ردود على أوهام حول حقوق المرأة في الإسلام(للشيخ لدكتور محمد سعيد البوطي)

(بحث مقدم إلى مؤتمر كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التاسع "إشكالية المرأة المعاصرة")

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا أعلم‏،‏ وقد بحثت كثيراً في مسألة المرأة وحقوقها والإشكالات التي تطرح اليوم بشأنها‏،‏ أن الإسلام فاوت في حق من حقوق الإنسانية بين الرجل والمرأة‏،‏ وأنه جعل من صنف الذكورة والأنوثة سبباً لهضم حقوق أحد النوعين‏،‏ وإليكم البيان‏:‏

إن الحقوق الإنسانية كلها تتجمع في الحقوق الكلية التالية‏:‏

1‏-‏ حق الحياة‏.‏

2‏-‏ حق الأهلية‏.‏

3‏-‏ حق الحرية‏.‏

ولا أرى داعياً إلى إضافة ما يسمى بالحقوق الاجتماعية‏،‏ إذ إن أكثرها يدخل في حق الحرية‏.‏

وتتفرع عن كل من هذه الكليات الثلاثة‏،‏ حقوق متفرعة كثيرة‏،‏ ولدى الرجوع إلى موقف الشريعة الإسلامية من هذه الحقوق وفروعها‏،‏ وإلى معرفة مدى اهتمامها بها ورعايتها لها‏،‏ لانجد للذكورة أو الأنوثة ‏-‏ من حيث هي ‏-‏ أي مدخل إلى الاهتمام أو الاستخفاف بشيء من هذه الحقوق‏،‏ وإنما الذي يتحكم بالأمر‏،‏ ما تقرره هذه الشريعة من ضرورة التنسيق بين الحقوق والواجبات‏،‏ وبين الوظائف والصلاحيات‏.‏

حق واحد فقط‏،‏ لم يثبته الشارع الحكيم جل جلاله للمرأة‏،‏ ‏(‏أقول‏:‏ لم يثبته ولا أقول‏:‏ حجبه‏)‏ ألا وهو حق رئاسة الدولة‏،‏ وسيأتي بيان الحكمة من ذلك‏.‏

ولاريب أن هذا المدخل الذي أجعل منه منطلقاً لحديثي‏،‏ يثير اعتراضات واستنكارات ربما كثيرة‏.‏‏.‏ فالرواسب المستقرة والمتكاثرة في أذهان كثير من الناس‏،‏ توحي إليهم أن الشريعة الإسلامية ميزت بين الرجل والمرأة في الحقوق لعاملي الذكورة والأنوثة ذاتهما‏.‏ فسَمتْ بالرجل إلى مزيد من الحقوق مكّنته من التمتع بها‏،‏ وهبطت بالمرأة إلى مستوى من الدُّون حرمتها من بعض تلك الحقوق‏،‏ ومن ثم فإن هذا القرار الذي أبدأ به حديثي‏،‏ ربما تلقاه الكثير بالاستنكار أو الاستغراب‏.

حق الحياة-حق الأهلية

ولكن هاأنا ذا سأدخل في تفاصيل هذا البحث‏،‏ بالقدر الذي يبرز ويؤكد حقيقة ما أقول‏:‏

لن أتحدث في حق الحياة وما يتفرع عنه‏،‏ إذ ليس في شيء من هذا الحق أو ما يتفرع عنه‏،‏ أي مشكلة تثار في مجال الحديث عن حقوق المرأة‏،‏ فحياة كل من الرجل والمرأة مقدسة على حد سواء‏،‏ والروادع التي تحمي حياتهما واحدة‏.‏‏.‏ فإن قال قائل‏:‏ ولكن الشريعة فاوتت بين ديتي الرجل والمرأة‏،‏ فالجواب أن الدية تسوية حقوقية‏،‏ وليست عقوبة رادعة ونظراً لأن الخسارة المالية بوفاة رب الأسرة أفدح منها بوفاة الزوجة ربة الأسرة عادة‏،‏ فقد اقتضى سير العدالة هذا التفاوت‏.‏‏.‏ ونظراً إلى هذا المعنى الذي يكمن وراء مشروعية الدية‏،‏ فقد أدخلها كثير من الفقهاء في أحكام الإمامة والسياسة الشرعية ومن ثم فإن للقاضي أن يعلو ويهبط بدية المرأة‏،‏ حسب حجم الخسارة المالية التي حاقت بالأسرة‏،‏ لمقتلها‏.‏

