القول
الفصل في قضية الهم بين يوسف وامرأة العزيز
(الجزء الأول)
إهداء
إلي نبي الله يوسف أهدي هذا الكتاب وأدعو الله أن أكون قد أصبت فيما فهمته وما
كتبته وأكون قد أعطيته حقه.
مقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا ، ونشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله
الحمد ، أنزل القرآن هدى للعالمين ، وشفاءً للقلوب ، وموعظة للبشرية جميعا ، فأنار
الله به قلوبا عميا ، وأسمع به آذانا صما ، وجعله نبراساً لكل إنسان ضل عن الطريق ،
فإن عاد إليه وصل إلي الغاية الكبرى. وأصلي وأسلم علي المبعوث رحمة للعالمين محمد
صلي الله عليه وسلم ، فإن حاولت أن أقول عنه شيئا عجز القلم عن الكتابة ، ولن
أستطيع أن أقدره حق قدره بعد أن قال الله فيه في سورة القلم ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى
خُلُقٍ عَظِيم ٍ﴾ القلم 4
وقد قال هو عن نفسه في مسند ألإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ
الْأَخْلَاقِ ٍ﴾.
وبعد:-
هذا الكتاب هو باكورة ما كتبت وقد أخذ مني وقتا طويلا ، حوالي الست سنوات ، وذلك في
البحث والدراسة لكي يخرج إلي الناس ، ولقد ترددت كثيرا في كتابته ، لأن موضوعه قد
أثار الجدل والاختلاف بين العلماء ، ومن بعدهم العامة.
وما دعاني إلي الخوض فيه ، إلا أن وجدت في نفسي الرغبة للكتابة ، وأن أضع ما فهمته
وما خرجت به أمام الناس .
وقبل كل هذا استخرت الله ، وأخذت أعرض الأمر علي من يهمني رأيهم ، وفي نهاية الأمر
توكلت علي الله ، فإن كان هناك أخطاء فأرجو الرد عليه بموضوعية ، وإنني مستعد لتقبل
كل ما يقال فيه ، ومحاولة الرد على أى استفسار فيه. فقد يسأل سائل ما دعاه إلي
التفسير وهو غير مؤهل لهذا ، فأقول لست مفسرا ولا أدعيها ، ولا أحد يدعيها حتى
إمامنا الشيخ محمد متولي الشعراوي ؛ كان يقول ، إنها خواطر حول القرآن الكريم. وعلى
هذا فأقول: إنها أفكار تتوالد وتتداعى لقراءتنا وتلاوتنا لكتاب الله ، وما خرجنا به
بعد دراستنا وقراءتنا لما كتبه سلفنا الصالح من أئمة الفقة والتفسير ، وما وضحه لنا
علماؤنا الأجلاء السابقين والمعاصرين ، فنقول ما فهمناه وما عقلناه وما استطعنا أن
نخرج به من القرآن ، عسى أن ينفعنا به الله . وهذه سمة ليست لشخص معين ، ولكنها لكل
مسلم مؤمن يقرأ القرآن كثيرا بفهم وعمق ، ويقف عند كل آية يقرأها.
فإنه كلما يقرأ يجد فكرا جديدا وفهما جديدا لكل ما قرأ من القرآن الكريم ، ويفتح
الله أمامه الآيات .
ويقول تبارك وتعالى في سورة الكهف ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا
لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْر ُقَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي
وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ الكهف 109
﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ
بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ﴾ لقمان 27
ولكن القرآن مفسر بذاته ، ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾ إلاسراء12
﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا
عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)﴾ يوسف
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ القمر 17
فإنه وبعون من الله وقدرته ، أحاول بقدر استطاعتي ، أن ألقى بعض الضوء على الآيات
الخاصة بقصة سيدنا يوسف مع امرأة العزيز، وتفصيلها بعض الشئ . وقد اعتمدت في كتابة
هذا الكتاب على أمهات كتب التفسير - الطبري - القرطبي- ابن كثير- وكذا الخواطر
الإيمانية لفضيلة الإمام محمد متولي الشعراوي. وعذرا إن كنت قد أطلت بعض الشئ
في ما نقلته من كتب التفسير، ثم أقول بعد ذلك ما فهمته وما استنبطته من الآيات.
وشكرا لكل من ساهم بالرأي والتوجيه حتى خرج هذا الكتاب إلى النور. فإن كنت قد وفقت
وأصبت فيما ابتغيت ، فهذا نعمة وفضل من الله تبارك وتعالى ، وما ابتغيت إلا رضوانه
سبحانه وتعالى فهو نعم المولى ونعم النصير.
