن .
إنّه ثابت الجنان قائم بالحق ، ولما حارب المسلمون مسيلمة الكذّاب وقُتل حامل رايتهم زيد بن الخطاب تقدّم لأخذها سالم مولى أبي حذيفة فقال المسلمون : يا سالم، إنا نخاف أن نُؤتى من قبلك - فقال : بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قِبَلي . فقطعت يمينه فأخذ اللواء بيساره، فقطعت يساره فاعتنق اللواء وهو يقول : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُوْلٌ ) [ آل عمران : 144 ]. ( وكأين مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّوْنَ كَثِيْر) [ آل عمران : 146 ]. فلما صُرع قيل لأصحابه : ما فعل أبو حذيفة؟ قيل : قُتل .[ الجهاد لابن المبارك ].
يا حاملة القرآن إياكِ والتكبّر على من ليس بحافظ؛ فلربما أفلح المقلّ المعذور وخسر الحافظ المغرور:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ : أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لَهُ : اقْرَأْ ثَلاثًا مِنْ ذَاتِ (الر) فَقَالَ الرَّجُلُ : كَبِرَتْ سِنِّي وَاشْتَدَّ قَلْبِي وَغَلُظَ لِسَانِي، قَالَ: فَاقْرَأْ مِنْ ذَاتِ (حم) فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَقَالَ : اقْرَأْ ثَلاثًا مِنْ الْمُسَبِّحَاتِ . فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ . فَقَالَ الرَّجُلُ : وَلَكِنْ أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةً جَامِعَةً، فَأَقْرَأَهُ ( إِذَا زُلْزِلَتْ الأرْضُ) حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ الرَّجُلُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أَزِيدُ عَلَيْهَا أَبَدًا ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ" [ رواه أبو داود 1191 ورجاله ثقات، وعيسى بن هلال الصدفي وثّقه ابن حبّان وقال الحافظ في التقريب : صدوق . وأورد الألباني الحديث في ضعيف سنن أبي داود 300 ] .
يا حاملة القرآن لا تنتظري من الناس ثناءً ولا تقديراً وجاهدي أن لاتتأثري بمدحهم وإطرائهم إخلاصاً لله :
نعم يجب عليهم أن يوقروا حاملة القرآن؛ لأنّ في جوفها كلام الله، وإن من إجلال الله إكرامَ حامل القرآن غيرَ الغالي فيه ولا الجافي عنه . قال ابن عبد البَرّ رحمه الله: وحملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله، المعظّمون كلام الله، المُلبسون نور الله، فمن والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد استخف بحق الله تعالى . وقد نقل صاحب كتاب الفواكه الدواني قول أهل العلم : بأنّ غيبة العالم وحامل القرآن أعظم من غيبة غيرهما . اهـ ومع ذلك فإنّ على صاحب القرآن ألا يغترّ بحقّ وحرمة الحفظة فلربما أخرجه عدم الإخلاص من بينهم .
وداع
فإذا تخرّجت الأخت من دار تحفيظ القرآن ودنا الرحيل وقرُب الفراق من المدْرسة والمدرّسة، فينبغي تذكّر المجهود وتقدير المنزلة حقّ قدرها، ويُختم بوصيّة مناسبة، وهذه كلمات عبد الله بن مسعود وهو يودّع طلابه في الكوفة بعد أن اجتهد في تعليمهم وتحفيظهم وأراد السّفر إلى المدينة : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ هَمدَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ : لَمَّا أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصْبَحَ الْيَوْمَ فِيكُمْ مِنْ أَفْضَلِ مَا أَصْبَحَ فِي أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الدِّينِ وَالْفِقْهِ وَالْعِلْمِ بِالْقُرآن، إِنَّ هَذَا الْقُرآنَ أُنْزِلَ عَلَى حُرُوفٍ، فمَنْ قَرَأَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ الَّتِي عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ فَلا يَدَعْهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهُ مَنْ يَجْحَدْ بِآيَةٍ مِنْهُ يَجْحَدْ بِهِ كُلّهِ [ رواه الإمام أحمد 3652].
دعاء
اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ وَالْعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامُ، نَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ يَا رَحْمَنُ بِجَلالِكَ وَنُورِ وَجْهِكَ أن تهدي هَؤلاءِ الحَافِظَاتِ، وأَنْ تُلْزِمَ قُلوبَهُنَّ حِفْظَ كِتَابِكَ كَمَا عَلَّمْتهن، وأن َترْزُقهن تلاوتهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنهن، اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ وَالْعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامُ، نَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ يَا رَحْمَنُ بِجَلالِكَ وَنُورِ وَجْهِكَ أَنْ تُنَوِّرَ بِكِتَابِكَ أَبْصَارَهنَّ، وَأَنْ تُطْلِقَ بِهِ ألسِنتَهنَّ، وَأَنْ تغسلَ بِهِ قُلوبَهنَّ، وَأَنْ تَشْرَحَ بِهِ صُدورَهنَّ، وَأَنْ تفرّج به هُمومَهنَّ وسَائرَ المسلمينَ والمسلماتِ، وصلى الله على نبينا محمد .
كتبه: محمد صالح المنجد