غير أن الجدل يتطاول ويمتد عادة في الحديث عن حقي الأهلية والحرية‏،‏ فلنقف ببيان شاف عند المشكلات التي تثار بالنسبة لكل منهما‏.‏

 

أما حق الأهلية‏: وهو كما معلوم من الحقوق المدنية‏،‏ من تملك وتصرفات بالممتلكات وإنفاذ للعقود‏،‏ وإقامة علاقات ونحوها‏،‏ فالمشكلات التي تثار حيال أحكامها التفصيلية هي الميراث والشهادة‏.‏

‏(‏أما الميراث‏)‏ فقد ألقت الجهالة المفرطة لدى كثير من الناس في أحكامها‏،‏ أعباء ظلم شنيع انحط على الشريعة الإسلامية‏،‏ ومن ثم نسجت وهماً لا أصل له في قسمة الميراث بين الرجل والمرأةü.‏

يجعل هؤلاء الجهال من قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ‏}‏ ‏‏ [النساء‏:‏4‏/‏11‏] قاعدة مطردة نافذة في حال كل رجل وامرأة يلتقيان على قسمة ميراث‏.‏‏.‏ بل ربما جعلوا من هذا الجزء من آية في كتاب الله تعالى‏،‏ ساحة تفكّه وتندّر‏،‏ فيما تقرره الشريعة الإسلامية طبق وهمهم‏،‏ من أن الرجل يفوز دائماً بضعف ما تفوز به المرأة من حقوق‏.‏

إن الآية تبدأ بقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ‏}‏ [‏النساء‏:‏4‏/‏11‏] إذن فبيان الله تعالى يقرر هذا الحكم في حق الولدين أو الأولاد‏.‏

أما الورثة الآخرون‏،‏ ذكوراً وإناثاً‏،‏ فلهم أحكامهم الواضحة الخاصة بكل منهم‏،‏ ونصيب الذكور والإناث واحد في أكثر الحالات‏،‏ وربما زاد نصيب الأنثى على نصيب الذكر في بعض الأحيان‏،‏ وإليكم طائفة من الأمثلة‏:‏

 

إذا ترك الميت أولاداً وأباً وأماً‏،‏ ورث كل من أبويه سدس التركة‏،‏ دون تفريق بين ذكورة الأب وأنوثة الأم‏،‏ وذلك عملاً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ‏}‏ [النساء‏:‏4‏/‏11]‏‏

إذا ترك الميت أخاً لأمه أو أختاً لأمه‏،‏ ولم يكن ثمة من يحجبهما من الميراث‏،‏ فإن كلاً من الأخ والأخت يرث السدس‏،‏ دون أي فرق بين ذكر وأنثى‏،‏ عملاً بقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ‏}‏‏‏ ‏[النساء‏:‏4‏/‏12]‏

إذا ترك الميت عدداً من الإخوة للأم‏،‏ اثنين فصاعداً‏،‏ وعدداً من الأخوات للأم‏،‏ إثنتين فصاعداً‏،‏ فإن الإخوة يرثون الثلث مشاركة‏،‏ والأخوات يرثن الثلث مشاركة‏،‏ دون تفريق بين الإناث والذكور‏،‏ لصريح قول الله تعالى‏:‏‏{‏فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ‏}‏‏ ‏[النساء‏:‏4‏/‏12]‏

إذا تركت المرأة المتوفاة زوجها وابنتها‏،‏ فإن ابنتها ترث النصف‏،‏ ويرث والدها الذي هو زوج المتوفاة‏،‏ الربع‏،‏ أي إن الأنثى ترث هنا ضعف ما يرثه الذكر‏.‏

إذا ترك الميت زوجة وابنتين وأخاً له‏،‏ فإن الزوجة ترث ثمن المال‏،‏ وترث الابنتان الثلثين‏،‏ وما بقي فهو لعمهما وهو شقيق الميت‏،‏ وبذلك ترث كل من البنتين أكثر من عمهما‏،‏ وذلك هو قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلمطبقاً لحكم الله عز وجل في آية الميراث‏.‏