مهمة الأنبياء والرسل
يقول رب العزه في كتابه الكريم :﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ
اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ
فِيهِ إلا الَّذِينَ أوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا
بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ
الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلي صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
البقرة 213.
وقال تعالى : ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ النساء
(165) .
وعلى هذا فإن النبيين والمرسلين مبشرين برضوان الله تعالى لكل من وافقهم واستمع إلي
رسالة الله ، وأخذ ما أرسلوا به بعين الحق ، واتبعوا أوامر الله سبحانه وتعالى.
ومنذرين لكل من خالف ما أرسلوا به بعذاب من الله في الدنيا والآخرة.
لكن رسل الله وأنبيائه في دعوتهم يتعرضون لمواقف كثيرة صعبة ، وبعلم منه سبحانه
وتعالى، وبتقدير منه ، ثم يريهم الله كيفية الخروج من هذه المواقف ، لأنه جعلهم
قدوة للبشرية تقتدي بهم في المواقف المختلفة، ليهتدي بهم البشر، وذلك تعليما لهم.
ففي البداية ـ علم الله آدم كلمات يتوب بها إلي الله بعد غواية الشيطان له ؛
﴿ فَتَلَقَّى آدم مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ البقرة 37.
والثانية ـ علمنا من خلال ابني آدم كيف يكون القربان إلي الله طيبا فيتقبله الله ﴿
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدم بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ
لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّه مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ المائدة
27.
والثالثة ـ علمنا من خلال الغراب كيف نوارى أجسادنا التراب ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ
غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ
يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأوارِيَ سَوْأَةَ
أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادمينَ ﴾ المائدة 31 .
وفى عدم الحنث باليمين ـ يعلمنا من خلال سيدنا أيوب ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا
فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ
إِنَّهُ أوابٌ ﴾ ص 44.
وهكذا لجميع الأنبياء والمرسلين، فإن الله يعلمنا من خلالهم ، وما هذه إلا أمثلة
وفى هذا الكتاب سنذكر ابتلاءً واحدا مما ابتلى به سيدنا يوسف عليه السلام ـ ألا وهى
قضيه الهم التي كانت بينه وبين امرأة العزيز والتي اختلف فيها العلماء ، فيقول رب
العزه
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ
بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ يوسف 24.
وسنبدأ بعرض الآيات الخاصة بهذه القضية.
بسم
الله الرحمن الرحيم
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى
أَنْ يَنْفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي
الأرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأويلِ الأحاديث وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22) وَرَاودَتْهُ
الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ
لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاي إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ(23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رأى بُرْهَانَ
رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ
عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ
دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ
بِأَهْلِكَ سُوءً إلا أَنْ يُسْجَنَ أو عَذَابٌ أليمٌ(25) قَالَ هِيَ رَاودَتْنِي
عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ
قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ
مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ(27) فَلَمَّا رأى قَمِيصَهُ
قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ(28)
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ
الْخَاطِئِينَ(29) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امرأة الْعَزِيزِ تُرَاودُ
فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ
مُبِينٍ(30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إليهِنَّ وَأَعْتَدَتْ
لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ
عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأينَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أيدِيَهُنَّ وَقُلْنَ
حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31) قَالَتْ
فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاودْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ
فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ
الصَّاغِرِينَ(32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلي مِمَّا يَدْعُونَنِي إليهِ
وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ
الْجَاهِلِينَ(33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأوا الآيات
لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)35) ﴾
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إلي
رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أيدِيَهُنَّ إِنَّ
رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاودْتُنَّ يُوسُفَ
عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ
امرأة الْعَزِيزِ الأن حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاودْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ
لَمِنَ الصَّادِقِينَ(51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ(52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي
غَفُورٌ رَحِيمٌ(53) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ إليوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ(54) ﴾ (سورة
يوسف)
صدق الله العظيم
البداية
من الآيات السابقة ، نجد أن قصة سيدنا يوسف في مصر تبدأ بعد أن وطأت قدماه أرض مصر،
وابتاعه العزيز من السيارة.
وبداية قصته مع امرأة العزيز من الآية 21 فيقول تعالى:
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى
أَنْ يَنْفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي
الأرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأويلِ الأحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى
أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يوسف (21)
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْر لِامْرَأَتِهَِ ﴾؛
الذي اشترى يوسف من مصر هو عزيز مصر. ويقول ابن عباس في القرطبي: أنه وزير الملك.