 

إذن فقد تبين أن قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن‏}‏ ليس قاعدة عامة‏،‏ بل هي قيد للحالة التي ذكرها الله تعالى‏،‏ أي الحالة التي يعصّب فيها الوارث الذكر أخته‏.‏

وأما الشهادة‏،‏ فقد كانت هي الأخرى دليلاً آخر على ظاهرة اللامساواة بين الرجل والمرأة‏،‏ وأساس ذلك عندهم قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ‏.‏‏.‏‏}  ‏[البقرة‏:‏2‏/‏282‏]‏

وأقول باختصار‏:‏ إن الشروط التي تراعى في الشهادة‏،‏ ليست عائدة إلى وصف الذكورة أو الأنوثة في الشاهد‏،‏ ولكنها عائدة في مجموعها إلى أمرين اثنين‏:‏

أولهما‏:‏ عدالة الشاهد وضبطه‏.‏‏.‏

ثانيهما‏:‏ أن تكون بين الشاهد والواقعة التي يشهد بها صلة تجعله مؤهلاً للدراية بها والشهادة فيها‏.‏

إذن فشهادة من خدشت عدالته‏،‏ أو لم يثبت كامل وعيه وضبطه‏،‏ لاتقبل‏،‏ رجلاً كان الشاهد أو امرأة‏.‏‏.‏ كذلك لابدّ من أن يتحقق القدر الذي لابد منه من الانسجام بين شخص الشاهد والواقعة التي يشهد فيها‏،‏ وإلاّ ردّت الشهادة رجلاً كان الشاهد أو امرأة‏،‏ وإن تفاوتت العلاقة بين المسألة التي تحتاج إلى شهادة وأشخاص المتقدمين للشهادة‏،‏ كانت الأولوية لشهادة من هو أكثر صلة بهذه المسألة وتعاملا معها‏.‏

وانطلاقاً من هذه القاعدة‏،‏ فإن الشارع يرفض شهادة المرأة على وصف جناية ما وكيفية ارتكاب الجاني لها‏،‏ إذ أن تعامل المرأة مع الجرائم وجنايات القتل ونحوها‏،‏ يكاد يكون من شدة الندرة معدوماً‏،‏ والأرجح أنها إن صادفت عملية سطو من هذا القبيل‏،‏ فستفر من هذا المشهد بكل ما تملك‏.‏

وعلى العكس من ذلك شهادة المرأة من أمور الرضاع والحضانة والنسب‏.‏‏.‏ فإن الأولوية فيها لشهادة المرأة‏،‏ إذ هي أكثر اتصالاً بهذه الأمور من الرجل‏،‏ بل ذهب الشعبي إلى أن هذه الأمور مما لايصح فيها إلا شهادة النساء‏.‏

أفترون‏،‏ إذن‏،‏ أن هذا النظام التنسيقي بين شخص الشاهد والموضوع المشهود فيه آت من التسامي برجولة الرجل من حيث هو والهبوط بأنوثة المرأة من حيث هي‏؟‏ أعتقد أننا جميعاً متفقون بأن هذا الوهم لاينطلي إلا على ذهن جاهل بعيد كل البعد عن تتبع أحكام الشريعة الإسلامية‏.‏

والأهم من هذا‏،‏ أن مما يغيب عن بال كثير من الناس أن هذه الشروط التي ترعاها الشريعة الإسلامية لصحة الشهادة إنما هي للشهادة التي تعدّ في القضاء الإسلامي بيّنة كاملة يترتب عليها الحكم‏.‏

أما الشهادة التي يستعان بها في مجال التحقيق‏،‏ دون أن يُعتمد عليها وحدها في الحكم‏،‏ وهي التي تدخل تحت ما يسمى بـ‏(‏‏(‏قرائن الأحوال‏)‏‏)‏ فمن المتفق عليه أن لافرق بين شهادة الرجل والمرأة قط‏،‏ في سائر القضايا على اختلافها‏،‏ إذ هي قرائن ومستندات في طريق التحقيق‏،‏ وليست بينة كاملة ينبني عليها الحكم‏،‏ وبهذا يتبين أن الشريعة الإسلامية‏،‏ لم تلتق مع القوانين الوضعية قي مدى الإعتداء بشهادة المرأة فقط‏،‏ بل سبقتها بأشواط‏.‏‏.‏فإن القوانين الوضعية إنما تعتد بشهادة المرأة على مستوى ‏(‏‏(‏قرائن الأحوال‏)‏‏)‏ لا على أنها بينة كاملة سواء جاءت من الرجل أو المرأة‏،‏ كما هو قرار الشريعة الإسلامية‏(‏1‏)‏ ‏.‏