ويقول ابن اسحق في ابن كثير: كان على خزائن مصر. وعلينا أن نعرف لماذا اشتراه
وعهد به إلي امرأته. اشتراه العزيز أعجابا به لجماله وحسن صورته وصغر سنه . وعهد به
العزيز إلي امرأته ، ولم يعهد به إلي إحدى الخادمات ، أو حتى استأثر به لنفسه .
وذلك لأن العزيز لم يكن له ولد ولا يأتي النساء ، كما قالت بعض كتب التفسير. ففي
القرطبي حيث قال : قال ابن عباس: كان حصورا لا يولد له، وكذا قال ابن إسحاق: كان لا
يأتي النساء ولا يولد له وكذا قال الطبري. ويقول الإمام الشعراوي في خواطره حول
القرآن الكريم : وكان للشراء علة فهو قد اشتراه لامرأته ليقوم بخدمتها ، وكانت لا
تنجب وتكثر في الإلحاح عليه فى طلب العلاج ، وتقول أغلب السير أن من اشتراه كان
ضعيفا من ناحية رغبته في النساء............. انتهى
وقد نميل في الرأي إلى أنه كان ضعيفا من ناحية رغبته في النساء وإلا ما كانت امرأته
حاولت فعل الفاحشة مع يوسف.
كان هذا هو السبب الأول,
أما السبب الثاني: صغر سن يوسف بحيث لا يتعدى أصابع اليد الواحدة0 لأنه لو كان
كبيرا لقاوم إخوته، أو كان رفض أن يباع أو يشترى ، أو كان قال الحقيقة لمن ابتاعوه
، وكان لا يقوي على أي عمل. ولصغر سنه هذه كان لابد من العناية به. وعناية
الصغار لا يقدر عليها إلا النساء ، لأن الله قد جعل في المرأة حنانا وعطفا واحتمالا
للصغار ما يفوق الرجال ، لأن للنساء خصائصهن التي خلقها الله فيهن. وللرجال خصائص
القوة والسعي على الرزق واحتمال مشاق هذا السعي ، فإن حاول إنسان أن يغير سنة
الحياة التي فطرها الخالق ، فسدت الأرض، حيث يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم: ﴿
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ
أَكْثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ الروم 30
وعليه تجد هذه الفطرة في المخلوقات الأخرى لم تتغير، ولن تتغير، إلى أن يرث الله
الأرض وما عليها ، ما لم يتدخل فيها المفسدون من البشر، كما أفسدوا عقول الجهال
منهم. ماذا قال لها ؟ قال : ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أو
نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ إكرام المثوى : هو إعداد المكان الذي سيقيم فيه يوسف
من مسكن و مخدع وملبس ومأكل ومشرب ، علي أن يكون لائقا به ، لأنه وبنص الآية :﴿
عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾: أي قد يكون ذا نفع لهم في
المستقبل ، أو أن يكون لهم ابنا بديلا عن الولد الذي لم يرزقا به ، أي يتبنونه.
وهنا يقول الإمام الشعراوي :إن النفع المقصود هنا هو النفع الموصول بعاطفة من ينفع
؛ وهو غير نفع الموظفين العاملين تحت قيادة وإمرة عزيز مصر ؛ فعندما ينشأ يوسف كابن
للرجل وزوجه؛وكإنسان تربى في بيت الرجل ؛هنا ستختلف المسألة ؛ ويكون النفع محملا
بالعاطفة التي قال عنها الرجل ﴿ أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وقد علمنا من السير أنهما
لم يرزقا بأولاد.......انتهى.
وعلى هذا وبالعقل والاستنباط البديهي فنعرف أن يوسف سيقيم مع امرأة العزيز ليؤنسها
ويكون بمثابة الابن لها.