قد يقول هنا قائل‏:‏ فهل ترجح شهادة المرأة على شهادة الرجل‏،‏ أو العكس‏،‏ إذا ما تحولت الأعراف من حال إلى حال‏؟‏

والجواب أن مقتضى العلة التي على أساسها تقبل الشهادة أو ترفض ‏-‏ بعد استثناء شرطي العدالة والضبط في الشاهد‏،‏ أن يدور الحكم في ذلك مع دوران الأعراف الاجتماعية شريطة أن تدور في مناخ المباحات الشرعية وضمن دائرتها‏.‏

فينبغي مثلاً أن تغدو الأولوية في الشهادة على الولادة والذيول المترتبة عليها‏،‏ للرجال‏،‏ حيث يصبح القائمون بأمر التوليد الأطباء‏،‏ لقلة أو لعدم وجود طبيبات متخصصات‏.‏

وينبغي أن تصبح الأولوية في الشهادة على خصومات تتعلق بالصيدلة ومسائلها وآثارها‏،‏ للنساء‏،‏ إذا غدت مهنة الصيدلة وقفاً في مجتمع ما‏،‏ على النساء‏.‏

ولكن يجب أن نعلم إلى جانب هذا أنه لاعبرة بعرف اجتماعي متجدد‏،‏ يخالف حكماً من أحكام الشريعة الإسلامية الثابتة‏،‏ إذ هو عرف باطل‏،‏ وما يترتب على باطل فهو باطل مثله‏،‏ وذلك كأن يقال‏:‏ قد يظهر في بعض المجتمعات عرف بتوظيف المرأة في سلك الشرطة‏.‏‏.‏ وهذا يقضي قبول شهادتها في الجرائم والجنايات‏.‏‏.‏ إن من الواضح أن هذا الافتراض مرفوض‏،‏ نظراً إلى أن الشارع جل جلاله‏،‏ لا يقر جريان هذا العرف ومن ثم فهو لا يقر ما قد يترتب عليه‏،‏ والسبب في عدم إقرار الشارع لهذا العرف أن من شأن هذه الوظيفة أن تفقد المرأة أنوثتها‏،‏ وفي ذلك جور كبير عليها‏،‏ كما أن في ذلك جوراً على المجتمع إذ يختفي منه‏،‏ ولو جزئياً‏،‏ السر الأنثوي الذي يضفي عليه معنى من أهم معاني السعادة‏.‏

ومن الدلائل البينة على ذلك أننا لانكاد نجد امرأة سوية الأنوثة والمزاج‏،‏ تقبل الدخول في هذا السلك‏،‏ إلا أن تكون مغلوبة على أمرها‏.‏‏.‏ فيكون شأنها عندئذ كتلك التي ترتدي ‏(‏‏(‏أفرول‏)‏‏)‏ العمل وتعمل بياض نهارها سائقة تاكسي أو حمّالة حقائب‏.‏

حق الحرية

وأما حق الحرية‏:‏ فمن الواضح أننا لانعني بها الحرية الداخلية‏،‏ أي القدرة على تحكم الإنسان بذاته‏،‏ والتحرر من قوانين بشريته‏،‏ وإنما نعني بها الحرية الخارجية‏،‏ وهي مدى المرونة التي يتمتع بها الإنسان في التعامل مع العالم المحيط به‏،‏ من حيث سائر الأنظمة والأنشطة التي تتجلّى فيه‏.‏

ولنبدأ بمقدمة نصدّرها بهذا السؤال‏:‏ ما هو موقف الإسلام من هذه الحرية عندما يرغب الإنسان أن يتمتع بها‏؟‏

وأقول في الجواب‏:‏ إننا إن نلاحظ علاقة الإنسان بالله‏،‏ علمنا أن الإنسان لا يملك أي حرية تجاهه‏،‏ أي لا يؤذن له بالتمتع بها خارج النطاق الذي حدده الله له‏.‏

ذلك لأن الإنسان مكلف‏.‏‏.‏ أي إنه مسؤول عن جملة وظائف والتزامات كلفه الله بها‏،‏ ومن ثم فإنه لا يملك أن يتصرف إلا ضمن ما قد أذن له الله فيه‏.‏

غير أن هذا التكليف الذي يحول دون ممارسة المكلف لحريته في التصرف‏،‏ لا تظهر قيمته وآثاره إلا في الحياة الآخرة‏،‏ أما في الدار الدنيا فإن السبيل أمام المكلف تظل مفتحة‏،‏ فهو يتمكن من فعل ما يشاء ومن التصرف على النحو الذي يريد‏،‏ على الرغم من أن سمة التكليف تظل تلاحقه‏،‏ فهو بهذا المعنى وضمن هذا النطاق يملك حريته‏،‏ إذ هو متمكن من التصرف في فجاج هذه الحياة الدنيا‏،‏ على النحو الذي يريد‏.‏

فإذا تبين هذا‏،‏ فقد آن لنا أن نعلم‏،‏ أن علاقة الإنسان بالحرية الداخلية مع ذاته‏،‏ وبالحرية الخارجية مع مجتمعه‏،‏ تنطبق على كل من الرجل والمرأة على السواء‏،‏ فلا مدخل للرجولة بحد ذاتها‏،‏ ولا للأنوثة بحد ذاتها في جوهر الحرية‏،‏ أو نسبة تمتع الإنسان بها‏.‏

وهانحن نستعرض الجوانب التي قد تكون مثار جدل في هذا الأمر‏.‏

أولاً ‏-‏ حرية العمل‏:‏

إن الأعمال المشروعة التي أباحها الله تعالى للرجال‏،‏ هي ذاتها التي أباحها الله للنساء‏،‏ والأعمال التي حرمها الله تعالى على الرجال هي ذاتها التي حرمها الله على النساء‏.‏

غير أن الله تعالى ألزم الرجال بآداب سلوكية واجتماعية‏،‏ فاقتضى ذلك أن تكون أعمالهم التي يمارسونها خاضعة لتلك الضوابط والآداب‏،‏ وألزم النساء أيضاً بآداب سلوكية واجتماعية‏،‏ فكان عليهن أن لايخرجن في أعمالهن التي يمارسنها على شيء من تلك الأحكام والآداب‏.‏

وعلى سبيل المثال‏:‏ ألزم الله المرأة التقيد بمظاهر الحشمة‏،‏ وحرّم عليها الخلوة بالرجال الأجانب كما حرّم على الرجال ذلك‏،‏ إذن فلا يجوز لكل منهما ممارسة الأعمال التي قد تفضى إلى الخلوة المحرمة‏،‏ دون تفريق‏،‏ كما لايجوز للمرأة أن تباشر من الأعمال ما يضطرها إلى الخروج عن حشمتها التي أمرها الله بها‏.‏

فإذا التزم كل من الرجل والمرأة بالآداب المطلوبة من كل منهما‏،‏ فإن للمرأة ‏-‏ كما للرجل ‏-‏ أن تباشر أي عمل من الأعمال المباحة بحد ذاتها‏،‏ من صناعة أو زراعة أو تجارة أو وظيفة أو غيرها‏.‏

غير أن هذه الأعمال إذا تزاحمت بحكم تكاثر المتطلبات الأسرية والاجتماعية والثقافية مثلاً فلا مناص عندئذ من اتباع ما يقتضيه سلم الأولويات في تقديم الأهم عن المهم‏.‏‏.‏ وهكذا‏.‏

إن الوقت لايسعف المرأة مثلاً في النهوض بسائر المهام التي تلاحقها من الانصراف إلى رعاية بيتها وتربية أولادها‏،‏ مع قيامها بالوظائف الاجتماعية الأخرى‏،‏ وكلها مفيدة ومشروعة لها في الأصل‏.‏