وبالفعل قامت امرأة العزيز بكل ما يلزم ، وأحسنت منزلة يوسف ، لأنه وقع فى قلبها
منذ أن رأته .وأصبح يوسف لدى امرأة العزيز محبة له وجعلته بمثابة ابنها الذي لم
تلده0 وجد يوسف هذه العناية وهذا الاهتمام ، ووجد منها هذا الحنان وهذا العطف الذي
حرم منه زمنا منذ أن فقد حنان الأمومة ، ثم عطف الأب بسبب غدر إخوته ، فتعلق بها
وجعلها مثل أمه التي فقدها من قبل. وأصبح يوسف متمكنا في بلاط العزيز، وأصبحت امرأة
العزيز لا ترفض له طلبا ، وهذه هي بداية تمكين يوسف في أرض مصر. ﴿ وَكَذَلِكَ
مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ ﴾: وعندما يقول الله ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا ﴾
فإنه أمر واقع لا محالة وإن كان سيحدث في المستقبل ، من وصول يوسف إلي أعلى مراتب
الحكم ، بالرغم من المواقف التي سيتعرض لها في حياته ، كما يقول تعالى في سورة
النحل : ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا
يُشْرِكُونَ ﴾ النحل 1
﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأويلِ الأحَادِيثِ ﴾: تأويل الأحاديث هنا كما تقول كتب
التفسير: هو تعبير الرؤيا ، وهى نعمة من الله يخص بها بعضا من عباده . ولقد خص الله
بها نبيه يعقوب ، وورثها ابنه سيدنا يوسف عليهما السلام ، وكذا أبناؤه ، والدليل
على هذا ، هو تحذيره لسيدنا ليوسف عندما رأى رؤيته :﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا
تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ
لِلإنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ يوسف 5.
وهذا يؤكد أن أبناء يعقوب كانوا يعرفون تعبير الرؤيا أيضا ، ولكن يوسف يختلف عن
إخوته في أن الله أورثه النبوة عن أبيه. ولكن تأويل الأحاديث ، في هذه الآية كما
أفهمها ، وقد أكون مصيبا في فهمي هذا أو أكون مخطئا: هو فهم معاني لغة أهل مصر
الفرعونية ، لأن لغته الأصلية هى اللغة العبرانية، وهو كان صغيرا ولا يجيد غيرها
لغة.
وسيسألني سائل ما دليلك على هذا ، أقول له: لو أنه تعلم تعبير الرؤيا في مصر، لكان
أولى بمن علموه ، أن يعبروا رؤيا الملك .
ولكنهم قالوا عندما سئلوا : ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأويلِ
الأحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ يوسف 44 ، أي أنهم يجهلون تعبير الرؤيا0 أو أن الله قد
كشف له بعضا من الغيب ، كما يقول في الآية 37 لصاحبي السجن : ﴿ قَالَ لَا
يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأويلِهِ قَبْلَ أَنْ
يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ
لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخرة هُمْ كَافِرُونَ ﴾ يوسف 37. والله أعلم.
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
﴾:
أي أن الله فعال لما يريد وما يشاء ولا يرده شيء عن مراده ، أو عن شيء قد قدره ،
وإذا أراد شيئا فإنما يقول له كن، ﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالأرْضِ وَإذا قَضَى
أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ البقرة 117 .
﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
النحل 40 .
﴿ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإذا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ ﴾ غافر 68.
ولا يمكن لمخلوق أيا كان أن يفعل شيئا على غير مراد الله ، فالكل تحت سمائه وقدره
وقدرته .
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ : وأكثر الناس هم من العامة ، أو
ضعيفي الإيمان ، الذين يأخذون بظاهر الأعمال، ولا يصل تفكيرهم إلي حكمة الله من كل
فعل يفعله مع عبده ، من اختبارات ، وابتلاءات ، في مرحلة ما من حياتهم ، وتكون
نظرتهم ضيقة وصبرهم نافذ ، ولا يعلمون أن الصبر على البلاء ، والشكر على النعمة
يكون جزاؤه في مرحلة أخرى.
بلوغ الأشد
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ ﴾ يوسف (22)
كبر يوسف في بيت امرأة العزيز وبلغ أشده.
وبلوغ الأشد هنا كما يقول إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطره حول
القرآن الكريم : وبلغ أشده أي وصل إلي غايته في النضج والاستواء ومهمة الإنسان في
عمارة الأرض من بداية البلوغ.
ويقول ربيعه وزيد بن أسلم و مالك بن أنس في القرطبي : الأشد بلوغ الحلم وفى ابن
كثير ، ولما بلغ يوسف أشده أي استكمل عقله وتم خلقه.
﴿ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ : الحكم كما يقول الإمام الشعراوي : هو الفيصل
بين قضيتين متعارضتين ويقول أيضا ، إن لم يحكم هذا الأشد حكمة وعلم فيكون هناك
رعونة.
ويقول القرطبي : جعلناه المتولي على الحكم فكان يحكم في سلطان الملك أي وآتيناه
علما بالحكم ، وقيل الحكم والنبوة، والعلم علم الدين ، وقيل علم الرؤيا0
ويقول ابن كثير في تفسيره ، يعنى النبوة أنه حباه بها بين أولئك الأقوام.
ومن هنا نقول والله المستعان :
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ : أي آتاه الله الحكمة والنبوة ورجاحة العقل الذي
يفكر قبل أن ياتى أي فعل ، ويزن الأمور بميزان دقيق ويختار الأصلح منها ، وليس
بميزان الطيش ، أو العاطفة ، أو النزوة ، أو المصلحة الشخصية ، أو ميزان الهوى.
وعلينا أن نقرأ الآية ونتدبرها جيدا :﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ
حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ : فنجد أن الحق سبحانه قد سبق بالحكم قبل العلم ، أي آتاه
رجاحة العقل أولا ليحكم بين الأمور، وليميز بين القضايا المتعارضة ، ليختار ما
يناسب أوامر الله سبحانه وتعالى ، ويبتعد عما نهى الله عنه. ثم بدأ الله في تعليمه
، لأنه إن لم يكن هناك عقل راجح متحكم في تصرفات العبد ، فإن العلم الذي سيتعلمه
سيكون بلا فائدة ، فكم من أساتذة وعلماء ليس لديهم رجاحة العقل المستنير، فيستخدمون
علمهم في مالا يفيد وقد يضر ومنهم من يستخدم مكانته العلمية أو ما تعلمه للإضرار
والإفساد ، وهنا يسقط المتعلم الأهوج. وهنا أيضا عندما يؤتى الله الحكم
لسيدنا يوسف ، فإنما يعده ويؤهله لما سيتعرض له في المرحلة المقبلة من حياته ، من
فتنة امرأة العزيز، ثم فتنة النسوة، ثم السجن ، والحكم بعد ذلك.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾:
يقول الإمام الشعراوي : كل إنسان يحسن ما أدى من عمل يجزيه الله.
ويقول الطبري و القرطبي:﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي المؤمنين وقيل
الصابرين على النوائب.
ويقول ابن كثير:﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي أنه كان محسنا في عمله
عاملا بطاعة الله تعالى.
المراودة
﴿ وَرَاودَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ
وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مثواي
إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ يوسف (23)
يقول الإمام الشعراوي في خواطره :
المراودة :هي مطالبة برفق ولين في خداع يستر ما تريده ممن تريده ، أي طالبته
بلين ورفق في أسلوب يخدع ليتحرر مما هو فيه إلي ما تطلبه .
غلقت:الحدث يبالغ فيه إما لقوة الحدث أو لتكرار الحدث.
مَعَاذَ اللَّهِ : أنت لا تستغيث إلا إذا خارت قواك .
ويقول الطبري في تفسيره:
يقول تعالى ذكره: وراودت امرأة العزيز- وهي التي كان يوسف في بيتها -عن نفسه أن
يواقعها ،وعن ألسدي ﴿ وَرَاودَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ٍ﴾
قال أحبته.
: وقوله: ﴿وغلقت الأبواب﴾ يقول: وغلقت المرأة أبواب البيوت ، عليها وعلى يوسف لما
أرادت منه وراودته عليه ، بابا بعد باب.
وقوله: ﴿قال معاذ الله﴾ يقول جل ثناؤه: قال يوسف إذ دعته المرأة إلي نفسها وقالت له
هلم إلى: اعتصم بالله من الذي تدعوني إليه وأستجير به منه .
وقوله: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ يقول: إن صاحبك وزوجك سيدي .
وقوله: ﴿أحسن مثواي﴾ يقول: أحسن منزلتي وأكرمني وائتمنني ، فلا أخونه .
، عن ابن إسحاق ، قال: ﴿أحسن مثواي﴾ أمنني على بيته وأهله .
وقوله: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ يقول: إنه لا يدرك البقاء ، ولا ينجح من ظلم ففعل ما
ليس له فعله ، وهذا الذي تدعوني إليه من الفجور ظلم وخيانة لسيدي الذي ائتمنني على
منزله.
القرطبي :
أصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين.
﴿غلقت الأبواب﴾:غلق للكثير ولا يقال غلق الباب0يقال إنها سبعة أبواب غلقتها ثم دعته
إلي نفسها .
﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ :هلم وأقبل وتعال
قوله تعالى: ﴿قال معاذ الله﴾: أي أعوذ بالله وأستجير به مما دعوتني إليه.