إذن فلا حل سوى اللجوء إلى رعاية ما يقتضيه سلم الأولويات‏.‏

وسلم الأولويات يقول فيما يقرره سائر علماء الدين والاجتماع‏:‏ إن نهوض الزوجة الأم برعاية زوجها وتربية أولادها والعمل على تنشئتهم النشأة الصالحة‏،‏ يرقى إلى مستوى الضروريات من مصالح المجتمع‏،‏ وانطلاقاً من هذا المبدأ‏،‏ فإن عليها حينئذ أن توفر وقتها للنهوض بهذا الضروري من المصالح الاجتماعية‏،‏ وإن اقتضى ذلك التضحية بوظائف أخرى‏.‏

وهذا الواقع الذي يقتضيه سلم الأولويات‏،‏ واحد من أهم الأسباب التي اقتضت أن يتحمل الزوج ‏-‏ في حكم الشريعة الإسلامية ‏-‏ مسؤولية نفقة الزوجة وكفايتها‏.‏‏.‏ ولاريب أن هذه الشرعة هي التي جعلت الأسرة الإسلامية في مأمن من الشقاء الذي عصف بسعادة الأسرة في الغرب‏،‏ وأحال المنازل التي كانت يوماً ما خلايا مقدسة لأسر متماسكة‏،‏ إلى ‏(‏موتيلات‏)‏ صغيرة يأوي إليها أشخاص تقطعت مما بينهم صلات التعاون والقربى‏،‏ فلم يعد يجمعهم إلا المبيت في هذه الملتقيات‏.‏

ثانياً ‏-‏ الحرية السياسية‏:‏

إن ما قلناه عن حرية العمل لكل من الرجل والمرأة‏،‏ سنجده ينطبق هو ذاته على الأنشطة السياسية التي بوسع المرأة أن تمارسها‏،‏ باستثناء رئاسة الدولة التي سنفرد الحديث عنها إن شاء الله‏.‏

ولنستعرض الوظائف السياسية‏،‏ متدرجين من الأدنى إلى الأعلى‏.‏

أولى هذه المهام مبايعة الحاكم‏،‏ وتدخل في حكمها مبايعة من يختارون ممثلين عن الأمة أو الشعب في مجالس الشورى‏،‏ ومن المعلوم أن هذه البيعة عمل سياسي وليس دينياً مجرداً‏،‏ إذ إن الذين دخلوا الإسلام يوم فتح مكة‏،‏ إنما تم إسلامهم بإعلانهم عن عقيدتهم الإسلامية واستسلامهم لأركان الإسلام‏،‏ وإنما كان وجه الحاجة إلى المبايعة ضرورة إعلانهم عن الانقياد للسلطة السياسية التي يتمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏

فهذه المبايعة السياسية التي يأمر بها الدين‏،‏ يستوي في المطالبة بها الرجال والنساء معاً دون أي تفريق‏.‏‏.‏ روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله بايع النساء يوم الفتح‏،‏ وكان يبايعهن بالكلام‏،‏ أي دون مصافحة‏.‏

إذا تبين هذا‏،‏ فإن القول ذاته يرد في مبايعة أو انتخاب المرأة لأعضاء مجلس الشورى‏،‏ ذلك لأن ضابط الحكم ومصدره واحد في الحالتين‏.‏

ثاني هذه المهام‏:‏ الاشتراك في عضوية مجلس الشورى على اختلاف أنواعها ومراتبها‏.‏

وبقطع النظر عن الأساليب التي تطورت إليها هذه المجالس‏،‏ فإن مبدأ اعتماد الدولة على الشورى واجب شرعي يدخل في جوهر الدين وأساسه‏،‏ وكلنا يقرأ في ذلك الأمر الإلهي الصريح في محكم بيانه‏.‏

وهذا واحد من الأحكام التي يتلاقى فيها الواجب مع الحق‏،‏ فحكم الشورى يتضمن الوجوب في الخطاب الموجه إلى الحاكم‏،‏ ويتضمن حقاً مقرراً في الخطاب الموجه إلى الأمة‏.‏

ونظراً إلى أن الأمة‏،‏ أو الرعية‏،‏ تتألف دائماً من شطري الرجال والنساء‏،‏ فإن حق الشورى مستقر لهذين الشطرين معاً‏.‏