﴿إنه ربي﴾: يعني زوجها، أي هو سيدي أكرمني فلا أخونه؛ قاله مجاهد وابن إسحاق
والسدي.
ابن كثير :
خبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر وقد أوصاها زوجها به
وبإكرامه فراودته عن نفسه أي حاولنه على نفسه ودعته إليها وذلك أنها أحبته حبا
شديدا لجماله وحسنه وبهائه فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته
إلي نفسها ﴿وقالت هيت لك﴾ فامتنع من ذلك أشد الامتناع و﴿قال معاذ الله إنه ربي أحسن
مثواي﴾ وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير أي أن بعلك ربي أحسن مثواي أي منزلي
وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ قال ذلك
مجاهد........انتهى.
وعلى هذا نقول والله المستعان:
المراودة :هي عرض الشيء بأسلوب مزخرف ومزين ، فيه لين يخدع ، ويخرج
المطلوب منه ، أو المعروض عليه هذا الشيء ، عن حالته الطبيعية ليلقى قبولا لدى
الطرف الآخر.
وهذه هي أولى مراحل الزنا في هذه الحالة شب يوسف عن الطوق ، وأصبح شابا يافعا في
بلاط امرأة العزيز: ﴿ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ﴾ وكان يوسف جميلا، نظرت المرأة
إلي يوسف في لحظة تملكها فيها الشيطان ، وأخذت تراود نفسها أولا ، ويزين لها
الشيطان فعل الفاحشة معه.
يقول الإمام الشعراوي في خواطره :
لكل عملية شعورية يتعرض لها الإنسان في الفعل ثلاثة عوامل، إدراك ، فوجدان ، فنزوع
.كان الأول امرأة العزيز تنظر إلي يوسف لجماله ولا يوجد إربة أخرى تنظر إليه فيه
لكن عندما بلغ أشده أصبح الخيال يسرح في أكثر من الإدراك وهو النزوع لأنها وجدت في
نفسها إعجابا به ............انتهى.
وعلى هذا: فإن العلاقة بين امرأة العزيز ويوسف مرت بمراحل غواية منها وصد منه،
وسنفصلها بعض الشيء.
مراحل الغواية والصد :
المرحلة الأولى: المراودة الخفية:
يوسف شاب في بيت امرأة العزيز، وهى التي أكرمت مثواه من قبل ، ولها الفضل عليه من
تربيتها له، وجعلته في بيتها، وتعامله معاملة غير معاملة العبيد في القصر ، وله
ميزة عن غيره ، وتتنازعها العاطفة تجاهه ، فإن أمرته بشيء فيجب أن يطيعها .ولكنها
تعرفه ، وتعرف أخلاقه ، وحياءه ، ورجاحة عقله ، وعلمه، فكيف سيكون الوصول إليه
.إذاً ، عليها أن تعرض الأمر عليه بمكر المرأة ودهائها ، كإشارات،وتلميحات،
وإيحاءات ، لعلها تجد منه استجابة . فلم تجد منه ما يشير إلي أنه استجاب إلي ما
ترمى إليه . إذا فماذا تفعل ؟ أخذت تنازع نفسها ، إنها تريده ، وبأي شكل يجب أن
تناله ، والمرآة لا تحب من يتجاهلها وتحب أن تكون مطلوبة ، والتجاهل يثير ثائرتها ،
وتعقد العزم وتصر على أن تنال غايتها أيا كانت ، وبأي أسلوب ، أو طريقه ، ولا ترضى
بالاستسلام.
المرحلة الثانية: الغواية المكشوفة:
قامت امرأة العزيز في هذه المرحلة بالعرض ، فقد يكون يوسف خائفا أو مترددا. فقامت
بصرف العبيد وسدنتها ، ونعرف أنه يقيم في بيتها ، وقامت بغلق الأبواب (أبواب القصر)
إغلاقا محكما: ﴿وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ﴾ ، وتزينت كزينة المرأة لزوجها. وأبرزت
مفاتنها له ، لعله تنازعه نفسه ، وتتحرك أحاسيسه عندما يراها في هذه الفتنة ، ويميل
إليها ، خاصة ، وأنه شاب وليست لديه خبرة الرجال في تمالك الأعصاب في مثل هذه
المواقف. ولكن خاب ظنها ، فلم ينظر إليها وتجاهلها ، بل واستحي منها . فزاد حنق
امرأة العزيز على يوسف ، فما كان منها إلا أن تدخل في المرحلة التالية.
المرحلة الثالثة: التصريح الواضح لفعل ال