وقد جرى تطبيق هذا الحكم في عصر النبوة بأجلى صوره‏،‏ فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه دخل يوم صلح الحديبية على أم سلمة يشكو إليها أنه أمر الصحابة أن يتحللوا وينحروا هداياهم ويحلقوا رؤوسهم فوجموا ولم يفعلوا‏،‏ فقالت‏:‏ يا رسول الله‏،‏ أتحب ذلك‏؟‏‏.‏‏.‏ اخرج ولا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك‏،‏ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل ما قالته أم سلمة‏(‏1‏)‏‏..‏

وقد أوضح الحسن البصري ما يؤخذ من هذه الواقعة‏،‏ من شرعية استشارة النساء‏،‏ فقال‏:‏ إنْ كان رسول الله لفي غنى عن مشورة أم سلمة‏،‏ ولكنه أحب أن يقتدي الناس في ذلك‏،‏ وأن لايشعر الرجل بأي معرة في مشاورة النساء‏.‏

وقد كان الخلفاء الراشدون يستشيرون النساء‏،‏ وكان في مقدمتهم عمر رضي الله عنه‏،‏ وكان أبو بكر وعثمان وعلي يستشيرون النساء‏(‏2‏)‏‏،‏ ولم نجد في شيء من بطون السيرة والتاريخ أن أحداً من الخلفاء الراشدين حجب عن المرأة حق استشارتها والنظر في رأيها‏.‏

واعتماداً على هذا الذي ثبت من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلموعمل الصحابة فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الشورى تلتقي مع الفتوى في مناط واحد‏،‏ فكل من جاز له أن يفتي في أمر ما‏،‏ جاز له أن يشير في الأمر ذاته‏،‏ وكان للإمام والقاضي أن يستشيره ويأخذ برأيه‏.‏‏.‏ ومعلوم أن الذكورة ليست شرطاً في صحة الفتوى ولا في منصبها‏.‏

يقول الماوردي في ‏(‏أدب القاضي‏)‏ إن كل من صحّ أن يفتي في الشرع‏،‏ جاز أن يشاوره القاضي في الأحكام‏،‏ فيجوز أن يشاور الأعمى والمرأة والعبد‏(‏3‏)‏‏،‏ وهذا كلام عامة الفقهاء‏.‏

ثالث هذه المهام الوظائف السياسية الأخرى على اختلاف وتفاوت درجاتها‏.‏

ونقول بعموم وإيجاز‏:‏ إن المرأة التي تكون أهلاً من حيث الخبرة والاختصاص‏،‏ لأي من هذه الوظائف‏،‏ والتي تكون مستعدة لأن تضبط نفسها وسلوكها بالضوابط الدينية التي أمر بها الله عز وجل‏،‏ مما قد مرّ بيانه والتذكير به‏،‏ ليس في الشرع ما يمنع من ممارستها لتلك الوظيفة‏.‏

وأقول بعبارة أوضح‏:‏ إن الحظر الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلمهو ذاك الذي تضمن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏‏(‏لن يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة‏)‏‏)‏ وقد اتفق العلماء على أن المراد بتولية الأمر إمامة الأمة أو رئاسة الدولة إذ هو قال ذلك بمعرض الحديث عن بوران التي نصبت ملكة في الإمبراطورية الفارسية‏،‏ وتبقى الوظائف والمهام السياسية التي هي دون ذلك‏،‏ مسكوتاً عنها‏،‏ وقد علمنا أن الأصل في الأشياء كلها الإباحة‏،‏ حتى يرد ما يخالف ذلك الأصل من الحظر‏.‏

وهذا يعني أن سائر الأنشطة السياسية التي قد تمارسها المرأة‏،‏ مما هو دون رئاسة الدولة‏،‏ داخل في عموم حكم الإباحة‏،‏ بالشرطين اللذين نذكّر بهما‏:‏ أن تكون المرأة أهلاً لتلك الوظيفة من حيث الخبرة‏،‏ والاختصاص‏،‏ وأن تتقيد بأوامر الدين وضوابطه وآدابه من حيث المظهر والسلوك‏.‏

والواقع أن شيئاً من هذه الوظائف‏،‏ لايعوق المرأة عن الانضباط بأوامر ربها‏،‏ وإنما المجتمع بنظمه وعاداته السيئة التي آل إليها‏،‏ هو الذي يضغط على المرأة‏،‏ ويزجها في تيار التخلي عن ضوابط دين الله وأحكامه‏.‏